شدد الأمين العالم لهيئة علماء المسلمين فضيلة الدكتور مثنى حارث الضاري؛ على أن العراق بحاجة ماسة للإسراع في تحقيق عمل جامع مشترك مؤطر، يجمع القوى الحية ويوحد جهودها ويبرز عملها ونشاطها.
وأوضح الأمين العام في حوار أجرته معه جريدة الراية القطرية؛ أن الهيئة تؤمن بأن هناك خيارًا حقيقيًا يمكن أن يُنقذ العراق مما فيه، يتمثل بمشروع من الممكن أن يُكتب له النجاح ويكون أداة لإنقاذ العراقيين مما هم فيه، مشيرًا إلى أن نقطة الانطلاق لهذا المشروع تكون في الالتزام بوثيقة أو ورقة أساسية تتضمن عدة بنود من أهمها؛ هوية العراق ووحدته، والعملية السياسية والدستور، ودين الدولة والسلطات، والقضية الكردية، والقوات المسلحة، فضلاً عن ثروات العراق، والمرأة.
وتناول اللقاء الذي أجراه الصفحي أسعد العزوني، العديد من المفات المتعلقة بالمشهد العراقي، وفي مقدمتها الميليشيات وجرائم التصفية الطائفية التي تمارسها، إلى جانب الجيش الحكومي القائم بالأساس على نظام ميليشياوي وإقصائي، والعملية السياسية والأحزاب المشاركة فيها والدور الذي بعبته في تفاقم أزمة العراق ودخولها في النفق المظلم.
وفيما يأتي النص الكامل للحوار:
الراية: عقدتم في الفترة الأخيرة المؤتمر العام الثاني في العاصمة الأردنية عمّان؛ ما دلالات مثل هذه الخطوة وما النتائج التي خرج بها المؤتمر؟وما هي دلالات انعقاد المؤتمر في هذا الوقت؟
_الأمين العام: عقدت هيئة علماء المسلمين مؤتمرها العام الأول في 2008 في دمشق، ولم تُتح لها الفرصة طيلة السنوات الماضية في عقد مؤتمرها الثاني بسبب الصعوبات المعروفة، والحمد لله نجحت أخيرًا في عقده في العاصمة الأردنيّة عمّان، وحضره ما يقرب من ثمانين من أعضاء مجلس الشورى في الهيئة من داخل العراق وخارجه، وكان عقده في هذه المرحلة ضروريًا جدًا؛ نظرًا للتوسعة في مجلس الشورى، وللنظر في نشاطات الأقسام والفروع والمكاتب طيلة المرحلة الماضية. هذا من الجانب الإداري، أما من الجوانب الأخرى؛ فإن عقد مؤتمر عام للهيئة في ظل الظروف المأساوية التي يمر فيها العراق وما يتعرض له أهله من معاناة طال أمدها؛ أردنا منه إيصال رسالة لجميع العراقيين وإخوتنا العرب والمسلمين، بأن الأمور في العراق ما زالت على ما كانت عليه منذ سنوات، وأنه لابد من الالتفات والانتباه إلى المأساة العراقية، وهذا الدور مناط بالهيئة والقوى الخيّرة والحيّة الوطنية والشخصيات المستقلة من العراقيين الناشطين في هذا الإطار، الذين دعوناهم في افتتاح المؤتمر في لقاء عام؛ لنوصل فيها هذه الرسائل للجميع، فشعبنا في العراق بحاجة إلى رسائل طمأنينة تبعث فيه الأمل بتغيير الواقع المؤلم الذي يعيشه، فضلاً عن ذلك فإن عقد المؤتمر في هذا التوقيت؛ له دلالة مهمة على وجود قوى حية ما زالت إلى الآن مؤمنة بخطها الثابت في مقاومة المشاريع التي أرساها الاحتلال ومناهضتها، وكان المؤتمر فرصة مهمة كذلك لإعلان انطلاق المرحلة الثانية من مشروع (العراق الجامع) الذي أعلنت الهيئة عنه في (15/8/2015).
الراية: طغى على الإعلام في الفترة الأخيرة ما يحدث في محافظة ديالى، وتحديدًا في المقدادية، فما حقيقة ما يحصل هناك؟
_الأمين العام: لكي تكون الصورة واضحة لما يجري الآن في ديالى عموما والمقدادية حصرا؛ ينبغي أن نتعرف على خلفية الأحداث هناك، فديالى هي محافظة عراقية مجاورة لإيران، ومركزها مدينة (بعقوبة) التي هي أقرب مراكز المحافظات إلى بغداد، وتشكل خاصرة العراق الرخوة في مقابل إيران، وهناك سعي متواصل من النظام الإيراني، فضلاً عن القوى والأحزاب التابعة له للهيمنة عليها، ومحاولة إحداث تغيير ديموغرافي عن طريق إجبار سكان مدنها الرئيسة على النزوح منها وتركها، أو إحلال غيرهم فيها.
وهذا المخطط ليس جديدًا فهو مستمر منذ سنوات، والسعي قائم من أجل فرضه أمرا واقعا في المحافظة، فالمشاهد السياسية والأمنية والمدنية في ديالى (ذات الأغلبية السنية)؛ تهيمن عليها الميليشيات الطائفية التابعة لأحزاب معروفة في العملية السياسية وجزء أساسي فيها، وما يجري في ديالى بشكل دقيق؛ هو هيمنة إحدى هذه الميليشيات المعروفة بـ(منظمة بدر)، التي يقودها هادي العامري، وهو كما معروف كان من حزب (المجلس الأعلى) أيام كانت تسمى (فيلق بدر)، ثم انضم إلى (حزب الدعوة) جناح المالكي أيام حكمه. ولهذه المنظمة تأريخ معروف في جرائم التصفية الطائفية التي اعقبت الاحتلال مباشرة، وكذلك مشاركتها قبل ذلك في المعارك مع الجانب الإيراني في أثناء الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الميلادي الماضي.
وتقوم هذه الميليشيا بأعمال التصفية والهيمنة والإبعاد والإحلال الطائفي في ديالى من سنوات، ولكن لا تُسلّط عليها الأضواء؛ لأسباب عديدة، على الرغم من الكثير من التقارير التي تتحدث عن هذا الموضوع، سواء كانت هذه التقارير صادرة عن الهيئة أو من جهات عراقية أخرى أو من جهات دولية. وشهدت ديالى في السنة الماضية - بعد الثورة الشعبية التي قامت بها المحافظات المنتفضة - عملية تصفية كبيرة لسكّانها، وتهجيرًا وتحريقًا للمزارع والبساتين وتجريفًا للأراضي، وهدمًا للبيوت، فهاجر كثير من أهلها ونزحوا إلى خارج العراق أو داخله في محافظات شمال البلاد. وطيلة الأشهر الثلاثة الماضية؛ كان هناك حديث من بعض الأطراف عن بدء عودة هؤلاء المواطنين إلى بعض مدنهم بعد انتهاء الأعمال القتالية فيها، وهو أمر لم يتحقق بالصورة الوردية الموعودة لأهالي المحافظة؛ حيث وضعت عوائق كثيرة دون ذلك، ومع ذلك أصروا على العودة لإنهاء معاناة النزوح؛ فجرى ما جرى الآن في المقدادية؛ في محاولة لمنع هؤلاء والحيلولة دون عودتهم. ويعود اختيار المقدادية في هذا التوقيت لسبب معلوم، وهو أن سُكّانها لم يخرج قسمهم الأكبر منها، فيراد اضطرارهم إلى ذلك بطريقة أو أخرى، فضلا عن أهمية المقدادية (شهربان)، فهي ثاني أكبر مدينة في ديالى، وتقع شمال شرق بعقوبة مركز المحافظة، وكان لها أثر كبير جدًا في مقاومة الاحتلال وتبعاته، وهي تشكل مفرق طرق وعصبة مهمة في تلك المنطقة.
هذه هي الخلفية التي جرّت إلى الأحداث الحالية في المدينة، عندما تم اتخاذ حادث تفجير في أحد المقاهي بالحي العصري من المدينة - وغالبيته من السُّنّة - ذريعة من الميليشيات؛ لتحقيق ما تقدم ذكره، فقامت بمهاجمة المساجد وإحراقها وتدمير بعضها وقتل عشرات من أهالي المدينة من الشباب تحديدًا، من خلال عمليات اختطاف منظم وتغييب.
ولم تقم الحكومة في بغداد بأي أمر ذي بال في هذا الصدد؛ لأن هذه الميليشيات هي أساسًا مرتبطة بالنظام السياسي القائم في العراق، والحكومة تعلم تمامًا أنها لا تقوى على الوقوف بوجه هذه الميليشيات، فضلاً عن ذلك؛ لا توجد رغبة حقيقية للوقوف بوجهها؛ لأنها تحقق أهدافًا غير معلنة للنظام السياسي الطائفي المهيمن الآن في العراق، ولذلك حصلت عملية تواطؤ مكشوفة وظاهرة للعراقيين جميعًا، وانكشف للعيان أن الميليشيات المدعومة رسميًا والمعترف بها، التي تنشط في إطار ما يُسمّى بـ(الحشد الشعبي) المؤسس طائفيا بناء على (فتوى) من مرجعية النجف؛ هي من يقوم بذلك.
الراية: محافظة ديالى عادت منذ أكثر من سنة إلى سيطرة الحكومة في بغداد، بمعنى أنها خرجت عن سيطرة "تنظيم الدولة"؛ ولكن نلاحظ أنه إلى هذا الوقت ما تزال الميليشيات هي المسيطرة ولا يوجد دور للجيش، ولا يزال الكثير من النازحين لم يعودوا إلى محافظتهم، فما سبب ذلك؟
_ الأمين العام: بالضبط؛ هذا هو الواقع الذي يُراد لديالى أن تكون عليه، هناك وسائل عديدة للحيلولة دون رجوع النازحين إلى ديالى، وهناك بعض السياسيين (السُّنّة) في العملية السياسية يُطالبون ويُناشدون ويستنكرون؛ بأن هذه الأمور تحول دون عودة النازحين، ولكن إلى الآن لم يرجع إلا القليل، ومن عاد منهم لم يجد شيئًا على الأرض، والذي يتجول في الطريق الرابط بين مدينة بعقوبة صعودًا إلى مدينة كركوك يجد بأن كثيرا من المناطق في المحافظة على جانبي الطريق قد هُدمت بالكامل أو بشكل شبه كامل، وأحرقت البساتين والمزارع؛ للحيلولة دون عودة السكان إلى مناطقهم، أو اضطرارهم إلى العمل لمدد زمنية طويلة جدًا من أجل إعادة تأهيل هذه المناطق والسكنى فيها، في سياق عمليات إفقار وإنهاك واستنزاف مبرمج للموارد البشرية والمالية لأهالي هذه المحافظة وغيرها من المحافظات المقصودة بهذا المخطط. فديالى منطقة هيمنة ونفوذ إيرانية يُراد لها أن تكون أنموذجًا لمحافظات أخرى، وما حصل في (جرف الصخر) جنوب بغداد كمرحلة أولى وبعض مناطق حزام بغداد وما يحصل في ديالى الآن؛ هو دليل واقعي ومادي وملموس على أن النظام الإيراني يسعى بكل قوّته للهيمنة على هذه المحافظات وعلى هذه المدن من أجل التغيير الديموغرافي لتحقيق مكاسب أخرى؛ سواء كانت سياسية أو أمنية أو ما إلى ذلك، فلا يُسمح ولن يُسمح بعودة هذه العائلات النازحة خارج العراق وداخله بالوتيرة الطبيعية - وهي عودة الجميع إلى مناطقهم-، وهذا يؤكد ما قلناه ويقوله غيرنا بأن الهدف معروف وأن هناك نوعًا من تبادل الأدوار بين السلطات الحاكمة وما يُسمّى بـ(الميليشيات المنفلتة) أو (المجموعات الخارجة عن نطاق القانون وسلطة الدولة) وما إلى ذلك؛ وهي العبارات التي راجت في هذه الأيام لتبرير ما قامت به ميليشيات (الحشد الشعبي) المعترف بها رسميًا والمدعومة حكوميًا بالمال والسلاح، والإعلام.
الراية: ما الذي أوصل الأمور إلى ما هي عليه الآن في ديالى؟
_الأمين العام: هذا السؤال جديد قديم؛ فالذي أوصلنا إلى هذه الحالة هو الغزو والاحتلال، فالاحتلالات لا تأتي بخير أبدًا على أي بلد أو أمّة تُحتل، ودائمًا تتبعها زوابع من التغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وجريمة الاحتلال الأمريكي للعراق؛ جريمة كبيرة جدًا، تم التنبيه من بدايتها على خطورتها، وكيف أنها ستجر المآسي تلو المآسي على العراق والمنطقة، فضلاً عن ذلك؛ فإن قيام العملية السياسية بعد الاحتلال على أساس طائفي وعرقي؛ أسهم في محاولات تمزيق النسيج الاجتماعي للعراق المستمرة حتى اللحظة بلا هوادة، وجر البلاد إلى الوقوع في مشاكل التصفية العرقية والتصفية المذهبية، وهذا ما حصل. فما يجري في العراق الآن هو نتيجة لتراكمات الاحتلال والعملية السياسية التي بُنيت على هذه الأسس، وفق وعي تام من بُناة هذه العملية؛ لغرض إشغال العراق وإخراجه من معادلة القوّة في المنطقة، وإشغال العراقيين بأنفسهم، ثم بعد ذلك انشغال المنطقة بما حصل.
وهذا ما يحصل الآن؛ حيث إن لما جرى في العراق تأثيرات كبيرة في ما يجري الآن في سورية واليمن وغيرها، وهو أيضًا في الوقت نفسه نتيجة لعدم حل هذا الموضوع منذ البداية، والتفات الجميع عن الانتباه إلى الخطر الكبير في احتلال العراق، وما تبع هذا الاحتلال من جرائم بحق الإنسان العراقي، فقد تُرك العراق لقدره، وتُرك العراقيون لقدرهم، فلم يتدخل أحد بالطريقة المناسبة لوقف ما جرى، وقد عانينا طويلاً منذ الاحتلال إلى الآن؛ في عرض قضيتنا وبيان مخاطر الاحتلال وما نتج عنه، واتصلنا بالكثير من الدول والمنظمات الرسمية وغير الرسمية، وعرضنا لهم كل ما جرى، ووجدنا تعاطفًا كبيرًا جدًا، وأكاد أجزم أن الغالبية العظمى متعاطفة مع قضيتنا، ولكنهم بين متعاطف غير مسؤول لا يستطيع أن يفعل شيئًا، أو متعاطف مسؤول ولكنه أيضًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا؛ لأن هناك إرادة أكبر وأقوى منه تمنعه من ذلك، فكثيرون كانوا يصمتون عن العراق؛ لأن الخصم في العراق هي الولايات المتحدة الأمريكية، فلذلك كان هناك سيف مسلط من الخوف والرعب على الجميع. وأنا أقدّر كل المشاعر وأشكر أصحابها، ولكننا في الهيئة لنا تجارب طويلة ومرة في هذا الموضوع؛ حيث لم نترك بلدًا عربيًا _نستطيع زيارته_ إلا وزرناه وعرضنا قضيتنا، ولم نترك بلدًا مهما _نستطيع زيارته_ إلا وزرناه وعرضنا قضيتنا، وشاركنا في مؤتمرات واجتماعات وندوات ونقاشات وغيرها، ولكن _بالملخص_ كان يقال لنا: (لا حل لكم إلا بدخول العملية السياسية)، أو اقبلوها كما هي، أو هي معيبة وقاصرة، ولكن هذا هو الموجود، إلخ. على الرغم من معرفة من يقول لنا ذلك بأن هذه العملية السياسية؛ بُنيت أساسًا من أجل إقصائنا ومن أجل القضاء علينا ومن أجل استهدافنا، ومن أجل تشكيل (عراق جديد) له من الاسم فقط (العراق)، وأمّا هويته وصفته وحالته؛ فمنقطعة أو ستنقطع تمامًا عن الأمّة، فكيف ينبغي لنا أن ندخل في إطار عملية سياسية تستهدفنا أساسًا ويستفيد منها الاحتلال أولاً ثم من ساعده وسهل له الأمر؛ وأعني به (النظام الإيراني) المستفيد الرئيس الآن من كل ما يجري في العراق: سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
وإذا ما نصحنا بعضهم بصدق؛ فلسان منطقه ولسان حاله يقولان: (ينبغي عليكم الاجتماع، فأنتم متفرقون) كعراقيين، أو إذا أراد أن يخصص، قال: (السنة). وأنا أقول؛ ليت شعري هل هناك بلد من بلاد المسلمين يجتمع أهله اليوم على أمر ما؟! أم هو لسان العجز عن تقديم شيء ينطق بهذه الشبهة التي انطلت للأسف على كثير من المخلصين بدون تمحيص.
الراية: هناك ما يقرب من خمسين فصيل ميليشياوي ينشر الرعب والموت في العراق عموما وديالى تحديدا، فما الموقف منها؟
_ الأمين العام: هذه الميليشيات هي فصائل طائفية تتبع أحزابًا سياسية مُشاركة في العملية السياسية منذ بدء الاحتلال وحتى الآن، وهي كانت نواة الجيش الحكومي المشكل بعد حل الجيش العراقي، وتحاول السلطات الحاكمة في بغداد والأدوات التابعة لها التفرقة بين الجيش الحكومي والميليشيات، على الرغم من أن الجيش الحكومي الحالي مؤسس في الأصل من ست ميليشيات من الأحزاب التي شاركت في احتلال العراق، فهو جيش قائم على أساس ميليشياوي طائفي وإقصائي منذ البداية. وتجري هذ المحاولات لتفادي الفشل الذريع الذي مني به هذا الجيش، وعدم قدرته على القيام وحده بالمهام التي يريدونها، وأن الفسادين المالي والإداري ينخرانه بشكل كامل، في إطار منظومة الفساد السياسي والإداري والمالي الكبير في العراق؛ فأنشأوا ما يُسمّى بـ(الحشد الشعبي) بناءً على فتوى المرجعية، فبدأت كل الأحزاب؛ بل وحتى المنظمات المتفرعة عن هذه الأحزاب في التسابق لتشكيل ميليشيات وإعطائها أسماء أخرى.
وتتصف هذه الميليشيات جميعًا بأنها ذات بُعد طائفي، تستهدف العراقيين الآخرين بدوافع تكفيرية إرهابية، ولكنها أخذت الإطار الرسمي أو الشرعية الرسمية من الحكومة بشكل مباشر، وتتمتع برعاية وقيادة شخصيات معروفة في المنظومة السياسية الحاكمة في العراق المرعية دوليا حتى الآن، وهذا ما يفسر إطلاق أيدي هذه الميليشيات في العراق.
الراية: تكلمنا عن الميليشيات الطائفية المنتشرة التي يفوق عددها الخمسين، فما هو الموقف الصحيح لمواجهة مثل هذا الخطر؟
_الأمين العام: الموقف معروف، وهو التصدي لهذه الميليشيات ووقف جرائمها، استصحابا للموقف من الاحتلال وآثاره، فهذه الميليشيات من آثار الاحتلال، وقد كان هذا الأمر قائمًا إلى سنوات قريبة، ولكن جرت مؤامرة كبيرة في العراق لتصفية الوجود المقاوم، ووضعه في خانة الإرهاب، ويمكن كذلك رفع الغطاء الشرعي الذي أضفي على هذه الميليشيات، التي توصف بأنها ساندة للحكومة والجيش، وتجريمها بصفتها منظمات إرهابية تستهدف الإنسان العراقي، لا تكريمها وحمايتها وجمع التبرعات لها، والاستقطاع من رواتب الموظفين لدعم جهدها الحربي.
الراية: زار حيدر العبادي مؤخرًا مدينة المقدادية وكانت له عدة تصريحات، ومن هذه التصريحات الغريبة قوله؛ إن هذه الميليشيات الخارجة عن الدولة والتي تقوم بعمليات إجرامية تابعة لـ"تنظيم الدولة"! فما تعليقكم على هذه الزيارة وعلى هذا التصريح.
_ الأمين العام: تعودنا على التصريحات الغريبة والمتناقضة من العبادي، والأغرب من ذلك أيضًا؛ عندما يقول على صفحته الرسمية وفي المنصات الإعلامية التابعة له: إنه ((تم تحديد المجرمين الذين قاموا بالأعمال الإرهابية في المقدادية وإلقاء القبض عليهم))!! طيب؛ أين هم؟ ما هي أسماؤهم؟ وما هي مرجعياتهم؟ لماذا لم يُعلن عن هذا حتى الآن؟ وكيف تم التعامل معهم؟
هو لا يجرؤ ولا يستطيع أن يقول، وحتى وإن تجرأ واستطاع فلن يقول؛ لأن هذه الأفعال لا تختلف كثيرًا عمّا يؤمن به ويراه مناسبًا لإدارة شؤون العراق، ولكن قد يُحرج كرئيس وزراء؛ لأن هذه الأفعال تمت بطريقة أحرجته، ولو تمت بطريقة أخرى لم تحرجه لغض النظر عنها كما فعل في أماكن كثيرة، وقد اعتدنا على سياسة تشكيل اللجان التحقيقية التي لا تنتهي إلى نتائج. فالعبادي يُحاول هنا أن يُداري الورطة الكبيرة التي هو فيها، فالميليشيات التي قامت بهذا الفعل معروفة ومعلومة للجميع، لكن للأسف لا يجرؤ على الحديث بهذا إلا نحن وبعض الأطراف الأخرى المستقلة المتجردة عن نوازع العملية السياسية.
الراية: هذه الأحداث مرشحة الحدوث في المناطق أو المدن المشتركة بين المكوّن السني والمكوّن الشيعي؟ أم أن كل المدن مستهدفة؟ وهل هناك مدن أخرى مرشحة ليحصل فيها مثل ما حدث في ديالى؟
_ الأمين العام: الاستهداف الآن هو للمدن الخالصة وبعض المدن المشتركة، ومحافظة ديالى _بالمناسبة_ هي محافظة مشتركة، لكن الغالبية فيها سنية (65_70%)، وتكاد تكون أكثر محافظات العراق تنوعًا عرقيًا، ففيها جميع المكونات وجميع المذاهب والأطياف والإثنيات، فهي أشبه بعراق مُصغّر، لكن يراد لهذا العراق المُصغّر أن يطرد النسبة الغالبة من سُكّانه لكي يبقى على نسب صغيرة تحدد وفق الإرادتين الإيرانية والحكومية التابعة لها، وقد شهدت ديالى في السنوات الماضية أعمالاً من هذا القبيل، وفي ضواحي المقدادية نفسها، وبعض المدن الأخرى في المحافظة مرشحة لهذا: مثل جلولاء والسعدية وغيرها.
أما في غير ديالى وعلى سبيل المثال في شمال (محافظة بابل) جنوب بغداد؛ أزيلت بشكل كبير ومؤثر منطقة (جرف الصخر) عن الأرض؛ بيوتًا وسُكّانًا ومزارع، وتمت التغطية على ذلك تمامًا؛ لأنها يقع في منطقة تسهل السيطرة عليها من القوات الحكومية والميليشيات. وتستهدف كذلك مناطق حزام بغداد منذ سنوات طويلة، ولا أحد يتحدث عنها إلا لممًا، وتكريت وبيجي وما حولهما دمر بشكل كبير، والفلوجة محاصرة الآن، ونحن في الهيئة أصدرنا قبل يومين بيانًا عن المأساة الإنسانية الجارية في المدينة، وهي في طريقها لمجاعة تجتاح سكانها؛ بسبب الحصار المفروض عليها منذ سنتين والقصف الذي يطالها ليلاً ونهارًا، ثم الرمادي، ورأيتم ما جرى فيها، وأيضًا توجد مدن أخرى على القائمة إن بقيت الأمور هكذا.
الراية: ماذا فعلت الهيئة من أجل إنقاذ أهالي المقدادية من المذابح التي تجري بحقهم؟ وبشكل عام؛ القوى السنّية الأخرى ماذا قدّمت لأهالي المقدادية؟
_ الأمين العام: هنا ينبغي أن نُفرّق بين تصرفين أو فعلين أو جهدين؛ فنحن خارج إطار العملية السياسية، ومناهضون لهذه العملية التي جلبت لنا كل هذه الويلات، ونحن ضد ما يجري في العراق من الاحتلال إلى الآن، وهو احتلال مستمر بكل أشكاله، وقد قمنا بكل ما نستطيع في هذا المجال، على الرغم من الإمكانات البسيطة التي لدينا وتشعب مناحي العمل وكثرة منافذ المساعدة، وتزايد أعداد النازحين، وتنامي طلباتهم منا في داخل العراق وخارجه بشكل متزايد ويومي. فضلاً عن ذلك سعينا المتواصل لإيصال صوت المعاناة في الداخل إلى خارج العراق، وفضح الفضائع والفضائح التي تجري في وسائل الإعلام الممكنة، وإيصالها إلى المنتديات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان وما إلى ذلك، وهذا هو الذي نستطيع أن نقوم به في هذه اللحظة، إلى جانب اتصالاتنا بالدول العربية وغيرها ومحاولة حثهم على فعل شيء ما في هذا الصدد، وهذا ما نستطيع أن نقوم به وهذه قدرتنا في هذا المجال.
ولكن هناك طرف ثانٍ دخل في العملية السياسية من أجل تقليل الضرر كما يقول؛ ودخل من أجل أن يُعبّر عن أصوات هذه المحافظات وهذه المناطق وعن معاناتها بعد سنوات من الاحتلال، ولكن واقع الحال يكشف عن أنه لم يفعل شيئًا ذا بال، واكتفى بالشجب والاستنكار، ولم يجرؤ حتى على التصريح بأسماء الفاعلين في المقدادية، وهو يعرفه، على الرغم من أن هذا الطرف دخل العملية السياسية بذريعة تخفيف المعاناة وتقليل الضرر عن الناس ما أمكن، وواجب هذا الطرف الأساس هو القيام بهذا الدور؛ ولكنه لم يقم به، وهو في داخل العملية السياسية، ويقول: إن لديه الإمكانيات لذلك، لكنه لا يجرؤ على القول: إنه مجرد غطاء يُضفي الشرعية على ما تقوم به هذه الحكومة والعملية السياسية والنظام السياسي برمّته. ومن هنا؛ نفهم مدى الضرر الذي يترتب على أبناء هذه المحافظات من هذا الطرف، حيث لم يجلبوا لهم نفعًا ولم يدفعوا عنهم ضرًا؛ لأنهم لا يستطيعون كشف الجريمة الحاصلة بأبعادها وأسمائها، والدليل على ذلك أن أقوى إجراء اتخذوه هو الانسحاب من جلسة لمجلس النواب، وهذا مستغرب؛ لأن منطقهم السياسي يرفض المقاطعة والانسحاب، فهم يقولون شاركنا في العملية السياسية لأنه لا جدوى من المقاطعة؛ ويتحسرون على موقفنا المشترك نحن وهم وغيرنا، في وقت مبكر حينما قاطعنا الانتخابات الأولى بعد الاحتلال. ومن المعلوم أن آليات العمل السياسي في داخل العملية السياسية هي ليست المقاطعة والانسحابات، ومقاطعتهم للجلسة كانت _فيما يبدو_ لإنقاذ أنفسهم من الحرج في هكذا جلسات؛ لأنهم لن يصلوا إلى تحقيق ما يطلبه الناس منهم.
والإجراء الذي ينبغي أن يقوموا به _من وجهة نظري_ وقاله لهم سياسيون كانوا معهم أيضا من خلال وسائل الإعلام؛ أن يقوموا بما يثبت فعلاً أنهم يعيشون آلام أهلهم حقيقة كما يقولون، وهذا الإجراء طالما تحدثنا عنه؛ وهو نزع الشرعية عن هذه الحكومة ذات البعد الطائفي العرقي الاستئصالي، ونزع الشرعية هو وحده الكفيل بتنبيه العالم إلى عظم المأساة التي تقع في العراق، وحينما يعي العالم أن مكونًا كبيرًا كالمكوّن (السنّي) في العراق انسحب من العملية السياسية وسحب هذه الشرعية منها؛ فحينئذ سينتبه العالم إلى أن هناك مشكلة حقيقة في العراق؛ لأن الحجة الأساسية التي يعتمد عليها المجتمع الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة، هو أن هناك حكومة توافقية بين مختلف المكونات، ويجدون بين حين وآخر من (السنّة) من يقول لهم: إن هذه الأفعال أخطاء فردية وما إلى ذلك، لكن إذا سُلبت هذه الشرعية فسينتبه العالم إلى أن العملية السياسية في خطر، حينذاك من الممكن أن يلتفت الناس إلى معاناتنا.
نقطة أخرى؛ من في الحكومة الآن أو في مجلس النوّاب لا يُمثلون المكون (السنّي) بكامله، وإنما يمثلون قوة أو قوتين من القوى السياسية العاملة في الإطار السُّنّي، أما باقي (السنة) من قوى واتجاهات وتجمعات وغيره؛ فإنها لا تعتد بهم، والقسم الأكبر منهم لا يعتد بهم من حيث مبدأ المشاركة في العملية السياسية وأداء من دخلوا فيها، كما نرى نحن، وبعضهم لا يعتد بذلك من حيث تقويم الأداء والجهد المبذول.
الراية: هل أنتم راضون عمّا قمتم به أو ما تقوم به المكونات السنية الأخرى نصرة للعراقيين المستهدفين عموما ولأهالي ديالى حصرا؟
_ الأمين العام: أبدًا، كل ما نقوم به هو جهد المقل؛ ومتى ما وصلنا إلى درجة الرضا عن أنفسنا فحينذاك سنعترف بأننا مقصّرون، فما زلنا إلى الآن نبذل كل ما نستطيع ولكن الإمكانات قليلة، والقدرات ليست بالمستوى المطلوب، والتفاعل معنا ليس كما ننشد ونأمل، ولكن علينا أن نعمل، والله سبحانه وتعالى يُجازينا على ما فعلنا وعلى ما نويناه ولم نستطع أن نقوم به.
الراية: ما هو الحل في العراق من وجهة نظركم؟
معرفة سبب المشكلة في العراق توصلنا إلى الحل وطبيعته؛ حيث تم إبعاد القوى الفاعلة والحقيقية عن الساحة منذ سنوات بحجج وذرائع شتى من أبرزها الاتهام بالإرهاب، والصراع في العراق أخذ طابع الصراع الثنائي بين طرفين لا يدعان مجالاً لطرف ثالث معهما في الساحة. والحل الحقيقي هو في خيار ثالث، في حل عراقي كامل شامل، يُلبي كل متطلبات العراقيين؛ السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية كذلك، وهذا ما دعونا إليه في مبادرة العراق (الجامع)؛ فنحن نؤمن بأن هناك خيارًا حقيقيًا يمكن أن يُنقذ العراق مما فيه، أما ما يجري في البلاد الآن فلن يوصل إلى النتيجة التي نتمناها جميعًا، وترك الأمور على ما هي عليه يُراد منه أن يبرر سياسة ترك العراقيين للأمر الواقع، ومنهج الالتفات الكامل عن معاناة العراقيين.
وأنبه هنا على أنه لن يكون هناك أثر حقيقي لأي حل وبأي وصف ما لم تتوفر له ظروف موضوعية وذاتية، فضلا عن الإرادات الخارجية المتحكمة في العراق والمنطقة، ولا مؤشرات حقيقية على تلك الإرادة حتى اللحظة؛ بل المؤشرات تفيد خلاف ذلك، وهو رغبة قوى الهيمنة في بقاء الأوضاع غير المستقرة في العراق، واستمرار العملية السياسية بمدخلاتها ومخرجاتها نفسها.
الراية: ما hلمطروح من قبلكم، وما هو المقترح أو وجهة النظر التي تقدمونها الآن؟
هناك حاجة ماسة للإسراع في تحقيق عمل جامع مشترك مؤطر، يجمع القوى الحية في العراق ويوحد جهودها ويبرز عملها ونشاطها؛ مع مراعاة التحركات على الساحة العراقية، وضرورة الالتزام بالثوابت الوطنية لضمان نجاح أي مشروع، والتشديد على عدم دخول شخصيات مشاركة في العملية السياسية أو داعمة لها؛ حيث ينبغي لنا إيصال رسالة واضحة لكل من يهمه الأمر، مفادها أن دخول هؤلاء سيضر بمصداقية المشروع، ومن الخير لنا أن نخرج بمشروع يكتب له النجاح ويكون أداة لإنقاذ العراقيين مما هم فيه، ويتم فيه الالتزام بوثيقة أو ورقة أساسية لمشروع عراقي، تتضمن البنود الآتية: (هوية العراق، وحدة العراق، العملية السياسية، الدستور، دين الدولة، السلطات، القضية الكردية، القوات المسلحة، ثروات العراق، المرأة). وإن الالتزام بما تقدم يعني: الموقف السليم والصحيح والمطلوب، في مقابل عروض: الرضا بواقع العملية السياسية وطلب إصلاحها فقط، والقبول بالدستور والاكتفاء بطلب تعديلات عليه، أو مشاريع المصالحة الوهمية وذات الاشتراطات والمحددات الحكومية؛ ولذا أعلنا قبل شهر عن انطلاق المرحلة الثانية من مبادرة (مشروع العراق الجامع)، وستشهد الأسابيع القادمة _بعون الله_ إعلانا تفصيليا مهما من الهيئة بهذا الشأن.
الهيئة نت
ج
