حينما يُذكر اسم الفلوجة؛ فإن العقل يُبادر إلى استحضار تلك المواقف الخالدة التي سطّرتها هذه المدينة المعطاءة، حتى أصبحت حكاية تُرددها الألسن، ويتباهى بمواقفها كل مسلم غيور على دينه وأرضه وعرضه.
وتبقى أم المساجد شامخة بشموخ منائرها، وعزة أهلها، وهيبة علمائها، عصية على كل ظالم، ناصرة لكل مظلوم.
وحينما نستذكر مواقف البطولة والإباء، لمدينة العز والكبرياء؛ فإن العقل ينقلنا إلى تلك الملحمة التي خاضتها مع دولة الشر والظلام في مثل هذه الأيام قبل اثنتي عشرة سنة، حينما جهزت أمريكا جيشها بكامل عدده وعُدته، وحاصرت تلك المدينة الباسلة، واستخدمت أنواع السلاح، وهي تروم بهذه الأفعال المشينة إسكات صوت الحق الذي لم يغادر تلك المدينة منذ أن نشأت.
وابتدأت المعركة بين قوة قوية غاشمة، وفئة قليلة بالايمان قائمة، ولم يكن هناك أي توازن عسكري بين الطرفين، لكن الكافر مهما بلغت قوته وعظم شأنه؛ فإنه لن يبلغ أهدافه؛ لأن الفئة المؤمنة التقية مهما ضعفت؛ فإن كفتها هي الغالبة؛ لأن الله معها، ومن كان الله معه فلن يُهزم ولو اجتمعت عليه قوى الأرض كلها.
حاصرت أمريكا الفلوجة، دون أن تحسب لهذه المعركة أي حساب؛ لأنها كانت تعتقد أنها مسألة ساعات وينتهي كل شيء، بيد أن الرياح بدأت تسير بعكس ما اشتهاه المحتلون، وأصبحت القوة العظمى في وضع حرج، وموقف صعب، وأسئلة محيرة لا يجدون لها جوابا!
وتستمر المعركة والفئة القليلة المؤمنة الصابرة التقية هي التي تسيطر على الوضع، وتُوقع الأذى بالأعداء، وبعد أن مرت أيام وأسابيع على المعركة أيقن الأعداء أنهم لن يُحققوا أهدافهم، وأن من الواجب عليهم أن يحفظوا شيئا من كبريائهم، فانسحبوا مذلولين صاغرين، وأثلج الله بالنصر صدور قوم مؤمنين، فهتف العالم الإسلامي بأكمله الله أكبر، ووقف احتراما وإجلالا للفلوجة وأهلها.
انتصرت الفلوجة وبقيت عزيزة وأبية، ولن ينسى المسلمون هذه المدينة الصغيرة بحجمها، الكبيرة بأفعالها ومواقفها.
واليوم ونحن نستذكر هذه الملحمة البطولية التي خاضتها هذه المدينة العزيزة على قلب كل مسلم؛ فإن نفوسنا تتألم وتحترق لما تراه من صور الجوع والحرمان الذي تعيشه الفلوجة.
جاء اليوم الذي يجب أن تدفع فيه الفلوجة ضريبة ما قدمته للأمة بأكملها من عزة وكرامة، فيقوم الأوغاد بمحاصرتها وتجويعها، ووأد أهلها، دون أن تُحرك الأمة ساكنا، واكتفت بالاستنكار والشجب والإدانة وكأنها لم تُخلق إلا لكي تستعمل هذه العبارات التي ملّت الشعوب الإسلامية منها، وأصبحت صرخات الفلوجة في الأمة لا ثؤثر وتمثل فيها قول القائل:
لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ولكن لا حياة لمن تنادي
أما سنة العملية السياسية فهؤلاء ماتت ضمائرهم؛ فما عدنا نوجه لهم خطابا، ولا نُلقي عليهم عتابا، وتمثل فيهم قول القائل:
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الْهَوَانُ عَلَيْهِ مَا لِجُرْحٍ بِمَيّتٍ إيلامُ
كان الله في عونك يامدينة العلماء، فقد تحملت من الخطوب ما لا تتحمله الجبال الرواسي، ورغم ما وقع ويقع عليك من الظلم والبغي والاستبداد لكنك سطرت للأمة تاريخا مشرقا بجهادك ومقاومتك، ورسمت للأحرار طريق العزة والكرامة والإباء.
إننا اليوم بحاجة إلى أن نقف وقفة مشرفة مما تعانيه مدينة الفلوجة؛ لأن الله تعالى سيسألنا عما قدمناه لها، وأما قولنا ليس لنا من حول ولا قوة لإغاثتهم؛ فهذه حجة لا تنفعنا عند الله تعالى؛ فإن كنا قد عجزنا عن إغاثتهم؛ فإن الله تعالى قد فتح لنا بابا لا يُسد، ودعوة لا تُرد، فلندعو لهم بالفرج عسى رب العالمين أن يكشف عنهم ما حلَّ بهم ويفك حصار الظالمين عنهم، ومن الواجب علينا أيضا أن نشارك في صفحات التواصل الاجتماعي في نقل معاناتهم؛ لأنها وسيلة لنصرة المظلوم، وبيان حقيقة ما عليه حكام المنطقة السوداء، الذين ما جلبوا لهذا البلد سوى الدمار والخراب والقتل والتهجير.
أسأل الله العظيم أن يحفظ الفلوجة وأهلها، ويفك حصار الظالمين عنها.
مقال خاص بموقع الهيئة نت
