هيئة علماء المسلمين في العراق

الشيخ حارث الضاري...مدرسة في الثبات على المبادئ...عامر سلمان العكيدي
الشيخ حارث الضاري...مدرسة في الثبات على المبادئ...عامر سلمان العكيدي الشيخ حارث الضاري...مدرسة في الثبات على المبادئ...عامر سلمان العكيدي

الشيخ حارث الضاري...مدرسة في الثبات على المبادئ...عامر سلمان العكيدي

يعتبر الاحتلال الامريكي للعراق أكبر تهديد تعرّض له هذا البلد في التاريخ الحديث ، حيث استهدف الغزو الغاشم العراق حضارة وتاريخا ومستقبلا ، وأراد أن يمحو وجوده من خارطة العالم ، وهنا كان لابد من موقف شجاع ووقفة مبدأية ثابتة بوجه هذا الظلم والعدوان ، فكان الشيخ حارث الضاري رحمه الله تعالى.


لقد استشعر الشيخ رحمه الله خطر هذا الغزو وادرك أهدافه قبل وقوعه فأعدّ له العدة للمواجهة ، ووضع نصب عينيه أنّ هذه المواجهة تحتاج إلى ثبات وتضحية وايثار بالنفس والمال والولد والعشيرة ، فمضى على هذا الدرب ، وكان لها ، سيفا مشرعا وقلبا مؤمنا وايمانا راسخا بحق العراقيين في الدفاع عن أنفسهم ورد عدوان المعتدين .


لقد فُتحت على العراقيين بسبب هذا الإحتلال جبهات عديدة كلها تهدد وجوده ومستقبله ، فكان لابد لكل جبهة من إعداد واستعداد للمواجهة ودفع الشرور ما أمكن لذلك سبيلا ، وكان من أهم هذه الجبهات ما يلي :


أولا: جبهة الإحتلال العسكري :


لقد كان للشيخ رحمه الله المساهمة الفاعلة في التحريض على مقاومة الإحتلال ودفع عدوانه عن البلد ، وساهم مع إخوانه العلماء قبل الغزو بإصدار فتوى الجهاد والتي حرضت العراقيين على القتال ، ثم بعد الغزو ساهم مساهمة كبيرة في دعم هذا الجهاد بكل ما يستطيع من دعم ، فكان الأب الروحي لهذه المقاومة حتى تكللت جهوده القيمة باختيار رجال المقاومة للشيخ ممثلا لها في المحافل الدولية ، وأعطته هذه الفصائل تخويلا مكتوبا ليقودها في الميدان السياسي والفكري بعد أن كان مرشدها المخلص في ساحات القتال .


ثانيا : جبهة التقسيم للبلد :


لعل أخطر ما واجه العراق بعد الغزو العسكري هو موافقة غالبية السياسيين المشاركين في العملية السياسية تحت إدارة الإحتلال على تضمين الدستور الجديد للبلاد أحقية ثلاث محافظات بتكوين ما يسمى بالإقليم الشبه مستقل أو مايصطلح عليه بالفدرالية ، والتي أدرك المخلصون في العراق وفي مقدمتهم الشيخ حارث رحمه الله تعالىأن هذه الخطوة هي بداية تقسيم العراق ، ولهذا أصر الشيخ رحمه الله أن يكون شعار ( لا للتقسيم ) هو أحد شعارات مؤتمر الهيئة العام  والذي عقد في دمشق عام 2008 م ، وضل رحمه الله في كل مناسبة أو لقاء ينبه ويحذر من خطورة هذه الفكرة ، وإنها ورغم ما يروج لها من كونها الحل لمشاكل السنة في العراق وفيها الخلاص لما يعانوه من حيف وجور الإحتلال والسلطة الحاكمة ، إلا إنه رحمه الله كان ينظر بعين المدرك الواعي لما بين سطور هذه المنجزات الوهمية من خطر تقسيم العراق وزيادة الإنشقاق والنزاع بين أهله .


ثالثا : جبهة الوحدة الوطنية :


لقد كان الشيخ ينظر إلى العراق على إنه وحدة واحدة في أرضه وشعبه ، وإن جميع أبنائه متساوون في الحق والواجب ، وإن قوة العراق ومكانته بهذه الوحدة وهذا التكوين الفريد على مستوى المنطقة والعالم ، وكان يؤمن رحمه الله بأنّ تخلف مكون من مكونات الشعب العراقي أو تأخره عن أداء واجبه لا يعني أن يتخلى الباقون عن أداء هذا الواجب ، وإن انسياق بعض أبناءه مع المحتل لا يعني أن نطرح هذا المكون من حسابات الشعب أو أن نتخلى عن جزء من العراق من أجل جزء آخر ، وكان الحل في رأيه هو أن يجتمع العراقيون على مبدأ الوحدة والتي يجمعهم فيها الوطن والتاريخ المشترك ، لأن هذه الوحدة في المصير هي أهم أسباب رد العدوان عن العراق وإضعاف أخطر أهداف المحتل الغازي وهو تقسيم العراق إلى دويلات على أساس مذهبي أو عرقي .


ولقد غابت هذه الفكرة عن بال كثير من المشتغلين بالسياسة فأطلقوا ألسنتهم في انتقاد هذا المبدأ وانتقاد صاحبه رحمه الله تعالى ، ولكنّ الشيخ كان يدافع عن هذا المبدأ بكل قوة وصلابة لعلمه الراسخ أن وحدة العراقيين ومصيرهم المشترك هي أهم أسباب بقاء العراق موحدا كي يبقى ذلك البلد المهاب صاحب المكانة العالية والمرموقة بين الدول .


إن الذين شرفهم الله تعالى بصحبة هذا الشيخ الجليل وأنا منهم نعلم  علم اليقين أنه رحمه الله عاش على مبدأه ودافع عنه بكل شرف ونبل حتى لقي ربه وهو صابر ثابت محتسب يريد بذلك العمل الذي قدمه وجه الله تعالى ، لم تفتنه الدنيا رغم أنها فُتحت بين يديه ، ولم تغره المناصب والرياسة والقيادة رغم أنها جاءته راغمة وراغبة وهو أهل لها ، لكنه آثر العمل من أجل المبدأ ، وكان يقول دائما لو تحرر العراق ونحن على قيد الحياة لسلمنا الأمر إلى من يستحقه ونحن نعود إلى مواقعنا في الدعوة والتعليم وارشاد الناس للخير .


في ذكرى غياب جسدك بالموت نقول لكم يا سيدي الشيخ  ، روحك ومبادئك لا زالت فينا ، تحضر معنا في كل موقف ، فإذا احتجنا للثبات تذكرنا ثباتك واذا حضرنا موقف للشجاعة أو الحكمة أو الصبر استحضرنا له شجاعتك وحكمتك وصبرك .


نم قرير العين يا شيخنا ووالدنا وسيدنا فقد زرعت في أبنائك كل الخير ، وهم بإذن الله سائرون على طريقك ونهجك نحو الهدف الذي تعلمناه منكم وهو الدفاع عن الإسلام وأرضه في العراق حتى يتحقق النصر بإذن الله تعالى .


قال تعالى ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) .


 


مقال خاص ب   الهيئة نت    


 


أضف تعليق