هيئة علماء المسلمين في العراق

حارث الضاري .... أسعد العزوني*
حارث الضاري .... أسعد العزوني* حارث الضاري .... أسعد العزوني*

حارث الضاري .... أسعد العزوني*

مساء السبت الماضي ، شرفت بدعوة كريمة من هيئة علماء المسلمين في العراق ، لحضور الملتقى الإستذكاري لمواقف الشيخ الدكتور حارث الضاري ، الرئيس الراحل  للهيئة ، وشارك فيه بطبيعة الحال  جمع غفير من الشخصيات العراقية  من كافة الإتجاهات ، مع عدد من الشخصيات الأردنية .


كان حفلا مهيبا  يليق بالمحتفى بذكراه ، كدليل على أنه ليس كل من ووري جسده الثرى  يقال عنه أنه  ميت ، بل هناك ومنهم  فقيدنا الراحل الشيخ حارث الضاري ، وإن  مات جسدا ، فإن ذكراه العطرة ستبقى تحرس روحه الطاهرة العفيفة  ، وهي تحوم فوقنا  وحولنا  وتصرخ فينا  ألا نساوم على الحق ، ولا نصالح الأعداء .


كان هذا ديدن فقيدنا الراحل الذي  بقي وفيا للمباديء ولم يرتكب الخيانة ، كما فعل غيره ، من الذين إرتموا في  أحضان الغازي بريمر أول حاكم عسكري بغيض  للعراق الأشم ، لأنه  يعلم جيدا أن العراق خالد ما بقيت السموات والأرض ، وأن فعل الخيانة  لا يليق  بشخصية مثله آثرت  التحالف مع الله.


ألقيت في ذلك الحفل المهيب المحروس بروح فقيدنا الراحل ، العديد من الكلمات  والقصائد ، وقرئت العديد من البيانات والرسائل التي وصلت الحفل من داخل العراق الجريح ، وما ميز كل ذلك أنها كانت معجونة بالصدق ، بدليل  أن  أحدا  من الذين وقفوا على المنصة لم يتلعثم ، كما نرى  ، بل تحدث منطلقا صادقا في أحاسيسه ، وبذلك وصلت كلمات الجميع المنطلقة من قلوبهم إلى قلوبنا  .


هذا هو الحال بالنسبة  للخالدين الذين صدقوا مع الله ،  قبل أن يصدقوا مع انفسهم وامتهم وشعبهم ، وكان ذلك الإحتفال إستفتاء عفويا على مدى حب الجميع  للشيخ  حارث الضاري ، الذي تحدى الإحتلال وأذنابه ، وبقي متمسكا بالعراق العربي  الموحد ، ويقيني أن  روحه عندما فارقت جسده ، كانت تتحدث عن ذلك .


لم يكن الراحل  رجلا عاديا  يضعف أمام المكتسبات الدنيوية الزائلة ، ولو كان من إياهم –لا سمح الله – لعينه المحتل رئيسا للوزراء ، وحرمنا  من الإحتفال به  رجلا عفيفا نظيفا شريفا ،  صدق مع الله أولا وعاهده على الثبات على الحق والمباديء ، وتمسك بوسطيته وإعتداله ، لكنه كان سيفا بتارا  في مواجهة الحق ، الأمر الذي أزعجهم  فأرادوا النيل منه ، لكن الله يقيض للصادقين معه  من يقف معهم ، فلجا إلى أردن الحشد والرباط وحظي بالأمن والأمان ، وواصل أداء رسالته  والقيام بدوره .


ولم تستطع إغراءات الإحتلال النجسة ، حرف الشيخ الضاري عن الخط المستقيم ، ولذلك نجا من متاهات الدنيا  وضياعها  ، ليأمن آخرته ، وفاز برضا ربه وشعبه وأمته ،  غير آبه  بنظرة الإحتلال وأذنابه له  ، علما انهم كانوا يتمنون لو انه يضعف ، فتناله بعض نجاستهم ، ولكن  الله  جعل لرجاله على الأرض ، هيبة  تغنيهم عن الإنزلاق  في ما إنزلق إليه  أذناب الإحتلال في العراق ، وكانوا محسوبين على الدين والأمة .


كان المغفور له بإذن الله  الشيخ حارث الضاري ثاقب الفكر  سديد الرأي ، وقد إرتبط بالعراق بوثاق شديد ، هذا العراق الذي يرتبط بفلسطين  أولى القبلتين وثالث الحرمين ، بحبل سري منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، وهذا ما دفع  أعداء الخارج والداخل  ومعهم يهود بحر الخزر  بالإنقضاض عليه  لتدميره والنيل من شعبه قبل شطبع من على الخارطة  ، بحسب مشروع الشرق الأوسط الكبير الأمريكي ، وخطة كيفونيم الإسرائيلية، وهذا ما يفسر توريط العراق  في الحرب العراقية الإيرانية  وفي الكويت  وما تلا ذلك ، وإنتهاء بالحكم الطائفي البغيض الذي سلخ العراق عن العراق.


كان بإمكان الشيخ حارث الضاري وهو العلامة والفقيه ،  أن يؤلف فتوى من عنده أو  يعثر على نص مزور يبيح له  التحالف مع الشيطان ، بعد أن يمني النفس بمكافآت الإحتلال ، لأن له في العراق وفي الأمة وزن ،  وأي وزن  يضاهي الشيخ حارث الضاري رحمه الله ، ومن ميزاته  أن أحدا من اذناب الإحتلال الذين  إستمرأوا الإرتماء في أحضان بريمر ، وذاقوا من الإهانات والذل ما لم  يذقه  العلقمي، لم يحقق حلمه البغيض ويرى الشيخ الضاري يفعل فعلتهم ، فهيهات هيهات  أن ينال نجس  من القامات العالية .


كان بريمر  وزمرته  حريصين  ويمنون النفس بان  تحظى مجالسهم  ولو بزيارة قصيرة من الشيخ حارث الضاري ، لكنه آثر القرب من الله  وحافظ على طهارته  وقضى نحبه ولم يبدل تبديلا ،  فصعدت روحه إلى السماء طاهرة مطهرة وحظيت بقبول من الله وملائكته ، ووجد  النبيين والملائكة والصدقين بإنتظاره.


الإحتفال الذي أتحدث عنه لم يكن للشيخ حارث الضاري فقط ،   رغم أنه رمز عراقي عروبي إسلامي ، بل كان هذا الإحتفال أيضا كان للعراق الذي باعوه في سوق النخاسة ظنا منهم أن الله سينجيهم ، وأن يهود بحر الخزر سيكافئونهم ،  وما نراه حاليا  أن من باع العراق ،  وجد نفسه في مهب الريح  لا عاصم له  إلا الله ، والله جل في علاه لا يعصم من باع نفسه ليهود بحر الخزر .


رحم الله الشيخ حارث الضاري ،وأسكنه فسيح جنانه  مع النبياء والصديقين والشهداء ،  وسيعود العراق حرا أبيا كما كان  إن شاء الله ، وعزاؤنا أن  خير سلف سلم الراية  ناصعة البياض لخير خلف ، وليخسأ الخاسئون.


*صحفي أردني


أضف تعليق