يروى في قصص تاريخ الزمان الماضي أن امرأة كانت تتمتع بجمال وفير .. ومع تقدمها في العمر فقدت الكثير من جمالها .. وكان يسكن في جوار منزلها عطار عرض عليها بعض الأعشاب التي تعيد لها بعضاً مما فقدت .. لكنه استغلها استغلالاً مادياً بدون أي نتيجة في شكلها.. فقال الشاعر يصف الحالة هذه:
عَـجـوزٌ تُرجّـى أنْ تَـكـونَ فـَتـيَّةً وَقَد نَحَلَ الجَنبان واحدَودَبَ الظَّهرُ
تَدُسُّ إلى العَطّارِ تَبغي شَبابَها وَهَل يُصلِحُ العَطّارُ ما أفسَدَ الدَّهرُ؟
لكن العنوان المتصدر لهذه المقالة قد ورد معكوساً بالنسبة لما ورد في البيت الشعري، وذلك هو المقصود من فحوى هذه المقالة، فنحن اليوم نعيش حالة من التعاكس في الصورة والمضمون لواقعنا، ففي زماننا هذا يخوّن الأمين، ويؤتمن الخائن، ويوضع الشريف، ويَشرُف الوضيع، ويجرّم البريء، ويبرّئ المجرم .. حالة من التعاكس الفوضوي تعم حياتنا، وذلك واقع مرير يقع بسبب إسناد الأمر إلى غير أهله .. فاليوم يعيش شعب العراق في أحلك الظروف وأشدها .. ويعاني قساوة الأوضاع المأساوية في كل بقعة منه .. فمظاهر القتل والتهجير .. وسياسة التجويع والحصار والتضييق .. لا تكاد تفارق المشهد اليومي في البلاد .. ويكتمل هذا المشهد في دمويته بجرائم القصف الممنهج الذي يطال الأبرياء .. وعمليات الخطف والتعذيب والتنكيل التي ترتكبها المليشيات السائبة أمام أنظار الحكومة بل وبمباركتها وتشجيعها .. وفي خضم معترك هذا الواقع المأساوي تأتي الوعود الزائفة الكاذبة التي تطلقها حكومة العراق الطائفية التي سامت العراق وأهله سوء العذاب .. فوعود الحكومة هذه هي وعود العطار بعودة جمال الحياة وأمانها وقرارها واستقرارها لأبناء العراق الذين فقدوا أدنى مقومات الحياة الكريمة، فعطار الحكومة الحالية (العبادي) قد انكشف أمامه كل الفاسدين، واتضحت بين يديه حقيقة المتاجرين بحياة العراقيين وأمنهم وأمانهم، لكن ما الذي حصل؟ لقد خرج العبادي (العطار) ليعلن للجميع عن امتلاكه للدواء الناجع الذي سيغير حياة العراقيين إلى أوج عنفوانها، وعنفوان شبابها، فأطلق الوعود تلو الوعود، وتوعد الفاسدين بالوعيد إثر الوعيد، حتى ليكاد يخال لأبناء العراق أن لحظة التغيير قد حانت، وأن وقت الحساب والقصاص قد آن، ليشهدوا نهاية حيتان الفساد، وطواغيت الظلم والطغيان، فإذا بهم أمام كيس العطار (إصلاحات العبادي) الذي خرج لهم بالأدواء بدل الدواء، وبالسم بدل الترياق .. فأفسد في العباد والبلاد .. وأفسد الزمان والمكان .. وأعان الفاسدين لمزيد من الفساد والإفساد .. ولو أن العطار (العبادي) وبقية شركائه من العطارين (السياسيين) تركوا العراق وأهله لعالج العراقيون أنفسهم بأنفسهم .. وداووا جراحهم ببلسم وحدتهم .. فلا شفاء ووصفة العطار (الفاسدة) تسري في جسد العباد والبلاد .. ولا خلاص من الألم ونيل الأمل .. إلا بالخلاص من شرذمة (المتعاطرين) الذين هم الفساد بذاته، وهم الداء بعينه، فيا معشر العطارين (السياسين) المفسدين اتركوا العراق وأهله، وارزموا حقائب إصلاحكم المزعوم، وامضوا حيث ينتظركم سحت أموالكم المرقوم، فقد يئس أهل العراق من وعودكم، وعجز الزمان عن إصلاحكم.
*مسؤول القسم العلمي
