هيئة علماء المسلمين في العراق

الشيخ الضاري.. مجدد فكر المواجهة.. قائد جهاد ورمز أمة... د. ناصر الفهداوي
الشيخ الضاري.. مجدد فكر المواجهة.. قائد جهاد ورمز أمة... د. ناصر الفهداوي الشيخ الضاري.. مجدد فكر المواجهة.. قائد جهاد ورمز أمة... د. ناصر الفهداوي

الشيخ الضاري.. مجدد فكر المواجهة.. قائد جهاد ورمز أمة... د. ناصر الفهداوي

لقد ساقته أقدار الله تعالى مكتملاً إلى مرحلة مواجهة معقّدة ومتشعّبة وفي منعطف خطير وحسّاس في تاريخ أمتنا الإسلامية وفي مرحلة حرجة من تاريخ العراق وهو يتعرّض لأضخم مؤامرة تمر عليه عبر تاريخه.. ساقته أقدار الله مستوفياً نصاب أدوات المواجهة كلها، وقد صنعته أقدار الله في كل مراحل عمره ليدّخره الله بألطافه لحمل أعباء مرحلة تنـوء بحملها الجبال الراسيات.. فينبري لها مجدِّداً لفكر المواجهة بعلم الراسخ وحكمة الـمُجرِّب، وقائداً لملحمة جهاديّة عظمى، ورمزاً يتقدّم إخوانه، ثابتاً وهو يتحمّل كل أعباء المحنة.


الشيخ المجاهد الدكتور حارث سليمان الضاري، رحمه الله، شيخ المجاهدين وقائدهم وعالمهم ورايتهم، أعدّه الله وارثاً للأصالة والعنفوان في بيت جهاد وأصالة وعلم؛ فيجمع الله فيه مشيخة القبيلة ومشيخة العلم ومشيخة الجهاد؛ فهو سليل أمجاد جدّه الشيخ المجاهد ضاري المحمود، العائلة المجاهدة وقد ورث منها الجرأة والإقدام ورصانة الشخصية والحكمة وورث منها الفروسية والشجاعة وقوة الشكيمة وهو يرث الشجاعة والبطولة كابراً عن كابر.. وأعدّه الله من أصالة العشيرة وقد ورِث فيها الوجاهة ومشيخة القبيلة والتأثير الكبير في قبائل العرب من الدول العربية وفي العالم الإسلامي بأسره؛ فهو يحمل هذا العمق العشائري في التأثير في المحيط العراقي القريب والمحيط العربي والإسلامي.. وأعدّه الله شابّاً حريصاً على طلب العلم فاكتملت فيه الأخلاق والعلوم والآداب فأبدع في التحصيل العلمي والطلب، وبرع في العلوم الشرعية وتخصص في التفسير والحديث واشتهر علمه بين مشايخ العلم وذاع صيته في جامعات العالم الإسلامي ومحافلها الدولية ومؤتمراتها العلمية وندواتها الفكرية، وخدم دعوة الإسلام في العراق وصار مرجعاً لطلاّب العلم والعلماء وما مِنْ طالب علم إلاّ وقد نهل من علم الشيخ الضاري، وما مِنْ طالب علم في الحديث إلاّ وقد تخرّج من تحت يديه، فحاز مشيخة العلم بجدارة.


والشيخ الضاري مسيرة إعدادٍ وتهيئةٍ، وأصالة وتاريخ وعمق يمتد تاريخه عبر جذور أمتنا الإسلامية وجهادها ومواجهتها لأعداء الله ومؤامراتهم ضد أمتنا، وساقته أقدار الله مكتملاً للمواجهة وحَـمْل الراية بأمانة وعزم، ولقد انبرى لها الشيخ الضاري شامخاً شموخ نخيل العراق السامقات، وثابتاً كالجبال الراسيات لا تزعزعه الرياح الهوج العاصفات، لم يركع لغطرسة عدوٍّ ولم يخضع لمساومة ولم تُغْـره الدنيا وهي تُعرض عليه،، مستحضراً تاريخ الأمة وأمجادها عبر قرون مجدها وصفحاتها المشرقة ومستذكراً تاريخ أجداده بكل ثبات وعنفوان، عارفاً بحقيقة المواجهة التي يتصدّى لها وعظم المسؤولية التي تحمّل اعباءها وتبعاتها، مستشرفاً كل درسٍ فيها وعارفاً لمآلاتها، وقد جمع أشتات العراقيين الأباة الغيارى ووحّد صفّهم وجَمَع كلمتهم، وقد التحق في ركبه كل من يأبى الركوع للاحتلال ويرفض الخضوع للمشاريع التآمرية على الأمة الإسلامية وقد رأى فيه الأمانة والشجاعة والثبات، وأنه قدوة له في المواجهة وأهل لأن يضع كل عراقي غيور يديه بيدي الشيخ الضاري ويتخذه قائداً وقدوة ورمز أمة.


لقد تصدّى الشيخ الضاري رحمه الله لأعداء الله تعالى، وهو يقود مشروع المواجهة والتغيير في الأمة، وحدّد أولويات المرحلة ووضعها نصب عينيه وشخّص دقة المواجهة وحساسيّتها وحدّد أهدافها وآليات تحقيقها ومراحلها الزمنية، فلم يكن تشخيصه للقضية أنها مقاومة عسكرية لمحتل في العراق فحسب وإنما هي مواجهة شمولية لمؤامرات كبيرة ومخططات ضخمة وتحتاج إلى تجديد الفكر المقاوم لتنقلها من معركة عسكرية في ميادين المقاومة إلى استحضار حضارة أمة ودروس تاريخها وصهر القوى وجمعها في مواجهة عالمية كبرى في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة الإسلامية، وهو ينوب أمة بأسرها في مواجهة أعدائها الذين يريدون النيل من أمة الإسلام واحتلال أراضي دولها ومصادرة وجودها واستعباد شعوبها وإذلالهم ونهب ثرواتهم وهدر طاقاتهم ومحو هويّتهم وتضييع مستقبلهم.


وقضية احتلال العراق أمام الشيخ الضاري رحمه الله لم تكن تمثّل احتلال العراق من أمريكا وأحلافها ومن إيران وعنجهيتها وغطرستها باحتلال أرض دولة بذرائع زائفة لتكون عبارة عن قضية عابرة محليّة محصورة بالعراق فحسب؛ وإنما يتعدّاها إلى ما سواها من دول الإسلام، لأن العراق هو خطوة أولى بمشروع احتلالي ومؤامرات استعمارية إذا تم تمريره بعدم التصدي له ومواجهته ستسقط بعد العراق دول عدة من دول الإسلام.. ولذلك فإن الشيخ الضاري حمل مواصفات الشيخ المجاهد المجدد في الأمة، ولم تنحصر واجباته ومهامّه ومشاريعه في مشروع مقاومة عسكرية تُـسْــفَـكُ فيها الدماء وتُــزْهَـقُ فيها الأرواح وإنما تعدّاها إلى مشروع مواجهة شاملة تصون كرامة الأمة وتحفظ سيادتها وسيادة دولها وتحفظ هيبة شعوبها واستقلالهم وتستردّ حقوقهم، وتحقيق مشروع تغيير في واقع الأمة، وعمل على استنهاض همم أجيال الأمة وتحريضها وإفاقتها من غفواتها وسباتها إلى العمل على يقظتها وتحرّرها من الأفكار الضيّقة المنحصرة في المقاومة العسكرية الجهادية بمواجهة لا تتعدّى عن سفك الدماء وإزهاق الأرواح وهدر الطاقات، وقد كان تشخيصه للمرحلة بأنها مواجهة شموليّة تستهدف محو تاريخ الأمة من ذاكرة أجيالها واستئصالها من حاضرها وانتمائها لدينها وأرضها وتدمير مستقبل أجيال الأمة وتضييعهم وهدر مقدّرات بلدانهم الاقتصادية.. وهكذا كان الإمام المجدد الشيخ الضاري رحمه الله وهو ينتقل بالأمة وأجيالها من ساحات العلم إلى مساحات الجهاد والمواجهة الكبيرة وتبنّي ملفات السياسة الشائكة والمعقّدة والتصدّي لقضية التأصيل الشرعي والتصدي لأضخم مواجهة كونية.


الشيخ الدكتور العلاّمة حارث الضاري، رحمه الله، مجدّد اقتضته مرحلة المواجهة، وجاء تلبية لمتطلّبات المرحلة الدقيقة والحساسة من تاريخ الأمة.. جاء بصورة المجدّد الواعي الذي يعي متطلبات مرحلة المواجهة كلها، بعيداً عن التنطّع والتكلّف والتشدّد والتطرّف وحرق المراحل بـجـهلٍ وسَــفَـه وحُــمْق وســذاجـة، فقد كان له الدور الأبرز في إقالة الأمة من عثراتها، وتنوير الأجيال وتعليمهم، وبيان متطلّبات المرحلة في فكر وتأصيل علمي وثقافة وحكمة راسخة، وقد أسهم في تحصين الإسلام والدفاع عنه ومواجهة الاحتلالين (الأمريكي ـ والإيراني) للعراق بكل قواه وبكل ما يملك، وساهم في مشروع الأمة بمواجهتها لأعدائها جهاداً ببدنه واجتهاداً بعلومه وبرأيه وفكره وبماله وثقافته وبحركته ونُصحه، وله في ميادين المواجهة كلها حضور واضح ولمسات ناهضة بالأمة وفي شتى المجالات ومختلف الصُعُد بدءاً من ميدان الجهاد في مواجهة الأعداء برصانة فصائل المقاومة وتعزيز انطلاقتها ودعمها سياسيّاً وإعلاميّاً ومعنويّاً وشوريّاً وانتقالاً إلى المواجهة السياسيّة والتصدّي للحملات الإعلامية؛ فهو الأب الروحي والمربي الفاضل والمعلم الحكيم والموجّه الحريص والناصح الأمين لكل فصائل المقاومة وقواها المناهضة للاحتلال.. وقدّم جهوداً جبّارةً في مجال العمل الدعوي والعمل المناهض للاحتلال وعمليّته السياسية الهزيلة ووجّه الجهود تجاه العمل التعبوي والميداني والخيري والإغاثي والإنساني وقدّم كل إسهاماته في مواجهة الاحتلال بكل أشكاله، وقدّم إسهاماته في حركة الأمة وتحصينها وتحصين أجيالها، وتعزيز مرتكزاتها في الإرادة القوية والإدارة الواعية، وقد حاز صفات القيادة الواعية بين أبناء الشعب العراقي وأجيال الأمة والجيل المجاهد، وترك فيهم سفراً خالداً من التأليف والتوجيه والتنظير وهو يتقدّمهم في ميادين العمل والجهاد والبذل والعطاء وتحمّل تبعات المرحلة ومحنتها الصعبة، فلا تغيب رمزيّته القيادية وكل كلمة من توجيهاته عن أذهان وعقول أجيال الأمة، والأمة بأسرها أحوج ما تكون لإرثه العظيم الذي خلّفه في الأمة.


والتجديد الذي نعنيه بشيخنا المجاهد القائد حارث الضاري، رحمه الله، هو جعل القديم جديداً وليس هو هدماً للبناء من أسه وإقامته من جديد، وعمل على إزالة ما علق به من أتربة وغبار وغشاوة.. وتجسّد عنده في الممارسة والسلوك ومراعاة الأولويات بدقة ومرحلية وتحديد الآليات الموصلة للغايات والأهداف، والحرص التام على أن جَعَل الحديث على صورة الأمر الأول الذي كان.. والأمر الأول الذي كان ماثلاً أمام ناظريه وفي مشروعه المواجِهْ وفي تطبيقه وعمله هو ما كان يمثّله النموذج الأمثل وهو نموذج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونموذج أصحابه الكرام ـ رضي الله عنهم ـ وهذا الذي يُـمَـثِّلُ معيار الدين ويمثِّل الاستقامة ويمثِّلُ الكمال والرُّشد ويمثِّل الـمَـرْجِعيِّةَ الحقّ؛ ومنه انطلق الشيخ الضاري في فكره التجديدي، وأراد أن يُصَوِّب الفِكرَ والممارسة والمفاهيم والعمل ليعيدها إلى هذا النموذج لتقترب منه فينقّي واقعنا من الشوائب لتُصْبِـح عليها الجدة كما كانت في أول عهدها؛ والتجديد في مشروعه هو إحياء ما اندرس من معالم الدين وانطمس من شموس الهدى ليعود على ما كان عليه من هدي القرون الفاضلة المشهود لها بالخير والإيمان.


ولم يكن التجديد الذي تميّزت به مرحلة التجديد في قيادة المرحلة وخوض المواجهة الكبرى أمام أعداء الله في الثوابت والمحكمات فإن الأهداف والكليات والغايات يكون طابعها الثبات، وإنما كانت المرونة في الوسائل والآليات، ولم يكن الخلط بين هذا وذاك، وهكذا كان عامّة المحدّدين الذين عرفتهم الأمة، ولقد كان طابع المرونة في التعامل مع الوسائل والآليات ظاهراً عند كل من عرف الشيخ الضاري رحمه الله، والمرونة العلمية القائمة على الحق والعلم والحكمة وتراكم التجربة والخبرات قد لا يدركها حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام فربما يردّون على الشيخ المجدد بسفه وصلف، فهذا المجدد ابن باديس في عصره عالج أهم قضيتين تعانيها بلده حيث وجد هناك إضعافاً للهوية وقد تمثّل بضياع اللغة العربية وفي إضعاف الانتماء الإسلامي، فرفع شعاراً عنده وعمل بمقتضاه، وهو:"شعب الجزائر مسلمٌ وإلى العروبة ينتسب، من قال حاد عن أصله ومن قال مات فقد كذب، أو رام إضعافاً له رام المحال من الطلب".. وكل بلد لها أوليات في قضايا التجديد، وللمجدّد العالم والخبير المجرِّب الحق في المرونة الواسعة بالأدوات والآليات والوسائل.


ولذلك فإن التجديد يتعلّق بالأمة في فكر الإمام المجدد الضاري في كيفية أن تحسن فهم هذه النصوص وكيف تحسن تطبيق الفهم لهذه النصوص، فهنالك دائرتان، وهما دائرة الفهم ودائرة التطبيق، وهذا هو المعنى الذي تميزت به مرحلة المواجهة من التجديد في التطبيق والعمل بمشروع التجديد.. والمقرر عند علماء الأمة الإسلامية أن يتعدّد المجدِّدون في العصر الواحد، فهذا يجدد في العقيدة وهذا يجدد في الفقه، وقد قامت حركات الإصلاح والتغيير في الأمة وهي تواجه أعدائها بمجددين كثر، منهم ابن باديس وعبدالكريم الخطّابي والابراهيمي والفاسي في شمال إفريقيا، والسنوسي في ليبيا، والمهدي بن مهيدي في السودان وهو يجدد مشروع الجهاد في مواجهة الاحتلال الفرنسي، والأمير المجاهد عثمان دقنة بطل السودان في مقاومة الانگليز، وعبدالقادر الجزائري في الجزائر، وعمر المختار في ليبيا، والطاهر بن عاشور.. فاختلفت صورة التجديد هنا؛ وهنالك نماذج من المجددين في تاريخنا القريب منهم من جدّدَ في مقاومة الاستعمار مثل المهدي في السودان، وهنالك في الجوانب التربوية مثل حسن البنّا في مصر في الفكر الشمولي والدعوة إلى الإسلام، وهناك في مجال العقيدة مثل محمد بن عبدالوهاب في محاربة الشرك الشعائري التعبّدي في الجزيرة العربية بالمملكة العربية السعودية في الدعوة للتوحيد وتنقيته من الرواسب وتنقية الإسلام من الشرك والابتداع، فتعددت هذه الصور، فيمكن أن يكون هناك تجديد ومجدِّدون في القرن الواحد.. والشيخ الضاري امتداد لحركة التجديد الأمة بما حمل من منهجية راسخة وفكر ثاقب ورؤية أصيلة ومشروع مواجهة جعلته رمزاً في الأمة وهو يقود جيلاً للتصدّي لمخططات أعداء الأمة.


ومن أهم معالم مرحلة تجديد الشيخ الضاري في هذه المرحلة هي مواجهة الاحتلال الأمريكي ومشاريعه التآمرية وتحديدها بدقّة وتشخيص جميع أدوات الاحتلال، وقد شخّص أن للاحتلال الأمريكي احتلال آخر كان يقف بظل الاحتلال وهو الاحتلال الإيراني، وقد قرّر أن مشروع المواجهة لهذا الاحتلال يجب أن تكون شموليّة لكل مشاريعه وأدواته، بدءاً من عمليته السياسية الزائفة الهزيلة، وقد عدّها بأنها من أهم أدوات الهيمنة لأمريكا وإيران على العراق وسيستخدمها جسراً للعبور بها لاحتلال دول المنطقة، وقد قال رحمه الله:" إن العملية السياسية هي مشروع الاحتلال الذي أراد من خلاله الهيمنة على العراق، وابتزازه ونهب ثرواته وخيراته، كما أن العملية السياسية أصبحت جسرا لكل من يريد التدخل في العراق".


وقد واجه الاحتلال الإيراني بحزم، ولم يتمكّن المكر الإيراني من اختراق ساحته بالخداع والأكاذيب، ولم يتمكن من مساومته بالإغراءات التي سقط فيها الكثير، ولم يرضخ لكل تهديداته عبر مرتزقته المشاركين في العملية السياسية، وواجه كل خدّام الاحتلال الإيراني بشدّة بأسه، وقد كان تشخيصه الدقيق بأن الاحتلال الأمريكي سيسلّم العراق إلى الاحتلال الإيراني وقد واجههما وتحمّل أعباء المواجهة بالتضييق والحصار من القريب من بني الجلدة الذين خدعتهم السياسات الأمريكية وأوصلت نيران إيران الصفوية إلى عواصم بلدانهم ولطالما حذرهم منها.


لم تكن أهليّة الشيخ الضاري رحمه الله، بأن يكون مجدِّداً في الأمة اعتباطاً ولا مبالغة أو جزافاً، وإنما رؤيته وكلماته في استشراف مآلات الأمور والأحوال وقد تكلّم عن مراحل الأزمة والقضية ومصير الأمة وحدّد المشروع المناسب للمواجهة، وقد حضر في كل مفاصله متقدّماً صفوف المجاهدين والمفكّرين والموجّهين والناصحين والعاملين.. وما مِنْ كلمة قالها الشيخ الضاري إلاّ وقد تحققت، وما مِنْ تحذير أو توجيه أو تشخيص وجهه للأمة إلاّ وقع مثل فلق الصبح، وهذا ما يكون في المجدّد، وما زالت الأمة بأحوج ما تكون لكل كلمة قالها وهو يحدّد معالم المشروع ومرتكزات المواجهة وملامح المرحلة ويحذِّر الأمة من أدوات ونيران وصلت إلى عواصم إسلامية وستصل إلى عواصم أخرى لأنها "تجاهلت أهميّة مشروع الضاري لأن يكون واجهة ومشروعاً ورؤيةً للحل في العراق تلتف حوله كل أيادي العراقيين المخلصين لما يتمتّع به من علم ورسوخ وحكمة وجدارة وأمانة وعمق كبير".. وقد كان الإجماع عليه في حياته من علماء الأمة وقادتها وقادة الرأي فيها وقادة الفكر وأصحاب المسؤولية فيها وهم يحضرون مجلسه ويتمسكون برؤيته ويقتدون بتوجيهاته ويلتزمون وصاياه،، والإجماع عليه في وفاته وحضور رموز الأمة وقادة الفكر فيها وإجماع كلماتهم عليه، إضافة إلى عمقه العشائري المؤثر في الأمة من المحيط إلى الخليج، وعمقه العلمي وتأثيره الفاعل أمام أئمة العلم والمجامع العلمية وفي المحافل الدولية كلها.. وكل كلمة قالها تعدّ بحق منهج مواجهة لعقود وقرون قادمة من تاريخ الأمة الإسلامية وتاريخ العراق وهو يخوض أعقد مواجهة، ولقد رأيناه يذوب همّاً وغمّاً وكمداً وحُرقةً على الأمة، ويتفطّر كما يتفطَّر الصخر على جراحات الأمة.


ولقد كان له الحضور الفاعل في ميادين المواجهة كلها.. وفي معركة الفلوجة الأولى كان الشيخ الضاري ـ رحمه الله ـ يسهر الليالي الطوال يتابع كل ما له صلة بالمعركة واستقبال العوائل النازحة وإيوائهم وإيصالهم إلى مأمنهم، وقال فيها:" إن معركة الفلوجة هي معركة التاريخ والعراق والأمة، ودعا العراقيين إلى الإضراب العام عن العمل"، وكان يوجّه بكل ما مِنْ شأنه استكمال عوامل نصر الفلوجة وبما يحفظ هيبة المسلمين ويديم ثباتهم في معركة الفلوجة ويحفظ مكانة الفلوجة ونصرها في معركتها ضد المحتلين.. وكان حاضراً في مواجهة المشروع الإيراني في العراق وكان العقبة الكأداء التي لم يتمكن المشروع الإيراني من إسقاطها وإزالتها ليهنأ بما يمكر له بخُبْثٍ وسـوء طوّية، وقال في إيران:" إيران تؤدي دوراً سلبياً في العراق في جميع المجالات الأمنية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، وهذا الدور متصاعد. وتأثير إيران اليوم أصبح يضاهي إن لم يفق الدور الأمريكي في العراق، فهي تمارس اليوم دوراً خطيراً في العراق، بل إنها تحتل جزءاً من العراق على الحدود العراقية ـ الإيرانية، وهي منطقة الفكة، التي لا تزال قواتها فيها، وهي منطقة عراقية داخل الحدود الدولية العراقية".. وفضح العمليّة السياسية وفضح فسادها وكشف خبثها وخداعها وزيفها.. وقد كان مشروع المقاومة الجهادية للاحتلالين (الأمريكي ـ الإيراني) ومشاريعهما ودعمه بكل ما يعينه على استمرار زخمه ودعمه سياسيّاً وإعلاميّاً من مرتكزات المواجهة التي قادها الشيخ المجدد رحمه الله.. لقد عاش شيخنا الضاري رحمه الله، الإسلام قضية ومنهج حياة، وعاش العراق بكل أنفاسه ولحظات حياته وعاش كل جراحاته، ووهب الإسلام روحه ومهجة حياته وكل أنفاسه.


يبقى الشيخ الدكتور حارث الضاري رحمه الله، ضمانة وطنية عراقية وإسلامية كبيرة وأكيدة بما أسسه من منهجية عمل وما يحمل من رؤية راسخة وتأصيل لمواجهة أضخم المؤامرات التي تواجهها أمتنا الإسلامية ويتحمّل عبئها وتبعاتها وتكاليفها الشعب العراقي.. هو راية خفّاقة من رايات المواجهة وقد انبرى للمواجهة وتحمّلَ أعباء وتبعات وتكاليف الموقف في أحلك الظروف وفي أشدّ المحن التي تكتنف حياة أمتنا وتبغي استئصالها من وجودها وحرمانها من حقها في الحياة.. وهو الرمز الجهادي المقاوم سليل بيت الجهاد والمجد والعنفوان من سلالة الشيخ المجاهد ضاري المحمود.


 


لـمْ يغب شخص الشيخ الضاري عن المواجهة التاريخية؛ فهو إنْ غاب عنها جدثاً فلم يغب عن أجيال أمتنا صورته ورؤيته وحاله وعلمه وتشخيصه ودروسه ومواعظه ووصاياه وتنظيره وتوجيهاته وكلماته الحاضرة أمام كل مسلم غيور على الأمة الإسلامية وعلى عراق الرشيد بوحدته وكرامة شعبه واستقلاله وخلاصه من تسلّط وبطش حكومات الاحتلال.


ومرحلة التجديد في مجدّدية الشيخ الإمام المجدد حارث الضاري حالة تجديد متواصلة في الأمة؛ بما استودع من راية المواجهة والتجديد بأيدي من يحمل الأمانة عنه بكل صدق وأمانة وثبات على المنهج، ويحمل الراية عنه الشيخ المجاهد الدكتور مثنى الضاري، أمين عام هيئة علماء المسلمين ومعه ثُـلّـة الإيمان والثبات، وهو يرث الثبات والعلم والحكمة والرؤية، ومعه القُوى المناهضة للاحتلال وأخوته في الهيئة وهم يحثّون الخطى على النهج ثابتين وللواء الحق رافعين ولأعداء الله مجاهدين، ينفون تحريف الغالين وانتحال المبطلين.


خاص ب   الهيئة نت    


 


أضف تعليق