ثلاثة عشر عاما مرت على تأسيس هيئة علماء المسلمين في العراق، وما زالت هذه الهيئة المباركة برموزها الشرعية والوطنية تسير على وفق النهج الذي اختطته لنفسها منذ احتلال العراق من قبل أمريكا وحلفائها في التاسع من نيسان عام 2003، وإلى يومنا هذا، فلم يصبها كلل ولا ملل، ولم يفت في عضدها مكر المحتلين، ولا خداع المنافقين، ولا مصائد المحتالين والمتآمرين، بل بقيت صابرة مرابطة قوية أبية مخلصة لدينها وقضية أمتها ووطنها.
ولم يكن لها أن تستمر في ثباتها وعطائها، لولا متانة أساسها، وقوة بنيانها، وإخلاص رجالها، فكانت جبلا شامخا لا تهزه الريح.
تأسست هيئة علماء المسلمين في وقت كان العراقيون بأمس الحاجة إليها، فالبلد قد حلت عليه مصيبة الاحتلال، ولم يكن هناك من يحمل قضيته، وحقوق أهله، حيث أن المتباكين على العراق والعراقيين قبل الاحتلال قد بانت حقيقتهم وظهر معدنهم، فكانوا سببا في إحلال هذه الكارثة الكبيرة على هذا البلد، وكانت لهم اليد الطولى في احتلال أمريكا للعراق تحت حجج واهية وكاذبة.
وفي خضم هذه الظروف المأساوية صدح لسان الحق الذي تمثل بتأسيس هيئة شرعية وطنية علمية دعوية، كانت تهدف إلى إخراج العراق من مستنقع الاحتلال الأمريكي وحلفائه، وبناء بلد تعيش فيه جميع مكوناته على المحبة والتآلف، فلم تكن هيئة لمذهب أو مكون معين بل كانت لجميع العراقيين، وكانت وما تزال الحضن الدافئ والملاذ الآمن لكل مظلوم وملهوف.
لم تتأسس هيئة علماء المسلمين من أجل دنيا تصيبها، أو منصب تروم الوصول إليه، بل من أجل أن يعيش العراقيون حياة كريمة آمنة مستقرة، وهذا هو الشعار الذي رفعته منذ تأسسيها، لذا نجد أن من دخل مع المحتل قد نصب سهامه لمحاربتها، ولكنهم لم يستطيعوا النيل منها ولا من رموزها، ولما أيقنوا أنهم لن يستطيعوا أن يحققوا أهدافهم الشريرة تجاه الهيئة ورجالها، اتجهوا باتجاه آخر وهو إغراء الهيئة ببعض المناصب في الحكومة، ولكن الهيئة رفضت كل ما قدموه من مغريات ومناصب، وبقيت ثابتة في موقفها، حتى أن حكومات الاحتلال المتتالية أرادت ولأكثر من مرة اللقاء بالأمانة العامة، لكن الأمانة العامة اشترطت شروطا لمقابلتهم، ولما رأوا عجزهم عن تنفيذ تلك الشروط استمروا في بث سمومهم تجاه الهيئة عبر فضائياتهم ومواقعهم الالكترونية، إلا أن كل ما فعلوه ذهب أدراج الرياح، وانكشف مكرهم الذي مكروه، وحينما أُنعم النظر في أساليبهم وخداعهم تجاه هيئة علماء المسلمين أستحضر قول الله تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ)[الحج:38].
فدفاع الله تعالى حاضر في كل وقت وحين لعباده المؤمنين، الذين نذروا أنفسهم في خدمة الدين، ولم يلتفتوا لمغريات الدنيا، ولم يخافوا مكر المنافقين والمتخاذلين.
وحينما نستذكر تأسيس الهيئة لا بد لنا أن نستذكر ذلك الرجل الصنديد، الذي حمل هم الأمة والوطن، وتحمل كل الشدائد والصعاب، وواجه المخاطر بكل أنواعها، لكنه بقي ثابتا شجاعا كما عُرف عنه إنه شيخنا حارث الضاري (رحمه الله تعالى)، وأسكنه فسيح جناته، الرجل الذي ثبت الرجال بثباته، فكان قدوة لكل غيور، وحمل قضيته بكل أمانة وإخلاص، ولم يخف في الله لومة لائم، كان صاحب رؤية قلَّ مثيلها في هذا الزمن الصعب، وبيّن مع إخوانه في الهيئة حقيقة الاحتلال ومن نصّبهم على البلد، وحذر العراقيين من مخططات المحتل، ووضح النتائج المرتبة على احتلال البلد، وقد لاقى من مكر الاحتلال وحكوماته ما لاقى حتى أصدرت حكومة المالكي مذكرة باعتقاله، وقد راموا من خلالها إبعاده عن البلد، وإبقاؤه بعيدا عن أرضه التي أحبها، وتعلق بها، ومع ذلك فقد بقي مستمرا في نهجه حتى توفاه الله تعالى.
ورغم الألم الذي دخل نفوسنا بفراق شيخنا رحمه الله، حيث أنه رحل في وقت كان العراق بأمس الحاجة إلى رجال أمثاله، إلا أن الهيئة بقيت ثابتة على المبدأ ومستمرة بالعطاء، سائرة نحو درب الشموخ والإباء، وخير شاهد على ما نقول ما قدمته الهيئة وتقدمه الآن من مشاريع لإنقاذ العراق من المأسات التي يعيشها، ويأتي في مقدمتها مشروع العراق الجامع.
حفظ الله هيئة علماء المسلمين، وجعلها نبراسا ينير الدرب للسالكين، وجعل خلاص العراق من محنته على أيدي رجالها المخلصين.
مقال خاص بموقع الهيئة نت
