هذا القبس من كتاب الله ورد في سياق الحديث عن المنافقين، والتَّحذير منهم، ومن سعيهم الحثيث للتَّفريق بين المؤمنين، وإيقاع الفتنة بينهم،
فقال - سبحانه -: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أي فيكم أيُّها المؤمنون من يسمع لهم ويتأثّر بما يثيرونه من شكوك، ويبثّونه من شبهات وإشاعات للطعن في بعض المؤمنين، وتفريق الصفّ المسلم، وليس المعنى كما ذكر بعض المفسّرين: وفيكم جواسيس لهم، لأنّ هؤلاء المنافقين أصلاً هم بمثابة الجواسيس في المجتمع المسلم، والطابور الخامس للأعداء..
ولأنّهم جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع المسلم ظاهراً، واختلاطهم بالمؤمنين كثير، وكلامهم كثير، فلا غرو أن يغترّ بهم بعض المؤمنين من أصحاب القلوب الطاهرة، والأنفس البريئة، ويصغون إلى أكاذيبهم وشبهاتهم، فتحدث الفتنة في المجتمع المسلم، لاسيّما وأنّ أولئك المنافقين لا يقولون الباطل واضحاً مجرّداً، وإنّما يغلّفونه بشيء من الحقّ، لتتقبله النفوس وتستسيغه، ولهذا قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : " إنّ أخوف ما أخاف على أمّتي كلّ منافق عليم اللسان "(1).
ولقد كان من نتائج الاستماع إلى المنافقين، ما حصل في حادثة الإفك من اتّهام أمّنا - رضي الله عنها - ـ بالسوء، فإنّ الذي تولّى كبر هذه الفتنة: رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول، حيث كان يشيع ذلك في الخفاء، فسمع ذلك بعض المؤمنين الأخيار فأعلنوه وأشاعوه دون تثبُّت!! حتى نزلت براءة أمّ المؤمنين - رضي الله عنها - من فوق سبع سماوات، وكان أن جُلد أولئك المتكلّمون من المؤمنين الأخيار ـ وهم ثلاثة ـ حدّ القذف، ونجا منها رأس الفتنة، فلم يُجلد، قيل: لأنّ إقامة الحدّ كفّارة وطهارة، والحدّ لا يطهره لنفاقه الأكبر.وقيل: خشي رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الفتنة بإقامة الحدّ عليه لحميّة قومه له.
وقيل: لأنّه كان يشيع ذلك في الخفاء فلم يثبت عليه شيء، وهذا هو الصَّحيح، فالمنافقون كالخفافيش، لا يعملون إلاَّ في الخفاء، ويجعلون من بعض المؤمنين الطَّيِّبين الأغرار كبش فداء لكيدهم ومكرهم، وإذا كان الوحي قد برّأ أمّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها وأرضاها ـ بقرآن يُتلى إلى يوم القيامة، فمن يُبريء المؤمنين الصادقين من تهُم المنافقين الحاقدين بعد انقطاع الوحي؟، وهل يعي المؤمنون الطَّيبون خطر أولئك المنافقين المُتربّصين، ويحذروا أن يكونوا كبش فداء لنزواتِهِم وشهواتِهم: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: 4]؟!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبدالعزيز
