من خواص شريعتنا الإسلامية؛ أنها متكاملة البنيان في جميع أجزائها؛ فما تركت من أمر إلا وبيّنت حكمه، صغر ذلك الأمر أم كبر، ومن الميزات التي امتازت بها أيضا؛ أنها شريعة واسعة وسمحة، لكن السعة والسماحة فيها مبنية على أسس شرعية، لا على ما تشتهيه النفس والهوى.
والواجب على من انتسب إلى هذه الشريعة أن يأتمر بأوامرها وينتهي عما نهت عنه، ولا يكون هذا بالقول دون العمل، كما هو حال كثير من المسلمين في وقتنا الحاضر، تراهم يدّعون الانتساب إلى الإسلام وأفعالهم تُخالف ادعاءهم والأمثلة على ذلك كثيرة، فمما ابتُلي به مسلمو العصر كثرة الأعياد التي اخترعها الغرب وبثها في بلاد المسلمين، ومن تلكم الأعياد ما يسمى بـ (عيد الأم)، وحينما أتناول هذه القضية؛ فإني لا أبحثها من زاوية ضيقة، فشريعتنا أعطت للأم مكانة لا تنحصر بيوم محدد، أو تُقدم بوقت محدد، بل جعلت البر إليها من أعظم القربات، وبابا إلى الجنات، فمن عمل به فقد حظي بالخيرات وفاز بأعلى الدرجات، ومن تركه وعقَّ أمه فقد عاش بالحسرات والويلات.
جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه بالغزو، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (( هل لك من أم؟ قال نعم، قال: فالزمها فإن الجنة عند رجلها) رواه النسائي وصححه الألباني.
قال المناوي: ((إن لزوم طاعتهن وبرهن سبب قريب لدخول الجنة)).
وإذا كانت مكانة الأم في شريعتنا بهذا القدر العالي؛ فمن الواجب علينا أن لا نقتصر على الاحتفال بها في يوم واحد، بل إن شريعتنا توجب علينا أن نحتفل بها طيلة بقائها بيننا، وتتجسد حقيقة الاحتفال بها بالبر والإحسان إليها، وأن نُدرك جيدا أننا مهما قدمنا للأم من إحسان فلن نجزيها حقها.
جار رجل من خراسان بأمه إلى مكة وهي على ظهره، وقضى بها المناسك من طوافٍ وسعي إلى غير ذلك، فرأى عبد الله بن عمر فسأله وقال له: ((حملتُ أمي على رقبتي من خراسان حتى قضيت بها المناسك، أتراني جزيتها، قال: لا، ولا طلقة من طلقاتها، ولكن أحسنت وسيثيبك الله على القليل كثيرا)).
هذه هي منزلة الأم في الإسلام، فلماذا نستبدلها بمسميات أطلقها الغرب كذبا وزورا، وأراد من خلالها أن يُحد العلاقات بين الأم وأبنائها، وأن لا يعطيها المكانة الحقيقية لها، ومن يتمعن في أحوال المسلمين اليوم؛ فإنه سيدرك حقيقة ما أقول؛ فالغرب من جهة يُشرع أعيادا ليعطي انطباعا حسنا عنه وصورة مشرقة له، وهو في نفس الوقت قد سلب حقوق الأم المسلمة بأفعاله الإجرامية في بلاد المسلمين، فحال أمهاتنا لا يُسر نفسا، ولا يُفرح قلبا، فتراهن يعشن في ظروف مأساوية بسبب ما يمارسه الغرب من قتل واعتقال وإرهاب ضد أبنائهن.
وإذا تحدثنا عن حال الأم في بلادنا الإسلامية، فلا بد من بيان حال الأمهات في بلدنا الجريح؛ الذي لا يخلو فيه بيت من آهات الأمهات، فقد عشعش الألم في قلوبهن، وغلب الحزن والألم عليهن، بسبب ما ارتكبه ويرتكبه الاحتلال وحكوماته من جرائم وحشية ضد أبنائهن.
وفي الوقت الذي يُحرق الغرب فيه قلوب الأمهات في بلادنا الإسلامية؛ فإن هناك من المسلمين من انخدع بأفكارهم، واحتفل بأعيادهم.
أي عيد للأم؟! تلك التي فقدت أبناءها في العراق وسوريا وفلسطين؟! أم تلك التي تنتظر رؤية ولدها الذي يقبع في سجون الظالمين؟! أم تلك التي هُجرت من بيتها الذي تركت فيه الحنين، وسكنت في غربة ذاقت فيها الأذى وزاد فيها الأنين؟
من أجل ذلك يجب علينا أن نعي هذه الأكذوبة التي أوجدها الغرب، وأن لا نغتر بالمسميات التي يريد من خلالها أن يخدع العالم بها، وأن يعطي نظرة مشرقة عنه تبين أنه يحترم حقوق الأم، ولأجل ذلك فقد شرع عيدا لها، وهو في حقيقته كذب وافتراء وخداع.
خاص / قسم الدعوة والإرشاد
