خلاصة الكلام المفهوم من بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة في زيارته الى بغداد هو الحث على المصالحة لأنها طريق الحل لمصائب العراق . قد لا يدخل هذا المسؤول الأممي في تفاصيل الكتل والاقوام والمذاهب والولاءات الخارجية وكيفية تصريف التوافقات والتطاحنات، لكنه يعرف ان العراق اختلطت أوراقه الى الحد الذي بات يعجز المجتمع الدولي عن عمل شيء لإنقاذ البلد أكثر من هذا التحالف الحربي الذي يقصف كل شيء ليصيب، أحياناً، شيئاً واحداً هو تنظيم داعش .
من الصعب أن يفهم أمين الأمم المتحدة خطابات كانت تلقى على أسماعه تتحدث بتلك النبرة القوية عن محاربة الفساد ، ذلك العنوان الذي لم يقترن في التاريخ البشري باسم بلد، كما اقترن باسم العراق ،في خلال حكومات السنوات العشرة الاخيرة.
ربما سمع بان كي مون العجب ، وسيفرد في مذكراته حين مغادرة المنصب بعد سنة ، فصلاً يحكي فيه كيف زار بلاد العجائب، وماذا عرض له حكامها، وكيف يسمعهم هناك يصرخون، سنحارب فساد الحكومة وهم الحكومة وكيف كانوا يتوعدون، سنمحو فساد البرلمان وهم البرلمان وانهم كانوا يسخطون على الرئاسات الثلاث وليس سواهم الثلاث رئاسات قد يختم مذكراته بان كي مون بجملة من بحر اليأس لم أستطع أن أفهم أولئك السياسيين في بغداد ،وماذا يريدون، ولماذا كانوا كلهم سلطة وكلهم معارضة دفعة واحدة، ولم أعرف أين كان يمكث الشعب؟.
ليس بنا حاجة لكي ننتظر سنوات، ماذا سيقول بان كي مون في مذكراته التي سيتجرد فيها من ثياب القلق التي اعتاد ارتداءها صباح مساء، ذلك أن العراقيين اليائسين من امكانية اصلاح الفاسدين بالأدوية الفاسدة نفسها ، سينحازون الى اي معادلة تخرجهم من هذا الضياع، ضياع المال والثروات والتراب والخبرات والأجيال والسمعة ، الى شاطئ دولة لا يحكمها بدلَ الديكتاتور الواحد سبعة أو عشرة أو عشرين ، ولا أريد أن أبالغ في العدد كثيراً كما يقول العراقيون في الشارع أن هناك عشرين ألف ديكتاتور، لسبب بسيط هو أن تكون عملية اقتلاع السبعة أو العشرين أسهل وهناك أمل في حصولها بان كي مون خانه مستشاروه الذين لم يبلغوه أن مصطلح المصالحة في العراق كما في مخيلته المنتعشة، يتعارض مع نصوص دستورية قابلة للمط والمد والتحوير، مثل راديتر سيارة حوضية يجري تحويرها لتشغيل سيارة من نوع برازيلي المنقرضة في العراق.
حقاً ، خانك مستشاروك ياسيد بان كي مون ،حين قالوا لك أنك ستسمع المشكلة وحلها في بغداد ، وليس تسمع، المشكلة والمشكلة الوليدة منها وعنها وفيها ولها وعليها وبها .
هؤلاء اعتادوا أن يكون الحل مطبوخاً في دول أخرى وليس لهم سوى الجلوس على منضدة الطعام ، لكل لقمته.
