هيئة علماء المسلمين في العراق

فاعتبروا يا أولي الأبصار / د. بشار النعيمي
فاعتبروا يا أولي الأبصار / د. بشار النعيمي فاعتبروا يا أولي الأبصار / د. بشار النعيمي

فاعتبروا يا أولي الأبصار / د. بشار النعيمي

كثيراً ما يردد الناس عبارة: (العدل أساس الملك)، وهي عبارة تحكي بين حروفها أحداثاً طواها الزمان، ومضت عليها السنون والأعوام، أتت على عروش كانت تظن أنها خالدة، لكن ظنونها كانت سراباً في الأفق، فما لبثت أن اضطربت أركانها، وتصدع بنيانها، فألقت أحمالها في وادٍ سحيق، تتلاشى فيه تلك الصور التي كانت ترعب الناس بطلّتها، وتختفي فيه تلك الأصوات الطاغية التي كانت تصم الآذان والأبدان معاً، إنه قانون (المصائر المحتومة) لمن خرج عن قانون الله ـ تعالى ـ في إقامة هذه الحياة، وهذا القانون دعا العباد إلى تحقيق العدل بكلّ صوره بين الناس، إذ قال الله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْـتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ))[النساء: 58]، وقضى هذا القانون الرباني بإقامة العدل، وإزالة الظلم، بالنظر إلى العدل والظلم لذاتهما دون غيرهما، وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: " إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة " [مجموع الفتاوى: 28/146]، فالمسار المحدد لهذه البشرية أن تسير في طريق العدل ولا تحيد عنه، لتكفل بذلك كل معاني العيش الآمن في الدنيا، والمنقلب الهانئ في الآخرة.


    لكن الرؤوس الصلبة التي خدعتها زيوف الجاه العريض، والمنصب المتعالي أبت أن تلين، وتنحني لتصغي إلى نداء الحق لإقامة الحق، وراحت تبحث في الأرض عن السبل التي توفر لها الحماية الكافية من الجزاء العادل الذي ينتظرها بسبب ظلمها وطغيانها، فما وجدت غير حصون الحجارة، ملجأً يحميها من ساعة الجزاء، فأعلت أسوارها، وأكثرت حماتها، وطورت سلاحها، استعداداً للمواجهة، وظنت أنها قاهرة لا تُقهر، (( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ  اللَّهِ )) فحانت الساعة، واقترب الوعد الحق، (( فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ))، فكانت الآثار المترتبة على هذا الجزاء هي: (( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ))[الحشر: 2]، إنها المصائر المحتومة التي تنتظر الطغاة والظلمة الجبابرة في كل عصر وأوان.


ولعل مشهد العالم اليوم يحاكي مشهد الأمس البعيد في مضمونه، فرموز الظلم والطغيان نصبت رؤوسها في هذا الزمان، وأمعنت في ظلم وإيذاء رعيتها بشتى الوسائل والصور، بل وصلت إلى حد الاحتراف بابتكار طرائق جديدة من تعذيب الناس وظلمهم، وإفسادٍ في الأرض، لم يشهد له التاريخ مثيلاً، واستظلت بظل الدول الظالمة وفراعنتها المعاصرين، كلون جديد من ألوان التحصين الزائف، وسرعان ما سيتهاوى أمام قانون الله تعالى، ثم أمام إرادة المؤمنين وسعيهم.


واليوم يتخلى فراعنة العصر من الدول العظمى في الظلم والطغيان عن أعوانهم الذين يواجهون مصيرهم المحتوم على أيدي شعوبهم، لقد انتهت صلاحية خدماتهم، وبلغوا من الكبر السياسي عتياً، فاستغنوا اليوم عنهم، وعليهم أن يتساقطوا بذل وصغار.


إن هذه اللعبة السياسية التي تلعبها الدول العظمى في الظلم لا تنطلي على المتبصرين من الناس، الذين يعلمون أن رموز الظلم في هذا الزمان هم صناعات غربية أو شرقية، جعلوهم حاكمين على البلدان، ليضمنوا لأنفسهم استعماراً لها بلون جديد من ألوان القطبية والفردية البعيدة عن القيام بحكم الله في الأرض، وما هم بأقل طغياناً وظلماً من صنائعهم، والواقع المأساوي لبلدنا شاهدٌ على ذلك.


إنه درس عظيم ينبغي على الجميع أن يعوه، ويقتفوا أثر السابقين من المؤمنين الذين مضوا بثبات لا يلين، لتحقيق العدل بين الناس كما أمر الله رب العالمين، فأعلوا الأصوات، ورفعوا العناوين، وسعوا في الميادين، مستمسكين بحبل الله المتين، حتى يأتيهم اليقين، نصر من الله مبين.   


رابط المقال على صفحة القسم العلمي في الفيس بوك:


https://www.facebook.com/AmsiScientific/posts/1526536154307622


أضف تعليق