هيئة علماء المسلمين في العراق

الموت يطوّق الفلوجة بحصار حكومي وصمت دولي
الموت يطوّق الفلوجة بحصار حكومي وصمت دولي الموت يطوّق الفلوجة بحصار حكومي وصمت دولي

الموت يطوّق الفلوجة بحصار حكومي وصمت دولي

تعد مدينة الفلوجة كبرى مدن محافظة الأنبار؛ من أكثر المدن العراقية التي لاقت ظروفًا إنسانية عصيبة منذ ثلاث عشرة سنة، نتيجة الحملات العسكرية التي شنتها قوّات الاحتلال والقوّات الحكومية وما رافق ذلك من استخدام أسلحة محظورة ومحرمة فتكت بأهلها طوال عقد من الزمان من جهة، والحصار الخانق الأخير الذي يصاحبه قصف لا هوادة فيه منذ أكثر من سنتين وأتى على جميع مظاهر الحياة فيها من جهة ثانية.


وخلال الأسابيع الأخيرة، أكدت مصادر صحفية ووكالات إخبارية؛ أن عشرات الآلاف من المدنيين في الفلوجة باتوا يعانون نقصًا في الغذاء والدواء نتيجة الحصار المفروض عليها من قبل القوّات الحكومية المدعومة بالميليشيات الطائفية، إذ قطعت جميع الطرق والمعابر والمسالك التي من شأنها أن تزود المدينة والقاطنين فيها بالمؤن والمواد الضرورية واللازمة للحياة، الأمر الذي جعل السكّان المدنيين في أتون كارثة إنسانية.


وفيما تتحدث وكالة رويترز عن تقارير إعلامية تشير إلى أن أشخاصًا توفوا بسبب نقص الغذاء والرعاية الصحية؛ أكد المرصد العراقي لحقوق الإنسان أن خمسة عشر شخصًا على الأقل توفوا في المدة ما بين الرابع والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير والثلاثين منه، نتيجة نقص التغذية وانعدام الأدوية ولاسيما ما يتعلق بالأمراض المزمنة، ما جعل أكثر من مائة ألف مدني يعيشون أوضاعًا صعبة جدًا.


وبغض النظر عن آلاف المدنيين الذين قتلوا وعشرات الآلاف من الجرحى نتيجة القصف الجوي من قبل طيران قوات التحالف والطيران الحكومي، أو عن طريق القصف المدفعي والصاروخي المتواصل على مدار الساعة؛ فإن أطفالاً ونساءً ورجالاً كبارًا في السنّ توفوا مؤخرًا؛ وفقًا لما أكدته مصادر من المشفى نفسه الذي يعاني من نقص حاد في الأدوية والمواد الطبية تزامنًا مع تزايد أعداد المصابين نتيجة القصف العشوائي المستمر، كما تزداد المعاناة في نقص الكادر الطبي المتخصص وفي غرف العمليات الجراحية التي تنعدم فيها الضروريات والمستلزمات الطبية لمعالجة الجرحى والمصابين، فضلاً عن عدم وجود أي لقاحات للأطفال، وازدياد حالات الوفاة في صفوفهم بسبب نقص التغذية وعدم توفر الحليب.


وفي السياق ذاته؛ تؤكد مصادر المستشفى؛ أن المدينة تمر بأزمة إنسانية كبيرة، خاصة مع نفاد ما هو موجود من غذاء مدخر، وقد استقبل قسم الطوارئ فيها عشرات الحالات التي تعاني من سوء التغذية والتسمم الغذائي نتيجة لتعفن الغذاء المخزون، الذي يكون بعضه منتهي الصلاحية، مشيرة إلى أن الأطفال لهم النصيب منهم. ولفتت إلى أن الأدوية في وحدة رعاية ما بعد الولادة باتت نافدة تمامًا، وأن المولودين حديثًا يبصرون الدنيا ولا غذاء لهم، فضلاً عن تفشي أمراض الإسهال والجفاف لدى الأطفال دون الخامسة، وتفاقم الخشية من مضاعفات ذلك.


من جهتهم، تحدث الأهالي عن المأساة التي تطوقهم، معتبرين أن الهدف من حصار الميليشيات والقوات الحكومي للفلوجة هو تجويع أهلها، إذ أن الميليشيات وما يرافقها من قوّات تحاصر المدينة من جهاتها الأربع ولا تسمح لأهلها بالدخول والخروج منها وإليها، كما تمنع مرور أي مواد غذائية ومستلزمات طبية إلى داخلها، ومن صور ذلك المنع إقدام طيران الجيش الحكومي على استهداف الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية المتجهة إليها.


من جهة ثانية؛ ارتفعت الحصيلة الكلية لأعداد القتلى والجرحى الذين سقطوا جراء عمليات القصف العشوائي التي تطال المدينة إلى ما يزيد عن عشرة آلاف مدني، وبيّنت المصادر المعتمدة في مستشفى الفلوجة التعليمي؛ أنه ومنذ خمسة وعشرين شهرًا قتل ثلاثة آلاف وأربعمائة وتسعة وعشرون مدنيًا بينهم أكثر من خمسمائة طفل وثلاثمائة وسبع عشرة امرأة؛ وفقًا لما هو مسجل في إحصاءات المشفى مشيرة إلى أن الرقم الحقيقي للضحايا أكبر من ذلك بكثير، لأن مئات القتلى دفنوا دون أن يأتي بهم ذووهم إلى وحدة الطب العدلي، بينما أصيب خمسة آلاف وستمائة وسبعة وخمسون مدنيًا بجروح، بينهم ثمانمائة وثلاثة وستون طفلاً ونحو سبعمائة وخمسين امرأة.


وتجد الإشارة في هذا المجال؛ أن هذه الإحصائية غير نهائية كونها محصورة بين أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر 2013، والأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني/يناير 2016 المنصرم، إذ أن الأسبوعين الماضيين شهدا قصفًا عنيفًا من الأرض والجو طال معظم الأحياء السكنية، إلى جانب تفاقم الحصار وتزايد أعداد المتضررين منه، خصوصًا مع ضعف التواصل مع الأهالي في الداخل نتيجة انقطاع الكهرباء وخطوط الهاتف، وقطع الحكومة لشبكات الإنترنيت عن المدينة.


وبينما يُصارع أهالي الفلوجة هذه المأساة، يوجه إليهم المجتمع الدولي سهام التجاهل وأسواط اللامبالاة، إذ أن المنظمات الإنسانية والإغاثية الأممية وتلك المعنية بالحقوق والقانون الدولي؛ لم تحرك ساكنًا إزاء هذه الكارثة، وحتى بعض التقارير التي خرجت على استحياء من بعض الجهات، أبت أن تضع اللوم على الحكومة الحالية باعتبارها ترتكب جريمة إبادة تجاه شعب كامل على أساس طائفي بفرضها الحصار ومنع دخول لوازم الحياة إلى المدينة، كما لم تتطرق إلى جرائم انتهاك حقوق الإنسان التي يتعرض لها الفلوجيون وهم يواجهون الموت تحت أنقاض بيوتهم جرّاء قصف التحالف الجوي والميليشيات الحكومية البري.


الجدير بالذكر؛ أن القانون الدولي الإنساني، ينص على أن حصار فئة معينة من السكان وتدمير منازلهم وممتلكاتهم بشكل ممنهج، ومنع الغذاء عنهم بغية إبادتهم، يعتبر جريمة ضد الإنسانية، يقتضي تدخلاً  مباشرًا للمحكمة الجنائية الدولية، ويعتبر من أخطر الجرائم على المستوى القانوني الدولي؛ إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث حتى الآن.


إن المجتمع الدولي، وكافة الأمم والشعوب والحكومات المعاصرة، تقف جميعها اليوم على أعتاب مساءلة تاريخية ستكون لها في المستقبل آثار وأثمان، بشأن ما تشهده الفلوجة من جرائم متسلسلة وممنهجة وعلنية، تحمل توجهات طائفية واضحة، وتسعى لمصادرة حياة مدنيين أبرياء ليس لهم حول ولا قوّة.


   الهيئة نت    


ج


أضف تعليق