من الصعب في زمن كهذا الذي نعيشه أن تجد رجلا تجتمع فيه صفات العلم والدعوة والجهاد؛ ذلك لأنه لا يستطيع إنسان أن يُوفق بينها إلا إذا تجرد عن الدنيا ومغرياتها وفتنها وملذاتها، وقد ذكر لنا التاريخ رجالا جمعوا بين العلم والدعوة والجهاد، وكانوا سببا في النصر والفلاح لأمة الإسلام، ومن أولئك الرجال الأفذاذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فحينما دخل التتار أرض الشام قام المرجفون بنشر الخوف والرعب في نفوس الناس لكنه رحمه الله كان يثبت القلوب ويبث روح النصر في نفوس الناس ويتلو قوله تعالى: (ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ) [الحج 60].
وكان في مقدمة الجيش الذي شارك في موقعة (شقجب )، وذلك في شهر رمضان سنة 702ه، وهو بذلك يعطي الصفة الحقيقية التي يجب ان يحملها العلماء في اوقات الشدة التي تمر بها الأمة الإسلامية في كل مكان وزمان.
واما في وقتنا المعاصر فقلة أولئك الرجال الذين جمعوا بين تلك الصفات في الأمة عموما وفي بلدنا العراق خصوصا، وقولي هذا ليس محل افتراء بل هو حقيقة مرة التمسناها من خلال ما تعرض له بلدنا من احتلال ودمار وقتل وتخريب وتهجير، بيد أن معدن الرجال يظهر وقت الشدة، وهنا يصدح صوت الحق بكل ما أوتي من قوة وبسالة متمثلا بشخص لم يكن شيخ مسجد أو استاذا في كلية فحسب بل رجل مواقف أينما حلَّ نفع، إنه الشيخ حارث الضاري ( رحمه الله)، هذا الرجل الذي لا يسعفني القلم لأكتب عنه ما يستحقه، ويخونني التعبير لأصفه بما هو أهله، لكن يكفيه أنه رجل علم ودعوة وجهاد، مذ أن كان استاذا في كلية الشريعة يعرفه القاصي والداني في مواقفه التي لا يخاف فيها لومة لائم، بل كان يرجو منها مرضاة ربه عز وجل، واذكر أن أحد طلابه ذكر لي قصة عنه أنه في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات كان مدرسا في كلية الشريعة ببغداد، وكانت هناك طالبة سافرة فمنعها الشيخ رحمه الله من دخول محاضراته؛ فقدمت شكوى ضده عند ما يسمى بـ ( اتحاد الطلبة) آنذاك، قال: فلما رؤوا ان الشكوة مقدمة ضد الدكتور حارث الضاري (رحمه الله) قالوا لها بعبارة صريحة: لا تدخيلنا معه بمشاكل لسنا أهلا لها.
وكثيرة هي المواقف التي يذكرها من تربى على يده، ونهل من علمه، وقد بانت حقيقته ومعدنه الأصيل في موقفه من قضية بلده وقضايا أمته فلم يكن حاله كأولئك المرجفين الذين رضخوا لما يريده المحتل، بل وقف في وجه المحتل، وبيّن مشاريعه التي يرومها من احتلال العراق، وكان الصوت الوحيد الذي يدعو إلى الثبات ويبشر الناس بالنصر، واستمر على هذه الحال حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى.
ومن يقرأ رسائله رحمه الله تعالى، يجد أن ما قاله قد تحقق، وأن من كان يدعو إلى العملية السياسية؛ فإنه يُقر اليوم بفشلها، وأنها السبب الرئيسي فيما يجري على البلد.
ها هي السنة الاولى لرحيلك أيها الأب العطوف، والعالم المخلص، والداعية المثابر، والمجاهد الصبور، تمر علينا، ونحن بأمس الحاجة إلى رجال يجمعون الصفات التي جمعتها في شخصك الكريم.
رحلت وفي نفسك أمنية عودة الأمن والرخاء إلى بلدنا.
رحل جسدك عنا أيها الرجل المقدام لكن روحك ما زالت تعيش بيننا، وأقوالك ما زالت ترددها ألسنتنا، ووجهك البراق ما زال يعطينا روح الثبات والنصر.
ودعناك بمرارة وحرقة ونحن راضون بقضاء الله تعالى، ولنا امل بربنا عز وجل أن يُقر عيوننا برجال يحملون الصفات التي حملتها، ويكونون نبراسا يُضيء لنا الطريق في وقت كثرت علينا فيه المحن.
مقال خاص ب الهيئة نت
