شهدت الأيام القليلة الماضية موجة متصاعدة إعلاميًا واجتماعيًا تعبّر عن التعاطف مع مدينة الفلوجة المحاصرة التي تشهد واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية وهي تُرتكب على مرآى ومسمع العالم والرأي العام الدولي.
وبصراحة؛ لم تكن هذه الهبّة المتعاطفة متوقعة؛ وذلك بالنظر لحجم المأساة التي تشهدها الساحة العراقية وطول أمدها ولاسيما ما يتعلق منها بحقوق الإنسان المسلوبة وما يقابلها من صمت رهيب على كافة المستويات من جهة، وتراكم المآسي التي حلّت بالعراقيين منذ ثلاث عشرة سنة دون أن تُمد لهم يد عون حقيقية تتجاوز الشعارات والهتافات المجردة من جهة أخرى، فضلاً عن المجتمع الدولي الذي ما فتئ يقف حائلاً دون السماح للضمائر الحية والأنفس النزيهة لتقول كلمتها من جهة ثالثة.
هذه المنظومة الإقصائية أعطت للعراقيين السنّة انطباعًا أنهم معزولون تمامًا، وأن عليهم أن يواجهوا مصيرهم بانفسهم ويتقبلوا واقع حالهم، هكذا بهذه البساطة المجحفة، وكأنهم لم يكونوا يومًا قادة هذه الدنيا ومصدر إلهام الأمة ومنبع خيراتها، ولهم عليها فضل ممتد ما امتد مسار التاريخ وازدحمت أحداثه المختلفة.
وحينما تنادت الأصوات بأن الفلوجة تقتل جوعًا؛ لم نكن نتصور أن المشهد سيتعدّى ما سبقه من حملات اجتماعية كالتي أطلقت على ديالى والمقدادية وحزام بغداد والحويجة وجرف الصخر وغيرها من المناطق التي نحرت طائفيًا وسلبت من أهلها في وضح النهار، وعملت فيها ميليشيات إيران وحكومتها في بغداد عجائب الجرائم وأنكى الممارسات، تحت مرآى ومسمع "التحالف الدولي" الذي بدا كأنه يقطف ثمار ما زرعه الاحتلال في العراق بعد 2003.
وعلى كل حال؛ فإن التعاطف الجامح بشأن الفلوجة أعطى انطباعًا إيجابيًا غير مسبوق على الأقل من الناحية الإعلامية، ولفتت الأنظارَ والأسماعَ مواقفُ وأصواتُ جهات لم يكن لها قول فيما سبق إزاء معضلة عراقية طوال هذه المدة؛ أنها تحدثت بصراحة معلنة، وشخّصت ـ وهو الأهم في الموقف كله ـ أساس المشكلة ومصدر وقوعها، المتثمل بالاحتلال الأمريكي للعراق.
هذا التحول في الفهم والخطاب الناجم عنه، من شأنه أن يعيد المشهد إلى مربعه الأول، حيث تنتهي هذه الأصوات من حيث بدأت القوى الرافضة للاحتلال قبل اثنتي عشرة سنة وفي طليعتها هيئة علماء المسلمين، التي وقفت على ذلك مبكرًا وفصّلت فيه وما تزال حتى اللحظة تمثل قطب الرحى فيما يتعلق بتوصيف العلّة العراقية الحقيقية وسبل حلولها، لكن أحدًا لم يكن يريد أن يسمع في ذلك الحين، أو ربما سمع لكن إرادات ما وقوى متحكمة في المشهد منعته من المواكبة لأغراض مرحلية؛ حيث كانت المقاومة تنقض ما غزله الاحتلال من مشاريع وتسعى لتمزيق خيوطها.
إن العودة إلى نقطة البداية أمر عسير تقبّله لما له من تبعات ومشاق، ولكنه منطقي جدًا ويكاد يكون السبيل الوحيد المتاح حاليًا لإعادة الانطلاق في المسار الصحيح، ومعلوم بداهة أن الذي يسلك طريقًا خاطئًا ثم ينتبه لاحقًا ويقرر العودة؛ سيدفع ثمنًا من جهده ووقته وغيرهما، فالثمن مرهق وغير محبذ، ولكنه سبيل يقرّه العقل ونتيجة مُرحب بها.
مقال خاص بموقع الهيئة نت
