هيئة علماء المسلمين في العراق

حب الوطن في قلب الضاري ...د عمر الراوي
حب الوطن في قلب الضاري ...د عمر الراوي حب الوطن في قلب الضاري ...د عمر الراوي

حب الوطن في قلب الضاري ...د عمر الراوي

تصدر من الإنسان أفعال لا تكون بإرادته؛ بل هو مجبول عليها، وهي ملازمة له منذ النشأة وحتى الممات، ومن تلكم الأفعال حب الوطن، فكل إنسان لا يرغب بالعيش إلا في وطنه الذي تربى وترعرع فيه، وأكل من خيراته، وهذه الحقيقة لا يستطيع إنسان أن يُنكرها مهما بلغ به ما بلغ من الأذى والمصائب التي عاشها في وطنه؛ فالوطن هو من يسيطر على قلبه ووجدانه، وتبقى النفس تتلهف للعودة إليه، وهذا ما كان عليه حال المصطفى عليه الصلاة والسلام حينما أخرجوه كفار قريش من مكة؛ فتوّجه إليها ودموع الألم تخرج من عينيه، كيف يخرج من المكان الذي فيه مهد ذكرياته، ومقر أهله وأحبابه، أخرج الترمذي وأحمد عن عبد الله بن عدي الحمراء قال: (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على الحَزْورة فقال:(( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت)). خرجت منه هذه الكلمات بحزن وألم وحسرة، كيف لا، وهو يغادر أعز وأطيب أرض عليه.


وهنا تأتي البشارة الربانية لرسوله الكريم في قرآنه العظيم ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)، روى البخاري في تفسير هذه الآية في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( لرادك إلى معاد) قال: (( إلى مكة)).


وهذا ما رواه النسائي في تفسير سننه، وقال محمد بن إسحاق ، عن مجاهد في قوله: (لرادك إلى معاد) إلى مولدك بمكة.


وقد تحقق وعد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، وفتح مكة، وعاد إلى وطنه الذي ما غادر يوما نفسه، حتى في صلاته؛ فكان كلما توجه بالصلاة إلى بيت المقدس تمنى أن يتوجه إلى المسجد الحرام، حتى تحققت هذه الأمنية وتحولت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.


وما دمنا أننا نعيش في السنة الأولى لرحيل شيخنا حارث الضاري ( رحمه الله) لا بدَّ لنا من وقفة مع هذا الرجل الذي كان مقتديا برسوله صلى الله عليه وسلم في حبه لوطنه، وقبل أن أتحدث عن حب شيخنا رحمه الله لوطنه لا بد من بيان أمر مهم، وهو أن حب الوطن يعني الدفاع عنه وحمايته، وتحقيق العدل فيه، وإخراج الظلمة والمتآمرين منه، وكل معنى يعطي المفهوم الحقيقي لحب الوطن، وهذه المعاني وغيرها هي ما كان يحضر في قلب شيخنا حارث الضاري رحمه الله؛ فمنذ أن وطأت أقدام الغزاة أرض العراق وقف رحمه الله موقف الرجال؛ وكان شغله الشاغل الدفاع عن وطنه، وإخراج المحتلين وعملاءهم منه، فما خاف وما استكان، بل بقي صامدا قويا صادقا مخلصا لدينه ووطنه.


كان يحب وطنه حبا لا يوصف، وهذه الحقيقة لا يعرفها إلا من جالسه، ورأى حقيقة ذلك العشق على وجهه، ولا أُبالغ إن قلت إن ما مرَّ به من مرض كان بسبب فراقه للوطن، كان يتمنى أن يعود الوطن لأهله، ويحكمه أناس صادقون مخلصون، يدافعون عنه، ويرفعون شأن أبنائه، في الوقت الذي كان فيه المتربصون والمنافقون يبثون الإشاعات التي يريدون من خلالها التنقيص من قدره، لكنه رحمه الله بقي علما وقدوة لكل غيور على دينه وأرضه.


رحل شيخنا حارث الضاري رحمه الله وقلبه ينبض بحب الوطن، ولكن نقول نم قرير العين ياشيخنا فإن ما تمنيته سيتحقق بإذن الله تعالى، وسيعود العراق لأهله المخلصين الصادقين، وما ذلك على الله بعزيز.


 مقال خاص ب   الهيئة نت    


 


أضف تعليق