بينما توصف انها بلدة الكرم ومدينة الطيب فلا تكاد تجد فيها فندقا لأنك ان توجهت الى احد الاهل والاصدقاء في زيارة، او حتى كانت لك مصلحة في دائرة حكومية فلن تستطيع الافلات من ضيافة الكرم، والاصرار على المبيت ولا تملك ان تقول لا، فقد عُرف عن هذه المدينة المشاجرات العنيفة حتى يفوز الذي انتصر بشرف دفع حساب المطعم، حتى صدر قانون عرفي بمنع هذه الحالة، لانهم يودون دائما بالفوز بالمكارم.
هذه ليست مقدمة لمجاملة هذه المدينة، لكن من كانت هذه طباعه فلا يستغرب منه المقاومة والجهاد وبذل الغالي والنفيس في سبيل الخلاص من المحتل، فهذه المدينة قد ركّعت امريكا وجعلتها تعلن استخدامها للأسلحة المحرمة، وحتى في الافلام الامريكية اصبح ذكر الفلوجة دليل على الموت والخوف المروع لدى من وصلها من جنود الاحتلال.
واذا كان هذا ما فعلته الفلوجة وابناؤها النجباء مع قوى المحتل العظمى وحلفائه، فكيف سيكون تعاملها مع من يسمون انفسهم حكومة واجهزة امنية، ليس لهم الا البطش والانتقام الطائفي تحت شعارات اصبحت مفضوحة تشعرك بالاشمئزاز، ولان الحقد الطائفي قد اعمى الحكومة وجعلها تفصح عن منهجها الذي طالما كانت تريد تلميعه وتغلفه بالديمقراطية، فقد كشفت الفلوجة واخواتها من المدن الاصيلة زيف الحكومة التي لم تتوان لسنوات بإلقاء البراميل المتفجرة وحمم الموت المنصهرة على ابناء الفلوجة، بذريعة الارهاب الذي ترعاه الحكومة بامتياز.
وبعد شهور طويلة من القصف والقتل والتنكيل، لم تجد هذه الحكومة الا سياسة التجويع القذرة في محاربة الفلوجة، وقد وصلت الامور فيها الى اكل الاعشاب وما تعافه النفس، لسد رمق الجوع، وانقاذ الاطفال والشيوخ والمرضى، والادهى والامر انهم يحاسبون الفلوجة وأبنائها على وجود تنظيم الدولة فيها، ولا يستحون من انهم يفرون من مواجهتهم كالجرذان، فحجتهم مردودة عليهم، فاذا كانت الحكومة واجهزتها ترتعد فرائصها من التنظيم، فكيف يطالبون اهل الفلوجة بإخراجهم، او مواجهة الموت قصفا او جوعا.
ولما وصلت الامور الى هذه الدرجة، وبعد اليأس من الحكومة وسياسييها وخصوصا السُنة منهم، فقد ناشد اهالي الفلوجة عبر وسائل التواصل الاجتماعي المنظمات الدولية لرفع الحصار عنهم، وبرز وسم (#الفلوجة_تقتل_جوعا) وانطلق بمواقع التواصل الاجتماعي بحملة تسعى لإيصال معاناة اهل الفلوجة الى الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان حول العالم مع اشتداد الحصار والقصف وتعرض المستشفى الرئيسي في المدينة الى الدمار جراء قصفه المتكرر من قبل القوات الحكومية والمليشيات.
ومع تفاعل منقطع النظير مع (#الفلوجة_تقتل_جوعا) في موقع تويتر، فقد كانت المشاركات معبرة عن الواقع المرير، وقد كتب السياسي السوري بسام جعارة: سليم الجبوري يوجه دعوة للمجتمع الدولي لإنقاذ الفلوجة من شركائه الصفويين الذين يحاصرونها، بينما كتب المنشد يحيى حوى: ونحن نموت تخمة وخنوعا سامحنا يا #العراق، وغرد الاعلامي العراقي محمد العرب: أفقر الله من افقركِ، أحزن الله من أحزنكِ، شرد الله من شردكِ يا صغيرتي، كما كتب د. عوض القرني: أيها المجرمون المقتاتون على مآسي الشعوب المتاجرون بقضاياها أنتم من بذر الإرهاب وسقى شجرته بدماء المظلومين، وقد شاركت قناة الجزيرة كاتبة : حملة إلكترونية واسعة لإيصال معاناة المدنيين جراء الحصار المضروب على المدينة منذ عامين، وشارك الاعلامي السوري موسى العمر قائلا: وزعماء السنة المطايا متخمون في الخضراء والحزب الإسلامي يقول : داعش السبب! في مضايا ماكو داعش يابا، كذلك كتب د . محمد البراك: اللهم أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف واكفهم شر من أراد بهم شراء، اللهم احفظهم في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم ورد كيد أعدائهم، ونختم التغريدات بمشاركة الدكتور (مثنى الضاري) الامين العام لهيئة علماء المسلمين بتغريدة على حسابه الشخصي، الفلوجة وأخواتها في العراق وسوريا واليمن؛ تحاصر وتقتل: جوعًا ونكرانًا وخذلانًا وغدراً؛ ولكل (مجتهد) نصيب من الوزر.
وبعد هجمات بروكسل الارهابية التي ادانها القاصي والداني، بل قطعت نائبة رئيس المفوضية الاوروبية (فريديريكا موغيريني) حديثها باكية على الضحايا، هل تجد الفلوجة واخواتها من المدن العراقية بل حتى العربية، باكيا على مآسيها، بعد سنوات من القصف والقتل والتجويع، فاذا وجدنا باكيا على ازمة بسيطة للغرب، فلماذا لا نجد من سياسيينا اي رد فعل، بل حتى انهم يخجلون من البوح والافصاح عما نمر به من اهوال، فضلا عن الحلم باستقالتهم ورفضهم لكل المناصب والمنافع بسبب ما يتعرض له اهلهم، وربما حتى في الاحلام اصبحت غيرة السياسي العراقي على وطنه واهله ومدينته بعيدة المنال.
الهيئة نت
س
