في الذكرى الثالثة عشرة لاحتلال العراق؛ تشهد المنطقة بعمومها وضعًا مغايرًا تمامًا لما كانت عليه في ذلك اليوم الذي اهتز له العالم حينذاك ثم كان له ما بعده، عندما أعلنت الولايات المتحدة وحلفها الذي كانت تقوده؛ دخولهم العاصمة بغداد واحتلالها للبلاد بشكل رسمي.
والذي يُبدي اهتمامًا صادقًا بالمشهد العراقي؛ يستطيع أن يدرك لماذا صرخت فرنسا وألمانيا وغيرهما في ذلك الوقت اعتراضًا على الحرب؛ لكنهما فتحتا أحضانهما على سعتها لمشاريع الاحتلال ومنها العملية السياسية، ولماذا أصرّت الولايات المتحدة على الغزو في وقت لم تُمنح "تفويضًا" من مجلس الأمن يجيز لها ذلك، ثم ما لبث المجلس حتى اعترف بالعملية السياسية وتعامل مع جميع حكوماتها، وكيف أن الأمم المتحدة حبست أنفاسهما بعمق تجاه الحرب قبل أن تغطس في نتائجها وتتعامل مع جميع مشاريعها بطريقة أكثر اهتمامًا من أمريكا نفسها، لدرجة أن بعض من يطيب له إطلاق الدعابات في مجال السياسية قال؛ إن دور الأمم المتحدة في دعم العملية السياسية تسبب بقلق مستدام لأمينها العام الحالي الذي تعرّض في أول زيارة له للمنطقة الخضراء ببغداد في 2006 وفي أثناء مؤتمره الصحفي؛ لهجوم بقذائف الهاون أطلقتها المقاومة على معاقل الاحتلال وأدواته وسقطت مدوية في مكان لا يفصله عن منصّة بان كي مون ومن كان معه إلا بضعة أمتار، وبينهما جدار.
كل هذه المشاهد كانت مخططة وما تزال تبعاتها تجري وفق ذلك؛ فلم تعلن آنذاك أيًا من القوى العظمى اعتراضها الشكلي على الحرب؛ إلا من باب "التوازنات" التي تلعب دورًا في توزيع المكاسب لاحقًا وتبادل الأدوار في النفوذ وجني المصالح الناجمة عن تغيير خارطة الشرق الأوسط؛ تلك الخطة المنشودة التي بدت معالم نتائجها تتضح أكثر وأكثر بمرور السنين.
وليس من المنطقي الاكتفاء في التذكير بالأسباب وما رافقها من مخططات، بمعزل عن النتائج وما آلت إليه الأوضاع بعد مضي العقد الأول من الاحتلال، وتأثير الأخير على كامل المنطقة، لاسيما وأن التحالف الدولي الحالي الذي تقوده واشنطن بحجة محاربة "الإرهاب" و"تنظيم الدولة"؛ عاد ليحتضن تلك الجهات والدول التي باعت "شرفًا" في المحافل الدولية بالترويج لمواقفها الظاهرية التي أوهمت العالم بها أنها امتنعت عن الانضمام لتحالف الراغبين ـ المصطلح الذي أطلق على الدول التي شاركت في حرب واحتلال العراق في 2003 ـ لتؤكد هذه المرة اصطفافها ومشاركتها في الحرب التي تطال العالم الإسلامي بوضوح ودون أدنى مناورة.
ولأن الحديث عن احتلال العراق وتداعياته محط اهتمام الكثير في ذكراه الثالثة عشرة؛ فإن الآثار والنتائج والإحصاءات، وما طال البلاد من مآس وضنك، وقتل وتهجير؛ وفقر ونصب، وغير ذلك من البلايا والنكبات، ستكون بلا شك مفصّلة وتحت دائرة الضوء لدى من يحيون هذه الذكرى، ولهذا سيكون للحديث هنا مسار آخر.
كان احتلال العراق ولا يزال بمثابة لي عنق المنطقة طوعًا أو كرهًا، وفي كلا الحالين "كوفئت" من قبل الغرب الذي جعل الأنظمة العربية القائمة فيها تمارس سياسة التبعية المفرطة، وأعطى المقود لإيران الحليف الأكثر أهمية للصليبية على مدى التاريخ، لتتحول المنطقة بعد الربيع العربي إلى ساحة من الركام الفكري والسياسي فضلاً عن الأمني، وذلك ثمن مستحق الدفع خاصة بعدما صدّ صنّاع القرار عن تحذيرات القوى الرافضة للاحتلال التي رصدت مبكرًا مآلات الحرب وتداعيات احتلال العراق الإقليمية.
إن شعوب هذه الأمّة لم تزل فيها عروق نابضة من الحياة؛ ومن حقها أن تكون محل خطاب يبعث على النهضة، تمامًا مثلما هو الحق عليها أن تبحث عن أسبابها، وفي هذا الإطار؛ أبصر مشروع العراق الجامع النور بثوبه الجديد وفحواه الأصيلة التي لم تتبدل، بعدما أتقنت القوى الرافضة للاحتلال التي تقودها هيئة علماء المسلمين؛ طرق التعامل مع الأزمات على مر السنين، وكسبت في هذا المجال خبرة، ما جعلها ثابتة المبدأ راسخة المنهج، فلم تسقط كلمتها ولم يتغير موقفها، لاسيما وأنها كشفت بوضوح عن مشروعها وتفاصيله الدقيقة بعد أشهر قليلة من الاحتلال.
وفي الوقت الذي بدت الساحة السياسية في العراق متخبطة وتتسابق فيها الأحزاب ـ على اختلاف إيديولوجياتها ـ متهالكة لترتمي في أحضان العملية السياسية، انحازت الهيئة بمشروعها الممانع إلى المقاومة، ليتكاملا معًا ويشكلا جبهة كانت مؤثرة أبلغ الأثر في المشهد، وشكّلت الرقم الأصعب في القضية عمومًا، ومن هنا فإن ظهور مبادرة العراق الجامع وما يمكن أن ينتج عنها من مشاريع ذات بُعد وعمل وطنيين؛ تهدف إلى إنقاذ العراق من تبعات الاحتلال والمنطقة من مآلاته؛ دليل على صواب في التخطيط ودقة التشخيص مؤطران بتجارب السنوات التي أتخِمت بالأحداث وأعجزت الجميع عن إيجاد طرق لفك معضلاتها والاهتداء لسبل حلّها.
مقال خاص بموقع الهيئة نت .
