هيئة علماء المسلمين في العراق

كذبة جديدة اسمها حكومة تكنوقراط..عوني القلمجي
كذبة جديدة اسمها حكومة تكنوقراط..عوني القلمجي كذبة جديدة اسمها حكومة تكنوقراط..عوني القلمجي

كذبة جديدة اسمها حكومة تكنوقراط..عوني القلمجي

 لست بعجلة من أمري حين أطرق باب حكومة التكنوقراط قبل تشكيلها، فسكان المنطقة الخضراء، من الحكومة والبرلمان، ومعهم جوقة المطبلين والمرتزقة والاقلام الماجورة، شرعوا، منذ فترة، في تنظيم حملة دعائية كاذبة ومضللة، حول هذه الحكومة المنتظرة، وقدرتها على انقاذ العراق من محنته. فهي كما ادعى حيدر العبادي، "ستضم شخصيات مهنية متخصصة ستساعد على خروج العراق من ظروفه الصعبة التي يمر بها حاليا". ولتمرير هذه الحكومة بين الناس وكسب التاييد لها، كان على للعبادي ونوابه ورؤساء الكتل تقديم مهرها المعجل. فتعهد العبادي "بضرب المفسدين وضرب أعلى رأس فساد في الدولة مهما كان منصبه او حزبه، ودعا الى ثورة حقيقية ضد الفساد وفتح ملفاته الكبرى ووضع رؤوس الفساد خلف القضبان".


وفي مستنقع البرلمان تجاوز اعضائه تعهد العبادي وقال قائلهم: "لابد من مشروع وطني متكامل لانقاذ الاقتصاد العراقي، في مقدمة أهدافه اعلان الحرب على الفساد وتفكيك قيوده التي قيد بها نشاط الدولة الاقتصادي لمصلحة نشاطاته. وأن يصار الى وضع خطط متكاملة تهدف الى انقاذ الاقتصاد الزراعي والصناعي ودعم الرأسمال الوطني وتوفير كل المستلزمات لبقائه في البلاد".


وعلى حس الطبل خفت ارجل زعماء الكتل وحيتان الفساد، امثال نوري المالكي واياد علاوي واسامة النجيفي وعمار الحكيم وسليم الجبوري وصالح المطلك وغيرهم، فلطموا الخدود وشقوا الجيوب حزنا على الشعب العراقي، وما عاناه من ظلم واضطهاد. وتسابقوا فيما بينهم لعرض بضاعتهم "التكنوقراطية".  حتى خيل لنا، ونحن نسمع ونرى هذه الاعلانات، بان المفسدين ليسوا هؤلاء المساكين،وانما هم بشر هبطوا من كوكب اخر، او من فصيلة الاشباح، او ربما، كما تهكم البعض، بانهم الشعب العراقي، او ابناء الانتفاضة نفسها.


ولكي تكون زفة العروس مهيبة، ويتحدث الناس عنها، دخلت أمريكا وحلفاؤها من الفرس والمرجعيات الدينية وغيرهم بكل ثقلهم على خط حكومة التكنوقراط من البوابة السياسية، فطلبوا من العبادي الاسراع بتحقيق بعض الاصلاحات الترقيعية وترميم العملية السياسية. والهدف المركزي من كل هذه المحاولات بالطبع، هو الالتفاف على الانتفاضة وتفريغ شعاراتها من محتواها الحقيقي واقناع ابنائها بالعودة الى بيوتهم بانتظار الفرج "التكونقراطي".


وكان اكثر ما يحزن في هذا الامر اشتراك التيار الصدري في هذه الزفة  بدخوله على خط الانتفاضة، من خلال تاكيد زعيمه مقتدى الصدر على منح العبادي فرصة اخرى لتحقيق الاصلاحات، ومباركته لتشكيل حكومة التكنوقراط من جهة، واصراره على الطابع السلمي للانتفاضة دون غيره من جهة ثانية. الامر الذي ساهم في تسويق هذه الحكومة المنتظرة بين فئات واسعة من العراقيين. ولا يغير من هذه الحقيقة ما يشاع عن حسن نية التيار الصدري، فجهنم مبلطة بالنيات الحسنة.


دعونا من هذا وذاك، ونقول بداية، وقبل كل شيء، فان حكومة التكنوقراط الموعودة، ليست وصفة سحرية، يكون التكنوقراطي فيها وطنيا ونزيها وشريفا، والاهم من ذلك، قادرا على اصلاح ما افسده الاحتلال وحكوماته المتعاقبة. فمجلس الحكم الذي كان مكونا من 25 عضوا، كان اغلبهم من التكنوقراط، موزعين ما بين طبيب، مثل ابراهيم الجعفري واياد علاوي وموفق الربيعي ومحمود عثمان وسلامة الخفاجي، وما بين رجال قانون مثل دارا نوري وجلال الطالباني وعدنان الباجه جي ونصير الجادرجي،  ومهندسين مثل يونادم كنة، واقتصاديون مثل احمد الجلبي وحميد مجيد موسى. واكاديمين مثل محسن عبد الحميد ورجاء الخزاعي. وحتى الرجل العشائري الذي يرتدي العباءة والعقال عجيل الياور، فهو مهندس مدني وماجيستير من جامعة واشنطن. وهؤلاء التكنوقراطيون الاشاوس، شكلوا دعامة المحتل ودمروا البلاد والعباد، ولازال الكثير منهم يشغل اهم مناصب الدولة.


اما الحكومات التي جاءت بعد مجلس الحكم، وفيها من خير التكنوقراط الكثير، فيكفي وصفها من قبل الانتفاضات المتعاقبة والشعب العراقي، بانها حكومات كاذبة وحرامية، فحكومة نوري المالكي وصفت باهزوجة تقول، "المالكي ونوابه حرامية وكذابة"، ووصفت العبادي وحكومته باهزوجة تقول "باسم الدين باكونا الحرامية". وليس في هذه الاتهمات اي تجنٍ على احد منهم، بل على العكس من ذلك تماما، فهؤلاء استباحوا جميع المحرمات وارتكبوا كبائر الذنوب، كالقتل والتهجير وسرقة قوت الشعب والخيانة الوطنية العظمى ،والقائمة بهذا الخصوص طويلة ومؤلمة.


دعونا نسترسل اكثر، فمن اهم شروط الاصلاح، وجود دولة مدنية، او شبه مدنية، او على الاقل دولة تتوفر بها مؤسسات واجهزة امنية تحفظ امن المواطن وتحميه من التسلط السياسي والقهر الاجتماعي، وجيش قوي يحمي  الحدود من الاعتداءات الخارجية، ولا يسمح  للقوى الاقليمية في التدخل في شؤونه،اضافة الى الفصل بين الدين والدولة.


 هنا نسأل، بالله عليكم، هل توجد فقرة واحدة من اسس هذه الدولة التي ذكرناها  له علاقة بالدولة العراقية، ليفسح المجال امام الحكومة المنتظرة من انجاح مشروعها الاصلاحي؟ ام ان دولتنا العتيدة، دولة تحكمها المليشيات المسلحة، والمحاصصة الطائفية والعرقية، وفساد القضاء، والانتخابات المفصلة على مقاس طائفي ومناطقي، وغياب قانون للاحزاب. ودستور ملغوم يحمي كل هذه المصائب ولا يمكن الغائه او تعديله، او حتى المساس بمادة واحدة من مواده.  


ومع كل ذلك، وهنا بيت القصيد ومربط الفرس، فان التوجه لتشكيل حكومة التكنوقراط ، لم يجر التفكير به من اجل انقاذ العراق من محنته، ولا من اجل عيون الشعب العراقي، وانما جرى تحت ضغط الانتفاضة وصمودها،ولو كان بامكان العبادي القضاء على الانتفاضة بالقوة لفعلها، تيمنا بما فعله المالكي مع الانتفاضات التي قامت بعهده. ومرد عجزه يعود، وكما قلنا في مقالات سابقة، الى عدم توفره على اي مبرر، او حتى ذريعة واهية لاستخدام القوة، كالتي وفرها المالكي لنفسه، بصرف النظر عن عدم مشروعيتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فان العبادي لم يستطع اتهام الانتفاضة بانها تمثل اجندات خارجية، لان الانتفاضة قامت على اكتاف الناس في المدن الجنوبية، وهم اهله ومن مذهبه بلغة الاحتلال الدارجة، وهو غير قادر على وصف الانتفاضة بالوهابية او التكفيرية او الداعشية، كونها نالت تاييد المرجعية الدينية، بصرف النظر اذا كانت مجبرة او مختارة، وشعارات الانتفاضة جسدت الوحدة الوطنية تحت راية العلم العراقي. وبالتالي لا يمكنه وصفها باحفاد معاوية او ابنه يزيد. والانتفاضة ليس لديها مخيمات في الصحراء حتى تتهم بانها مقرات لتنظيم القاعدة ومخابيء للسلاح.


وفق هذه الحقائق، فان الحل الوحيد لانقاذ العراق من محنته لن يات قطعا على يد هؤلاء المفسدين، وعبر الوسائل السلمية فحسب، وانما ياتي عبر مواصلة الانتفاضة بشكل يومي، والعمل على تطويرها الى ثورة شعبية، تستخدم كل الوسائل، بما فيها المسلحة اذا اقتضى الامر ذلك، فهي الطريق الوحيد لاسقاط هذه الحكومة وعمليتها السياسية دفعة واحدة،والاتيان بحكومة وطنية وكفوءة ونزيهة وشجاعة، تعيد للعراق استقلاله وسيادته الوطنية، وتسترجع حقوقه كاملة غير منقوصة.


 بمعنى اخر اكثر وضوحا، اذا لم يتم القضاء على السبب فلا امل في القضاء على نتائجه، حيث التدهور الذي حصل في كل مرافق الحياة كان سببه الاحتلال وحكوماته المتعاقبة، واذا لم يتم القضاء على هذا السبب، فانه لا يمكن انهاء معاناة العراقيين في كل مجالات الحياة. واذا حدث تغيير، فانه لن يتعدى بعض الاصلاحات الترقيعية والتي هي اشبه بالمسكنات التي تخفف عن المريض الامه ولا تقضي عليها.


ان الاصرار على سلمية الانتفاضة مهما حدث سيحولها، في نهاية المطاف، الى مجرد تظاهرات سرعان ما تخف حدتها وتنتهي مع مرور الوقت. خاصة وان هناك إعلاما قويا واقلاما ماجورة ومرتزقة يروجون مقولات ظاهرها الحق وجوهرها الباطل، من قبيل وقف الحرب وسفك الدماء البريئة واللجوء الى الحوار مع الحكومة والتوصل الى الحلول من خلالها. ويستند هؤلاء لتمرير نواياهم الخبيثة على احداث خلط للمفاهيم السياسية لخدمة ذات الغرض. ونقصد هنا الخلط  بين ما يسمح به المفهوم السياسي السلمي، في ظل بلد مستقر وامن ومستقل وذي سيادة كاملة، وخالي من العملاء والانفصاليين والطائفيين، وبين المفهوم السياسي السلمي في ظل بلد محتل وتعقيدات طائفية وعرقية وساحة تعج بالخونة والعملاء. وفي حالة العراق المحتل، فان الفعل السياسي السلمي، وحده سينهي كل امل في استعادة حقوق العراق واهله.


هذا ليس خطاب حرب كما يتخيل البعض، وانما هو منهج سارت عليه كل الشعوب التي ارادت استرجاع حقوقها المهضومة،ومن ضمن هذا المنهج، او في مقدمته، اللجوء الى الثورة، سواء كانت وسيلتها الفعل السياسي، او الفعل المسلح، او كليهما معا. بمعنى اكثر وضوحا، فان اعتماد الثورة على الفعل السياسي، او الطريق السلمي فحسب يعد سذاجة سياسية بامتياز. وخاصة في الحالة العراقية، حيث اسقاط النظام برمته ومحاكمة رموزه الفاسدة وطرد المحتل، لن يتم دون خوض معارك حامية الوسيط في كل مكان. فهذه هي النتيجة الحتمية فيما يخص الثورات الكبرى، التي تضع الشعوب امام نقلة تاريخية تصب لصالحها. هذه هي الحقيقة، ومن يفكر او يراهن على اي مشروع اصلاح يصدر عن هؤلاء السراق والحرامية، ليس سوى مراهنة ساذجة، بل حمقاء، تساهم في استمرار سيل الدماء، شاء اصحابها ام ابو.


الشي الاكيد بالنسبة لنا، فان جميع محاولات المحتل وحكومته، وعلى الرغم من كل سياساته وقراراته المسبقة بالقضاء على الانتفاضة، ستفشل حتما، فالشعب العراقي، بمختلف مكوناته واطيافه وقومياته ومذاهبه، سيواصل هذه الانتفاضة، او في اسوا الاحوال، فانه لن يخضع بعد الان للظلم والطغيان ويقبل به كامر واقع. اما اذا حدث وراوحت الانتفاضة مكانها لاي سبب كان، ولم تتطور الى ثورة شامله، فالشعب العراقي سيلد اخرى واخرى واخرى، خاصة وان الاوضاع في طول البلاد وعرضها ستسمر في السير من سيء الى اسوأ. وفي نفس الوقت لن تلوح في الافق اية بارقة امل للانقاذ على يد هؤلاء.


هذا ليس حلما، او خيالا، او من نسج كاتب هذه السطور، فالشعب العراقي العظيم قادر على فعل ذلك، وقد فعلها في السابق مرات عديدة، وثورات الشعب العراقي الباسلة ضد الاستعمار البريطاني وضد حكوماته العميلة تؤكد هذه الحقيقة، (.....) وحدهم اصحاب العقول القاصرة، والتفكير المحدود ينكرون قدرة الشعب العراقي على الانتفاضة السياسية او المسلحة، بل ويستخفون به، ويطلقون أوصافا مهينة بحقه. على العكس تماما من المحتل الامريكي حيث يجهد نفسه باتخاذ كل الاحتياطات الكفيلة لتجنب حدوثها، ويضع جميع العقبات امامها، ويسلك كل طرق التامر عليها، عساه ان يتمكن من افشالها والقضاء عليها في اليوم الموعود، حتى لا يضيع العراق من بين يديه.


هل نحن على موعد مع الثورة المنشودة؟


بالتاكيد نعم


 


 


 


أضف تعليق