ذاكرتُ بعض الشيوخ في حكم فداء جثث قتلى الحرب إذ كان يُنكره ويقول: لا دليل عليه.!
فذكرتُ له ما رواه ابن إسحق أن نوفل بن المغيرة تورط في اقتحام الخندق فقُتل، فغلب المسلمون على جسده، فعرض بنو مخزوم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشرة آلاف درهم في جسده، فقال: (لا حاجة لنا في جسده ولا في ثمنه) ودفعه إليهم، فهو أصل في تقرير هذا المعنى.
فعجب من هذا الخبر، فقلتُ: أعجب من ذلك وأنت ممن تصدّر للفتيا ذهولُك عن علم السِّيَر والتاريخ ومعرفته والاطلاع عليه!
وقد ذكر ابن فهد المكي في (نزهة الأبصار) أنه سمع ممن يوثق بعلمه ودينه، أن الاشتغال بنشر أخبار الفضلاء وتواريخهم، من علامات سعادة الدنيا والاخرة، إذ هم شهود الله في أرضه.
ونقل أبو حيان التوحيدي في (البصائر) عن القاضي أبي حامد الـمرْوَرُّوذي الشافعي أنه قال: (السّيرَ بحرُ الفتيا، وخزانة القضاء، وعلى قدْر اطلاع الفقيه عليها يكون استنباطه).
قال أبو حيان:(هذا الرجل -يريد أبا حامد- أنبلُ من رأيتُه فى عمري، كان بـحراً يتدفقُ حفظاً للسير، وقياماً بالأخبار، واستنباطاً للمعاني، وثباتاً على الجدل، وصبراً فى الخصام).
ومن لطائف الأخبار الدالة على ذلك ما وقع على عهد الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي، أن اليهود الخيابرة ادّعوا عند الوزير أبي القاسم بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسقط عنهم الجزية عام خيبر، فطالبهم الوزير بدليل، فأخرجوا له كتاباً يزعمون أنه عَهْدُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، وعليه خاتمه، وفيه شهادة جماعة من الصحابة منهم معاوية بن أبي سفيان وسعد بن معاذ، وأنه بـخط أمير المؤمنين علي.!
فتحيّر الوزيرُ وما درى ما يصنع، حتى استدعى الخطيبَ البغداديَّ وأطلعه على ذلك الكتاب، فنظر الخطيبُ فيه نظرة، ثم قال: هذا الكتاب مزور كذب؛ لأن فيه شهادةَ معاوية، ولم يكن أسلم يومَ خيبر، وقد كانت خيبر سنة سبع من الهجرة، وإنما أسلم معاويةُ عامَ الفتح، وفيه شهادةُ سعد بن معاذ، وقد مات قبل خيبر عام الخندق سنة خمس، فافتضح اليهود، واستحسن الناس هذا من الخطيب، وشكروا له واعترفوا بفضله وعلمه.
وقد وقع نظير هذا قبل ذلك لأبي جعفر الطبري فسلك في إبطال الكتاب مسلك الخطيب، وتكرر حصول هذه الواقعة على عهد الحافظ أبي طاهر السلفي، فذكر نحواً من ذلك، ونبّه على وضع الكتاب.
ثم تكررت على عهد أبي العباس ابن تيمية، فتكلّم على إبطال الكتاب من عشرة وجوه، غالبها مستند إلى معرفة التاريخ والاستبحار في علم السير، وقيل إنه رحمه الله أبان عن كذب الكتاب بدلائلَ يرجع بعضها إلى نوع الخط والكتابة والورق، وقد أفرد الحافظ ابنُ كثير جُزءاً في الكلام على هذه الواقعة وشرح حالها.
ووقع ذكرها والكلام عليها في تصانيف الشافعية مثل كتاب العمراني (بيان ما أشكل من المهذب) و(البحر) للروياني وغيرهما، وقال القاضي أبو الحسن الماوردي في باب الجزية من (الحاوي): (: فأما يهود خيبر فالذي عليه الفقهاء أنـهم ممّن أُخذ الجزية منهم كغيرهم، وقد تظاهروا في هذا الزمان بأمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كتاب نسبوه إليه أسقطوا به الجزية عن نفوسهم، ولم ينقله أحدٌ من رواة الأخبار ولا من أصحاب المغازي، ولم أرَ لأحد من الفقهاء في إثباته قولاً غير أبي عليّ بن أبي هريرة فإنه جعل مساقاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نخل خيبر حين افتتحها وقوله لهم: (أُقرّكم ما أقرّكم اللّه) أماناً وجعلهم بالـمساقاة خولاً، وأنّ بـهذين سقطت الجزية عنهم، وهذا قولٌ تفرّد به لا أعرف له موافقاً عليه، وليس الأمان موجباً لسقوط الجزية لأنـها تجب بالأمان فلم تسقط به ولا تسقط بالمعاملة كما لا تسقط بـها جِزية غيرهم ولو جاز هذا فيهم لكان في أهل فَدَك أجوز، لأنه فتحها صُلحاً، وفتح خيبر عنوة، وأحسب أبا عليّ بن أبي هريرة لـمّا رأى الولاة على هذا أخرج لفعلهم وجهاً وما لم يثبته الفقهاء لنقل أوجب التخصيص فحكم العموم فيه أمضى).
وقال الحافظ ابن كثير في (تاريخه): (قد ادّعى يهودُ خيبر في أزمان متأخرة بعد الثلاثمائة أنّ بأيديهم كتاباً من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه أنه وضع الجزية عنهم، وقد اغترّ بـهذا الكتاب بعض العلماء حتى قال بإسقاط الجزية عنهم، من الشافعية الشيخ أبو عليّ بن خيرون وهو كتابٌ مزوّر مكذوب مفتعل لا أصل له وقد بيّنتُ بطلانه من وجوه عديدة في كتاب مفرد، وقد تعرّض لذكره وإبطاله جماعة من الأصحاب في كتبهم كابن الصباغ في (شامله) والشيخ أبي حامد في (تعليقته) وصنّف فيه ابن المسلمة جزءاً منفرداً للرّدّ عليه، وقد تحركوا به بعد السبعمائة وأظهروا كتاباً فيه نسخة ما ذكره الأصحاب في كتبهم، وقد وقفتُ عليه فإذا هو مكذوب، فإن فيه شهادة سعد بن معاذ وقد كان مات قبل زمن خيبر، وفيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم يومئذ، وفي آخره وكتبه علي بن أبو طالب وهذا لحنٌ وخطأٌ، وفيه وضع الجزية ولم تكن شُرعت بعد، فإنـها إنما شُرعت أول ما شرعت وأخذ من أهل نجران، وذكروا أنـهم وفدوا في حدود سنة تسع واللّه أعلم).
وقال في حوادث سنة إحدى وسبعمائة من (تاريخه): (وفي هذا الشهر عقد مجلسٌ لليهود الخيابرة وأُلزموا بأداء الجزية أُسوة أمثالهم من اليهود فأحضروا كتاباً معهم يزعمون أنه من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم بوضع الجزية عنهم، فلمّا وقف عليه الفقهاء تبيّنوا أنه مكذوبٌ مفتعلٌ لما فيه من الألفاظ الرّكيكة والتواريخ المخبّطة واللّحن الفاحش، وحاققهم عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية وبيّن لهم خطأهم وكذبـهم وأنه مزوّر مكذوبٌ، فأنابوا إلى أداء الجزية، وخافوا من أن يُستعاد عليهم بالسنين الماضية).
قال: (وقد وقفتُ أنا على هذا الكتاب فرأيتُ فيه شهادة سعد بن معاذ عام خيبر، وقد توفّي سعد قبل ذلك بنحو من ثلاث سنين، وشهادة معاوية بن أبي سفيان، ولم يكن أسلم إذ ذاك، وإنما أسلم بعد ذلك بنحو من سنتين وفيه: وكتب عليّ بن أبو طالب! وهذا لحنٌ لا يصدُر عن أمير المؤمنين عليّ؛ لأنّ علم النحو إنما أسند إليه من طريق أبي الأسود الدُّؤليّ عنه، وقد جمعتُ فيه جُزءاً).
ومن يدري فلعل يهود خيبر يعيدون إظهار هذا الكتاب مزوّقاً إذا جاء وعد الله الصادق، فدالت عليهم الدولةُ وظهر أهلُ الإسلام فأعادوا شرعَ الله بفرض الجزية عليهم كما في (الصحيحين) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابنُ مريم صلى الله عليه وسلّم حكماً مُقسطاً، فيكسرَ الصليب ويقتلَ الخنزير ويضعَ الجزية، ويفيضَ المالُ حتى لا يقبله أحدٌ).
والواقع أن اليهود لا ينكأ فيهم إلا الجهاد كما قال العلامة ابن أبي مدين الديـماني:
ألا إن موتاً في الجهاد هو المحيا...فقتلاه عند الله جلَّ هم الأحيا
فقوموا سراعاً للجهاد فإنه...به دينُكم يحيا وعزّكمُ يُحيا
ألم تعلموا أن اليهودَ أذلةٌ...عِداة لربٍ قد أماتَ وقد أحيا
أما حاربوا خيرَ البرايا محمداً...أما كذّبوا عيسى أما قتلوا يحيى
أما قذفوا العذراءَ مريمَ واعتدوا...بسبتٍ كما قد جاءنا عنهمُ وحيا
أبعد احتراق القدس جرّاء قدحهم...وتشريد إخوانٍ لنا يهنأُ المحيا
خاص بموقع الهيئة نت
