الشيخ الضاري يرحمه الله تعالى رجل جمع بين العلو في العلم والحسب والنسب اشتهر بالصبر وقوة التحمل والاعتزاز بالذات وكان ذا صمود أمام الملمات والمهمات يترفع عن كل دنيئة، في منطقه حلو اللسان وفي حديثه عفيف الكلام ، له اخلاق تزينه وشمائل ترفعه وكسا هذا وذاك تواضع جم فلم يكن على قدره وسعة اطلاعه وتنوع معارفه وثبات مواقفه وسمو مكانته وعلو شأنه من الذين اذا علوا اغتروا كشأن بعض الأدعياء.
سيرته وارفة الأفنان متنوعة العطاء دانية القطوف وكأنما أنت في حضرة مجمع من الرجال ضم في صعيد واحد العالم المحدث وشيخ القبيلة والقائد الهمام والمجاهد البار والمقاوم الذي لا تنثني له إرادة ولا في ملمة ينهار.
حياته مفعمة بالنشاط والحيوية العلمية الزاخرة والاصلاحية الواعية والجهادية الصادقة الحافلة بجليل الاعمال وبديع الصنائع ورائع الافعال فقد أفنى عمره وانفق وقته تعلما وتعليما، وجهادا ومقاومة، وبناء واصلاحا، وتضحية وفداء، وجدا ومثابرة، ونصحا وتوجيها، واسهم إسهاما فاعلا في إثراء الحياة العراقية في الدين والاجتماع والاصلاح والعلم والسياسة.
عشق العراق حتى كان نهره الدفاق واحب العروبة حتى صار قمرها الوضاء فكلامه كان معبرا عن طموحاتها ، ومواقفه الثابتة كانت تدافع عن قضيتها ، تداوي جروحها ، وتنافح عن مصيرها ، وتهجوا خصومها ، وتبرز قيمها ؛ كلماته كانت جيشا بحد ذاتها ، وقد تفعل الكلمة أحيانا ما تعجز عن صنعه الجيوش .
كان بحق رجل الكلمة وكلمة الوفاء أما إنه رجل الكلمة فتشهد له مواقفه ويشهد له ثباته وإصراره على نصرة الحق وأهله فما مال عن حق ولا حاد عن طريق. فمنذ إعلان القوات الأمريكية غزوها للعراق واحتلاله إلى مماته ما تغيرت كلماته ولا تبدلت مواقفه حتى أنه اشتهر بصاحب اللاءآت الثلاث (( لا للاحتلال الغاشم ولا لعمليته السياسية المسخة ولا لتقسيم العراق )) . وأما إنه رمز الوفاء ومعناه فقد تجسد ذلك في حبه للعراق رغم أنه غادره قبل الاحتلال بسنوات مرغما مكرها فما أن احتله الأوغاد وعاث فيه فسادا الأوباش حتى عاد إلى العراق وترك حياة الدعة والراحة في أرض هجرته دبي ليرسم في بغداد مع جمع من أهل العلم طريق المقاومة ويشق بإيمانه درب المواجهة وليعلنها مدوية بوجه الأمريكان وحلفائهم حي الجهاد حي على الفداء.
لم تلن أرادته أمام ترهيب ولا تهديد ولم تضعف أمام إغراء وترغيب أغروه بالمناصب الرفيعة والأموال الوفيرة ليسكتوه، وخوفوه بفقد الولد والأهل والعشيرة ليثنوه، فما استسلم لإغراء ولا ضعف أمام إغواء ولا خاف بطشهم ولا خشي تهديداتهم بل استمر في طريقه غير آبه ولا وجل ولا ملتفت ذات اليمين وذات الشمال لأنه يعلم أن الملتفت لا يصل، فلم تثنه الخطوب ولم توقفه عقبات الدروب.
اعتقل المحتلون ابنه الوحيد المثنى ليساوموه على عدم مواجهتهم والتحريض على ردعهم والدعوة الى طردهم وتحرير العراق من دنسهم فأراهم حزما عجيبا وثباتا تليدا وإباء عظيما واستمر يقود المسيرة لا يبالي بأمواج بحر هائج ولا ريح صرصر عاتية فليس المثنى بأغلى من الدين ولا أعلى شأنا من الوطن ولا أعز على قلبه من شباب المقاومة الذين يضحون بأرواحهم وما يملكون ، فأطلقوا يد المليشيات الطائفية الغادرة فاغتالت أخاه وبعض المقربين إليه لعلهم يشغلوه بالفتنة الطائفية عن مواجهتهم فأحتسبهم عند الله عزوجل شهداء وأبى إلا أن تبقى بوصلة سهامه موجهة نحو المحتل لأنه هو الداء وأصل العلل وسبب البلاء الذي حل بالعراق وما هؤلاء الا عصابات تستخفي تحت عباءته وتلتحف بدثاره.تكلم عليه الخصوم ووصفوه بأقذع الأوصاف وأسوئها وافتروا عليه الفرى كذبا وزورا فما أعارهم سمعه لكنه توكل على الله تعالى فهو حسبه واستعان به فهو من يكفيه شرهم ويقيه مكرهم ويبعد عنه كيدهم ويدفع عنه سوئهم .
ومدحه المقربون وعلى أنفسهم قدموه وقالوا فيه نثرا وشعرا فما أثر عليه هذا المديح شيئا ولا غير من طباعه شيئا بل كان يؤكد لهم في كل مناسبة أنه جندي في المسيرة فدائي في المنازلة طالب في العلم تابع لا متبوع ومقود لا قائد وما هو الا واحد منهم وان من قدم روحه في سبيل دينه ووطنه افضل منه واحسن وانه هو من يستحق المدح الجميل والثناء العاطر الجزيل.رحم الله تعالى شيخنا حارث الضاري واسكنه فسيح جناته
مقال خاص بموقع الهيئة نت
