هيئة علماء المسلمين في العراق

بمواقفه المبدئية الشجاعة .. الشيخ الراحل حارث الضاري صدح بالحق وأخرس الباطلين
بمواقفه المبدئية الشجاعة .. الشيخ الراحل حارث الضاري صدح بالحق وأخرس الباطلين بمواقفه المبدئية الشجاعة .. الشيخ الراحل حارث الضاري صدح بالحق وأخرس الباطلين

بمواقفه المبدئية الشجاعة .. الشيخ الراحل حارث الضاري صدح بالحق وأخرس الباطلين

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا، ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذّب المنافقين ان شاء أو يتوب عليهم ان الله كان غفورا رحيما))


ولعلنا نبدأ من بيت شعري أثير لدى الشيخ رحمه الله فقد وجد مكتوبا في قصاصة ورق فاصلة بين كتاب كان يقرؤه وهو من قصيدة لشاعر العراق (عبد الرزاق عبد الواحد) يقول فيه:تُثقِلُ الناسُ ما استطاعتْ، وتمضي***حين تمضي خفيفةَ الأحمالِ! وهو تعبير عن الزهد في الدنيا لكن المفارقة أن القصيدة نفسها حملت بيتا آخر يقول:كلُّ شيءٍ يمضي سريعاً وتبقى   للأحاديث ذكرياتُ الرجالِ.. وها نحن نستذكر مواقف الرجال.


بكل ألم وحزن في حدود ما شرعه الله سبحانه، يستذكر العراقيون الاحرار وابناء الأمتين العربية والاسلامية يوم غد السبت رحيل الثائر المجاهد الشيخ الدكتور (حارث سليمان الضاري) الامين العام السابق لهيئة علماء المسلمين الذي وافاه الاجل في مدينة اسطنبول التركية صبيحة الثاني عشر من آذار عام 2015 عن عمر ناهز الـ(74) عاما اثر مرض عضال لم يمهله طويلا.


ففي مثل هذا اليوم من العام الماضي شاءت إرادة الله تعالى أن يترجل هذا الفارس المغوار الذي امتشق سيف الشرف والتضحية دفاعا عن العراق الجريح وشعبه المظلوم، فمنذ الأيام الأولى للاحتلال الغاشم الذي قادته الإدارة الامريكية، لم يعرف الشيخ (الضاري) رحمه الله، المهادنة او المساومة او التراجع عن المباديء التي آمن بها متحديا كل التهديدات والمؤامرات والدسائس الخبيثة التي كانت تحيكاها حكومات الاحتلال المتعاقبة بهدف النيل من هذا الجبل الشامخ الذي لم ينحن الا لله العلي القدير.


وخلال توليه الأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين ـ التي أسسها الشيخ (الضاري) عقب الغزو الأمريكي البغيض عام 2003 ـ اضحت الهيئة من أبرز وأهم القوى المناهضة للاحتلال المقيت وعمليته السياسية التي شكلها (بول بريمر) سيء الصيت على أسس المحاصصة الطائفية، كما عارضت الهيئة ما يسمى مشاريع الأقاليم التي ترمي الى تقسيم العراق الى دويلات على أسس طائفية وعرقية مقيتة.


وفي كلمته التاريخية التي القاها خلال مؤتمر الوفاق الذي عقد في القاهرة منتصف تشرين الثاني عام 2005، أكد الشيخ (حارث الضاري) ان الوصف القانوني والفعلي لما اقترفته الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها ضد العراق في التاسع عشر من آذار عام 2003 كان احتلالا لدولة مستقلة وذات سيادة وعضو أصيل في الأمم المتحدة.


وقال: "مع وجود الاحتلال، من الطبيعي أن تقوم بوجهه مقاومة، وان يكون لها حظوة عند ابناء الشعب، من ساسة ومفكرين وفئات شبابية ووجهاء وزعماء قبائل ورجال أعمال وغيرهم، وكلما ازداد ظلم الاحتلال زاد التأييد والدعم لهذه المقاومة".. موضحا إنَّ العراقيين يحسّون بجُرح أليم في الكرامة، فبعد فضائح أبي غريب، واستهداف المصحف الشريف، واقتحام المساجد، وملحمة الفلوجة والنجف، واعتقال النساء، وغيرها من الجرائم الوحشية، لم يعد أمامهم سوى سبيل واحد هو مقاومة قوات الاحتلال واخراجها من بلدهم.


ولفت الفقيد الراحل، انتباه المشاركين في المؤتمر الى ان تجاهل وجود المقاومة العراقية المشروعة لا يعدو أن يكون مكابرة من شأنها تعقيد الأمور، والحيلولة دون حل المشكلة .. مشيرا الى ان البعض حاول خلط الأوراق، والنظر إلى كل الأعمال المسلحة التي تجري على الساحة العراقية بأنها ضرب من الإرهاب، وانه من صنيع المتسللين عبر الحدود!!!.


ودعا الشيخ (الضاري) في نيسان عام 2012، الشعب العراقي إلى القيام بثورة شعبية سلمية ضد حكومة (نوري المالكي) الذي وصفه بالاستبدادي والمغرور، واتهمه بالسعي إلى إنشاء دولة الحزب الواحد والشخص الواحد والمذهب الواحد .. مشيرا إلى استشراء آفة الفساد المالي والاداري وارتفاع نسبة البطالة في صفوف العراقيين وتدني مستوى معيشتهم، واكتظاظ السجون الحكومية بالمعتقلين الابرياء، إضافة إلى الاعتقالات العشوائية والإعدامات والتهجير القسري التي تنفذها الاجهزة الحكومية والميليشيات الطائفية، كما حذر من عواقب استمرار الهيمنة الأمريكية والإيرانية على العراق.


ولم يعرف الشيخ (حارث الضاري) المهادنه والمساومة والتلون فكان شوكة في عيون اعداء العراق ولا سيما الفرس المجوس ومن ناصرهم وسهل لهم تنفيذ مخططاتهم وتدخلاتهم السافرة في شؤون العراق الداخلية، فقد وجه رحمه الله صفعة قوية الى الايراني (محمد علي تسخيري) خلال لقاء معه بقوله: "انتم اسهمت في اذكاء الفتنة الطائفية في العراق باساليب شتى، وكان لمخابراتكم ضلع كبير جدا فيها، وان المخابرات الايرانية هي التي فجرت مرقدي العسكريين في سامراء، وهناك معلومات اكيدة ومسجلة رسميا في تحقيقات حكومتكم نفسها"، ما اضطر (التسخيري) الى التزام الصمت ازاء قول الحق الذي صدح به (الضاري) رحمه الله تعالى.


وكان الشيخ الراحل طيلة السنوات التي تلت الاحتلال السافر يواصل عقد الندوات ويشارك في المؤتمرات السياسية والحوارات الصحفية التي استنهض فيها همم العراقيين الشرفاء لمقاومة المحتلين الغزاة وفضح مشاريعهم الاستعمارية التي تهدف الى الهيمنة على مقدرات الشعب العراقي ونهب ثرواته ولا سيما النفطية منها.


ويشهد للشيخ المجاهد (حارث الضاري)، كبار العلماء بانه كان في مقدمة الذين أحسنوا فهم الإسلام، فرفض الطائفية البغيضة والمذهبية المتعصبة، وكان من اوائل الدعاة إلى استعادة الحقوق واشاعة الخير والصلاح والذود عن الحمى، ومقاومة الذين يحاولون تحريف الدين والبعد عن حقيقة القرآن والسُنة، وكل الدعوات التي تنأى بالأمة عن المنهج الرباني.


ولم ينشغل الشيخ الدكتور (حارث الضاري) بالشأن العراقي فحسب، بل اهتم بما يواجهه العرب والمسلمون من مشكلات وازمات، وكانت له إسهاماته المشرّفة ازاء قضايا الأمة العربية وعلى رأسها القضية لفلسطينية والازمات التي ما زالت تعيشها سوريا وليبيا واليمن وغيرها، كما كانت له بصمات واضحة ازاء جميع القضايا العادلة التي تخوضها الشعوب من أجل نيل حريتها واستعادة حقوقها المشروعة.


كما ان الشيخ (حارث الضاري) لم يترك منبراً عربياً أو عالمياً إلا وكان صوته يصدح بالحق مبشراً بنصر العراقيين الحتمي على اعدائهم، ومُنذراً الذين اختاروا طريق موالاة الاحتلال الغاشم وعملائه الاذلاء والسكوت على الباطل، وكان خطاب هيئة علماء المسلمين وما زال خطابا مبدئيا قائما على ضرورة إنهاء الاحتلال البغيض وإبعاد كل الذين جاءوا معه ونصّبوا انفسهم مسؤولون في حكوماته المتعاقبة، تمهيداً لتسليم الأمور الى الشعب العراقي الذي يحق له وحده اختيار من يريد، وبذلك اختار الشيخ الجليل طريق المقاومة بعد أن استحضر كل صور الجهاد ومقارعة المحتلين الغزاة في التاريخ العربي والإسلامي.


يشار الى ان الشيخ (حارث الضاري) ـ الذي ولد عام 1941 ـ كان قد بدأ تعليمه في مدرسة لتحفيظ القرآن، ثم التحق بالمدرسة الدينية التي حصل فيها على الشهادة الثانوية، وفي عام 1963 التحق بجامعة الازهر في مصر، وحصل على شهادة الليسانس العالية بكلية أصول الدين والحديث والتفسير، ثم دخل الدراسات العليا وحصل على شهادة الماجستير في التفسير عام 1969، وبعدها سجل في شعبة الحديث فأخذ منها عام 1971 شهادة الماجستير، وفي عام 1978 حصل على شهادة الدكتوراه في علم الحديث.


 وبعد عودته إلى العراق عمل المغفور له، مفتشا في وزارة الأوقاف قبل ان ينتقل الى جامعة  بغداد ليشغل وظيفة مُعيد فيها ثم مدرس، فأستاذ مساعد، فأستاذ، حيث قضى في التعليم الجامعي أكثر من (32) عاماً، كما عمل في عدة جامعات عربية، بينها جامعة (اليرموك) الاردنية، وجامعة (عجمان) الاماراتية، وكلية الدراسات الاسلامية والعربية، وبعد الاحتلال الغاشم عاد الشيخ (الضاري) الى العراق في الاول من تموز عام 2003.


سيبقى العراقيون والعرب والمسلمون في مشارق الارض ومغاربها يذكرون بفخر واعتزاز مواقف الشيخ (حارث الضاري) الوطنية التي سيكتبها التاريخ بمدادٍ من نور، لا سيما انها تمثل عنفوان وشموخ رجل لا يعرف الانحناء أو الوهن، لان ما تركه الفقيد الراحل من إرث وطني كفيل بأن يكون حافزا لكل القوى الوطنية من اجل توحيد صفوفها عبر مشروع جامع يفضي إلى إخراج العراق الجريح من محنته ليعود موحدا وسندا لأمته ومشروعها المناهض لكل اشكال التبعية والهيمنة، حيث كان الشيخ (الضاري) مدرسة نادرة في الوطنية وحب الشعب والكفاح من أجل حريته وكرامته وسيادته، ومن هنا فإن رحيل المرحوم (حارث الضاري) الذي يفخر به جميع الشرفاء والمضحين من أجل أوطانهم، يُعد خسارة كبرى للعراق والأمتين العربية و الإسلامية.


   الهيئة نت    


ح


أضف تعليق