غالبًا ما تصبح الذكريات ـ مهما كان نوعها ـ مصدرًا مهمًا للإلهام، فما كان منها طيبًا فإنه يبعث على التفاؤل والمواصلة، وما كان غير ذلك فهو يدعو للتصحيح والتقويم، وتكون تلك الذكريات بنّاءة أكثر وذات إيجابية ونماء عندما تتعلق بمواقف أو أشخاص كانت لهم بصمات واضحة في الحياة أضفت لها جوانب مشرقة وجمّلتها بوجوه ناعمة.
وفي هذه الأيّام نعيش ذكريات متعددة، تتقلب فيها صفحات الزمان ما بين سعادة وشقاء، بعضها يعطي جرعات ومبررات قوية للثبات، وأخرى ربما يحسبها الناظر مدعاة لليأس والقنوط لاسيما وهو يقارنها مع واقع الحال وما آلت إليه الأحداث، على الرغم من أن سنن الله الكونية تزيدنا يقينًا بخلاف ذلك، فقط لو أخذنا معيار الإيمان بالحسبان، وأحلنا النظريات إلى واقع عملي.
واحدة من تلك الذكريات لها ما يميزها ويجعلها مستعلية على ما سواها، ورغم أنها ذات طابع شديد الوقع من الحزن والألم؛ إلا أنها مشكاة وعلامة في طريق تحرير العراق ودليلاً مرشدًا نحو استعادة تبوئه مكانة عُليا في الأمّة التي فقدت قبل سنة من الآن أحد من أهم رموزها ورجالاتها الفذة، الشيخ حارث الضاري؛ طيّب الله ثراه، وغمره برحماته ورضوانه.
وعلى مدى نصف قرن من تاريخ العراق المعاصر؛ برز نشاط شخصيات ذوات أبعاد متعددة وآثار واضحة؛ سماتها الثبات على ما آمنت به والصمود إزاء ما لاقت، والانتصار على المحن، والظفر بقوة على الشدائد، فضلاً عن التنوع في المهام والتكامل في الأداء ما بين العلم والتربية والقيادة والسياسة؛ مثّلته ثلة مؤمنة اتسمت بالصبر والاحتساب، تقدم طليعتها بكل جدارة الشيخ الضاري أحد صنّاع الحياة، والذي كان وجوده في مرحلة احتلال العراق بمثابة بلسم شاف هوّن كثيرًا من المأساة، وضخ في نفوس الشباب مزيدًا من الهمم وجزيلاً من العطاء الإيماني والروحي والفكري، ما جعلهم كماة أباة وقفوا بوجوه مشاريع الغرب، وبنوا من أجسادهم سدودًا حالت دون تفاقمها.
انقضت السَّنة على عجالة، ولم نكد نفق من جسامة ما ألمَّ بنا برحيل الشيخ؛ حتى وجدنا أنفسنا مُجددًا بين أحضان ذكراه، ولأننا سلّمنا أمرنا واحتسبنا الله عز وجل في مصابنا، إيمانًا منّا بأن الموت حق على عباده وخلقه، فقد جاءت الذكرى مُلهمة وذات عطايا ومنح، فالميراث الذي خلّفه الشيخ حارث الضاري وافرٌ لدرجة أنه يسع العراقيين أجمع، ويفيض على غيرهم من أبناء هذه الأمّة التي وقف علماؤها وأعلامها إجلالاً واحترامًا لهذا الشيخ، فرثوه يوم وفاته بأطيب الكلم، وذكروه ومحاسنه بأسمى المناقب، وانبرت أقلام مفكريها والمثقفين تكتب عن سيرته ومسيرته، بشهادات زادت من هيبة حضوره وعلوّ مكانته.
تحل ذكرى الرحيل؛ وما في قلوب ذوي الأصالة والألباب من العراقيين وغيرهم خفقة أو نبضة؛ إلا وتحكي عن مواقف ثابتة ومبادئ صامدة ورجولة راسخة وأفكار نيّرة جمَّلَها منهجٌ لا يعرف إلى الزيغ سبيلاً، وتُوّجت بقضية ما طرأت عليها أعراض المهادنة أو الرضوخ، بل يجد المرء روحًا عظيمة تعانقه لتذكره بجيل القرآن الفريد، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن حفظوا السنّة ودافعوا عنها وبلغوها لمن بعدهم بيضاء نقية ناصعة.
تلك المعاني بأبعادها كلّها ودلالاتها أجمع؛ تتبادر إلى الإذهان بمجرد حضور شيء من تاريخ الشيخ الضاري أو سماع طرفٍ من ذكراه أو رؤية بعض من أثره.
ولئن ارتحل الشيخ عن هذه الحياة، فإن تاريخه الحافل وغرسه النضر؛ يجعلانه حاضرًا ومقيمًا، وها هي هيئة علماء المسلمين التي ما برحت تقود منظومة مناهضة الاحتلال ومشاريعه، على الوجهة الحقة والجادة الصحيحة والطريق القويم، توشك أن تقطف بعضًا من ثماره وتحقق له جزءًا من أهدافه؛ برًا به وعرفانًا بجميله، وتنفيذًا لوصاياه؛ ومن أراد بلوغ معنى ذلك؛ فعليه بمشروع العراق الجامع، لتكتمل عنده الصورة ويتضح لديه القصد.
