جريدة السبيل الأردنية تحاور المفكر والكاتب الكبير فهمي هويدي:
(( الشرق الأوسط الكبير وعاء للاحتواء يراد به اعادة رسم المنطقة كلها من الجزائر الى حدود اندونيسيا ))
وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس عادت مجددا للحديث عن الشرق الاوسط الكبير بعدما غاب هذا العنوان لفترة تسبق احتلال العراق بسنة تقريبا، وانتهزت العدوان الاسرائيلي على لبنان لاعلان عن هذا المشروع.
ما هي حقيقة هذا المشروع وما الفارق اوالفوارق بينه ومشروع الشرق الاوسط الجديد الذي اعلنه بيريس عام 1994، وما هو موقف القوى الدولية كالاتحاد الاوروبي وروسيا والصين منه، محاور مهمة وأخرى أكثر أهمية، تناولناها نحن في «السبيل» مع المفكر والكاتب الكبير الاستاذ فهمي هويدي.
السبيل: ما هي حقيقة الشرق الاوسط الكبير الذي نادت به الولايات المتحدة، وهل هو أحجية أم لغز ام ماذا؟
- هو ليس لغزاً او احجية، ولكنه حيلة سياسة لتغطية مآرب شريرة تستهدف تحقيق الاحتواء وبلوغ المقاصد الامريكية، وهو وعاء للاحتواء يراد به اعادة رسم المنطقة كلها من الجزائر الى حدود اندونيسيا، يعني ذلك العالم الاسلامي كله، وهي فكرة نابعة من غرور القوة الشديد، وانه بامكانهم وبوسعهم ان يشكلوا الاخرين على اي نحو، وانه من الممكن ان تستيقظ صباحاً وتجد لنفسك اسماً مختلفاً لأن الامريكيين ارادوا هذا.
أما الشرق الأوسط الجديد (مختلف عن الكبير) باختصار هو شرق اوسط بلا مقاومة.
السبيل: هذا يشبه طرح شمعون بيريز عام 1994؟
نعم. يشبه طرح شمعون بيريز الى حد ما، حيث طرحها في وعاء اقتصادي، لكن في كل الاحوال يصب ذلك في نفس المجرى. واسمح لي أذكر بالكلام الذي قيل عن اوروبا القديمة واوروبا الجديدة قبل ثلاث سنوات، ابان الاعداد الامريكي لغزو العراق لنرى مدى جدية فكرة الشرق الأوسط الكبير الذي تعرضه الولايات المتحدة الأمريكية.
حين رفضت كل من المانيا وفرنسا غزو العراق شنت الولايات المتحدة عليهما حملة عنيفة لاقصاء كل منهما عن الساحة الدولية، وقال رامسفيلد ان هذه اوروبا القديمة التي شاخت اصبحت فاقدة للعافية ولم يعد يعول عليها كثيراً، ولكن الموقعين على غزو العراق من الدول الثمانية الجديدة الاوروبية كرومانيا وغيرها هي البلاد المليئة بالشباب والحيوية وما الى آخره.
هذا النموذج اذا استحضرناه الآن، يبين لنا ان الفكرة كانت سخيفة ولم تستحضر الا لفترة زمنية محدودة ولتبرير حالة سياسية معينة، حيث تتحرك الولايات المتحدة الآن مع اوروبا التي لفظتها وشوهتها عام 2003 في أكثر من ملف، ومنها الملف النووي الايراني الذي تتبناه فرنسا وتلعب معها امريكا.
السبيل: هل يعني ذلك انها فكرة طائشة؟
- نعم طائشة، لكي تسوغ وضعاً سياسياً معيناً، أمريكا تريد الآن حاجتين اقصاء سوريا وايران اولاً، والغاء المقاومة ثانياً.
السبيل: يعني فعليا... لا يوجد مشروع شرق اوسط كبير او جديد وانما المقصود مرتبط بهاتين الحاجتين؟
- هي ألبسة مزركشة للتغطية على قبح المشروع والرؤية السياسية، وهو يطلق شعار ليمرر خطة تاريخية معينة ويسثمرها لصالح الايحاء بأنه حقق انتصاراً لكي يعوض فشله الذريع في العراق، ونحن امام تجربة اختبار فيها تكرار لكلام قديم وجه لباريس وبرلين مسبقا.
السبيل: هل من المعقول ان يصل المحافظون الجدد الى هذه المرحلة من الهيستيريا؟
- اولاً هم في افلاس وفي فشل وفي هستيريا واذا رأيت الآن ما يحدث في افغانستان والعراق وفلسطين وايران تدرك ذلك.
السبيل: هل من المعقول أن يصل تفكير الولايات المتحدة الى المستوى الذي تعتقد فيه بأنها تستطيع أن تلغي المقاومة، بين ليلة وضحاها؟
- اسمح لي ان اقول ان الرؤية الامريكية للمنطقة تراها بعين اسرائيلية، ويجب ان يكون واضحاً، واذا ادركنا هذه الحقيقة ندرك لماذا تفكر امريكا بهذه الطريقة، وانا قلت في اكثر من مناسبة ان الغاء المقاومة يعني الغاء الشعوب، وهذا ببساطة واكرر ان غرور القوة يعمي بصيرة الناس.
السبيل: الاتحاد الاوروبي، ما هو موقفه؟
- الحقيقة انه للأسف الشديد اوروبا لا تقف امام الضغوط الامريكية الا حين يتعلق الامر بمصالحها، وهناك حقيقتان، الحقيقة الاولى ان هزيمة الانظمة العربية جعلت اوروبا في موقع لن تكون فيه عربية اكثر من العرب انفسهم، والحقيقة الثانية المهمة هي اننا اصبحنا بلا اصدقاء.
السبيل: لكن استراتيجياً ما يجري الآن يؤثر مباشرة في المصالح الاوروبية؟
- اذا كان سيؤثر في اوروبا، اوروبا ستتدخل، ولكن اتساءل اين اوروبا واين الصين واين روسيا، ونحن سلمنا كما قال السادات 99% من اوراقنا لامريكا.
السبيل: اذا لم تتحرك الآن متى ستتحرك، الا يوجد مساس جوهري بالمصالح الاوروبية؟
- لا، دعني اقول أن اوروبا خرجت من المنطقة وعادت اليها مؤخراً، ونحن نقول ان الفراغ الذي حصل في المنطقة بسبب الانظمة العربية، وانا اريد ان اقول حاجتين: اننا لا نستطيع ان نطالب الاوروبيين بالدفاع عنا اكثر من دفاعنا عن انفسنا، وثانياً ان الآخرين سيتحركون حين تمس مصالحهم وليس نصرة لنا بالتأكيد.
السبيل: الا تعتقد ان الفشل الامريكي الحالي والتهديد الذي تمثله على مصالح القوى العالمية سيفتح الباب لتدخل القوى الدولية الاخرى كالصين وروسيا في المنطقة؟
- دعني اقول ان القوى الدولية دخلت المنطقة منذ بداية التسعينيات، اي منذ حرب الخليج الثانية والعالم العربي دخل تحت التهديد الامريكي منذ بداية التسعينيات.
السبيل: ولكن انت تلاحظ استاذ فهمي ان هناك فشل في الادارة السياسية للنظم العربية، مقابل ذلك هناك قوى مقاومة صاعدة، ومع انها صغيرة الا انها بدأت تصنع قراراً في المنطقة، من وجهة نظرك ما هو مستقبلها؟
الذي حصل حاجتان او ثلاث حاجات، اولاً اشهار افلاس الانظمة العربية ووقوفها في مربع الموالاة، والحاجة الثانية ان المقاومة تستعيد دوراً كان غائباً وترفع معنويات كانت قد تدهورت والشيء الثالث الفجوة الشديدة من الانظمة والشعوب.
السبيل: اذا قد نشهد في المستقبل تعاوناً مباشراً بين هذه الانظمة والقوى الدولية غير الراضية عن المقاومة؟
- دعني اقل أن الانظمة القمعية العربية ستستخدم في الضغط على المقاومة لتطويعها، فهناك انظمة مخترقة ومنتفعون مخترقون وعلماء مخترقون يتكلمون على الرافضة وغيرهم. ولكن المراهنة على هذا الدور لهذه الانظمة ليست اكيد بعد فشلها وانكشافها.
السبيل: اذا هناك مخاض عسير ستمر به المنطقة خلال الفترة القادمة؟
- طبعاً.. طبعاً.. اريد ان اضيف شيئاً، تلاحظ ان هذه المقاومة ليست فقط وطنية ولكنها اسلامية، وهذا يثير مخاوف بعض الانظمة. ولهذا الكلام الذي قاله وزير الداخلية الاسرائيلي في الاسبوع الماضي بأن بعض الانظمة العربية اعتبرت ان معركة «إسرائيل» ضد ما يسمى بالتطرف والارهاب هي معركة الانظمة ذاتها وانهم يخوضون معركة واحدة.
السبيل: وما هو مصير نظرية الفوضى الخلاقة؟
- كل هذا تم تجاوز، وكله كلام، (ما فيش) ديمقراطية ولا (حاجة)، وهذا يدل على انه لا يوجد استراتيجية طويلة المدى، وانما هناك مسكنات تطلق بين الحين والآخر لاختيار المواقف ثم يتم تجاوزها لطرح افكار جديدة تناسب المقام الجديد.
السبيل: ما هو المطلوب من المقاومة والقوى الحية في العالم العربية؟
- المطلوب هو ان تبقى ثابتة على اهدافها واصولها، اما القوى الحية فالمطلوب منها هو ان تعزز موقف التضامن مع المقاومة والوقوف الى جانبها، ثم اعلان مواقف واضحة من محاولات اثارة النعرات الطائفية بحجج سخيفة وفتاوى غبية.
السبيل الأردنية
فهمي هويدي: الشرق الأوسط الكبير وعاء لإعادة رسم المنطقة كلها من الجزائر إلى أندونيسيا
