"في هذه اللحظات التي سمَّيتُها تجمعًا لا احتفالاً؛ لأنه لا احتفال في زمن الاحتلال، ولا احتفال والاحتلال لازال يضغط على صدور وقلوب العراقيين والمسلمين في كل مكان في هذه اللحظات... وبدوري أرحبُ معكم بَأوْبَةِ أستاذنا وشيخنا الأستاذ: (حارث سليمان الضاري- أبي المثنى) الذي نسأل الله تعالى له أن يقود مسيرة الإصلاح، وأن يتبنَّى مسيرة البناء والنَّمَاء في هذا البلد؛ لكي نقصر عمر الاحتلال. فأضمُّ صوتي معكم مرحبًا ومقدرًا مجيئه المبارك والكبير، حيث غادرنا مرغمًا وجاء إلينا اليوم وهو يترجل، فجزاه الله عنَّا وعن المسلمين خيرًا ...".
هكذا قدَّم الأستاذُ الدكتور: (عبدالسلام داود) الشيخَ الدكتور: (حارث الضاري، رحمه الله تعالى) ورحَّب به في أول تجمع ولقاء له مع علماء العراق في: (جامع حمود الكبيسي) ببغداد، والذي أُطلق على اللقاء آنذاك: (ذكرى المكاء والبكاء والنماء)، وذلك في أول أيام الاحتلال من عام: 2003م، ليلقي الشيخُ (الضاري) بعد ذلك كلمته، فيقول:
"الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فأشكرُ فضيلة خطيب هذا المسجد الأستاذ الدكتور: (عبدالسلام الكبيسي) على دعوته لي لحضور هذا اللقاء المبارك الميمون في ذكرى مولد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأقولُ لأخي الوفيِّ (عبدالسلام داود) أشكركُ على ترحيبك بي مع أني لست أهلاً لأن أقود مسيرةً، وإنَّما لأعمل ضمن مسيرة خير يقودها من يتأهل لقيادتها، فإني جندي، عشتُ جنديًا، وسأموتُ جنديًا في العمل للإسلام، بل وجنديًا مجهولاً للعمل للإسلام ولبلدي العراق العزيز الشامخ الذي دنَّسَه الأشرار...".
وهنا يبكي الشيخُ (الضاري)، على بلده العراق؛ ليظهر ما يُكنّه صدره العميق، وما يحمل من هموم ووعي بما جري وسيجري في قابل الأيام.
هذه الدموع التي لم يرها منه يومًا عدوٌّ صلب ولا طاغية ظالم في أصعب المواقف وأحنك اللحظات في ساحات مقاومته، لكنَّها انهمرت حزنًا على بلد جريح مكلوم، رقةً ورحمةً بشعبٍ منكوبٍ مظلوم، نعم، تنهمر الدموع وتسيل من حُرٍّ كبا فيقوم من كبوته ينادي:
غَيْرَ أَنَّ الفَتَى يُلاقِي المَنَايَا كَالِحَاتٍ وَلا يُلاقِي الهَوَانَا
هنا وأنا أستمعُ لكلامه في اللقاء -بعد سنين- حضرتني كلماتُ أبي جعفر المنصور ورأيتها متخضبة بدموعه، وأنا أرسم صورةً بين أمل المنصور وحزن الضاري، تلك الكلمات التي أسس بها بغداد قبل أن يضع لَبِنَات بنائه فقال وهو يضع بنفسه أول لَبِنَةٍ ليبني دار السلام والعلم: "بسم الله، والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، ابنوا على بركة الله".
نعم هكذا هي الصورة ملونة بدموع الضاري وأمل المنصور، فهي بين لحظتين: لحظة تزهر بكل ألوان الورود والسلم والعلم كما يراها المنصور، واللحظة الأخرى حمراء بدمع الضاري الذي يشهد ويستشرف ويشاهد ظلم الاحتلال وموته ودماره وذلك الخراب الذي حل بالعراقيين كما وصف رحمه الله.
وأترككم قليلاً مع كلمة الشيخ الضاري رحمه الله ليصف ما جرى للعراق بعد بكائه في نفس اللقاء:
"العراق الذي ذهب ضحية غدر الغادرين من أبنائه وجيرانه، أبنائه الذين تمثلوا في نظام ظالم مستبد، أو معارضة عميلة باعت العراق؛ لتحصيل مكاسب نفعية دنيئة ورخيصة، باعت العراق باعت الأمة باعت التاريخ؛ بحجة ظلم الظالمين وعزف المتجبرين. فأبدلوا الظلم بظلم بل بظلم أشد، بظلم ظلم الإنسان بينما جاؤوا بظلم سيظلم الإنسان والأرض والعِرض والشَّرف والتاريخ.
إذا كان النظام السابق أكل العيش وحرم العيال فإنَّ القوة الغاشمة الغازية المحتلة ستأكل العيش وتأخذ الباقي. نعم ستأكل العيش وتأخذ العراق، ستقتطعه من حضيرة الأمة العربية المسلمة. نعم ذهب العراق ضحية سوء تصرف أبنائه المتمثلين بنظام مستبد غاشم، ومعارضة عميلة هان عليها العراق فباعته بدراهم معدودة وبمناصب موعودة، فجاءت بالشر الى أهلها".
وأسدلُ الستار على آخر مشهدٍ في حياته (رحمه الله) لتنتهي رحلة الشيخ بالدموع أيضا كما بدأها؛ فقد ظل حزن العراق وآلامه ملازمة له وهو على فراش الموت، إذ حدثني ابنه الهمام أبو الحارث الدكتور: (مثنى) عن ذلك المشهد حينما قُريء عليه جهد فرق الإغاثة في الهيئة وما قدَّموه للمهجرين والنازحين، فأوصى بالأيتام والأرامل والمهجرين خيرًا، وحثَّ على تكثيف الجهود، ثم اغرورقت عيناه بالدموع رحمه الله.
رحمك الله أبا المثنى، وجزاك الله خيرًا على كل ما قدَّمته، رحمك الله أبا الأيتام والأرامل والمهجرين،
قُلْ لِلأَرَامِلِ وَاليَتَامَى قَدْ ثَوَى فَلْتَبْكِ أَعْيُنُهَا لِفَقْدِ حُبَابِ
أَوْدَى ابِنُ كُلِّ مُخَاطِرٍ بِتِلادِهِ وَبِنَفْسِهِ بُقْيَا عَلَى الأَحْسَابِ
الرَّاكِبِينَ مِنَ الأُمُورِ صُدُورَهَا لا يَرْكَبُونَ مَعَاقِدَ الأَذْنَابِ
*محقق وباحث عراقي
خاص بموقع الهيئة نت
