لم يكن جدار برلين جدارا للتميز الطائفي ولا العرقي بين أبناء ألمانيا وإنما كان مخططا لتقاسم نفوذ الدول المسيطرة بعد الحرب العالمية الثانية وقسمت ألمانيا إلى أربع مناطق بحسب اتفاقية يالطا تقاسمت الدول المنتصرة في الحرب هذه المناطق فكانت كل منطقتين في دولة واحدة ومن هنا انبثقت المانيا الشرقية والمانيا الغربية ومن الطبيعي ان تبعية هاتين الدولتين لجهتين مختلفتين ينجم عنها اختلاف في التعليم والتطور وتمايز في الولاء للخارج فضلا عن أمور أخرى يمكن معالجتها في غير هذا المقال.
حال الدولتين بعد جدار برلين كحال أهالي بغداد خاصة من الذين يعيشونه منذ سنوات الشحن الطائفي في 2006 وما بعدها وهو يماثل حال العراقيين أجمع بعد ان بات العراق مقطعا وممزقا بجدران اسمنتية واخرى طائفية، فجدار الطائفية لا يزال بنيانه قائما في المشهد العراقي وهو نتاج لجدار آخر يمكن تسميته بجدار الأحزاب فضلا عن السجن الرهيب الذي يحيط بالعراقيين بفعل جدار صلب مصمت يسمى جدار الإرهاب وليس غريبا على تلك الجدران سقايتها بماء الجيران وهو ما بات يعرف بجدار الولاء لإيران اما جدار السرقة فقد تفنن اللصوص في بنائه وزخرفته ليفتتن الناس ان مشاريعهم الوهمية يمثلها جدار السرقة .
آخر ماتفتقت عليه ذهنية اللصوص والطائفيين جدار للفصل يعزل بغداد عن محيطها بغية تغيير التركيبة السكانية فيها. جدار الفصل الطائفي الذي تروم حكومة بغداد تنفيذه لأجندة خارجية يعد انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان الذي يريد هؤلاء أن يجعلوه بمحمية مسيطر عليها ليتاح لهم إقصاءه وإبعاده متى شاؤوا.
من الناحية القانونية سيقوم هذا الجدار بحرمان حق التنقل وحق العيش وهاتان الفقرتان وردتا في نظام روما المندرج في الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، تقول المادة القانونية: (تعلن الدول الأطراف في هذه الاتفاقية أن الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية، وأن الأفعال اللاإنسانية الناجمة عن سياسات وممارسات الفصل العنصري وما يماثلها من سياسات وممارسات العزل والتمييز العنصريين، هي جرائم تنتهك مبادئ القانون الدولي، ولاسيما مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتشكل تهديدا خطيرا للسلم والأمن الدوليين).
من خلال هذه المادة يمكن بقراءة بسيطة للفقرة الأولى الواردة في هذه الاتفاقية ان هناك خططا سياسية وممارسات حكومية تهدف بالدرجة الأولى إلى عزل مدنيين معروفين بانتمائهم المذهبي والديني، وهذه السياسات ناتجة عن إرادة ونية مسبقة لتطهير هذه المناطق من ساكنيها بحجج لا ترتقي إلى التهديد الفعلي لأي مدني سوى ان هؤلاء الساسة يخشون على أنفسهم وعلى مناصبهم.
فعلى سبيل المثال هناك الكثير من الأحياء الشعبية في مدينة بغداد يسكنها اهلها منذ مئات السنين وهم ينتمون الى عدة مذاهب ويعيشون في أبهى صور الإنسانية ولم يمس احدهم الآخر إلى أن جاءت الأحزاب السياسية والمليشيات التابعة لها والميلشيات الخارجية فعبثت بأمن المجتمع وبدأت توغل في دماء الأبرياء.
وجاء في الفقرة الثانية من الاتفاقية (اتخاذ أية تدابير، تشريعية وغير تشريعية، يقصد بها منع فئة أو فئات عنصرية من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وتعمد خلق ظروف تحول دون النماء التام لهذه الفئة أو الفئات، وخاصة بحرمان أعضاء فئة أو فئات عنصرية من حريات الإنسان وحقوقه الأساسية، بما في ذلك الحق في العمل، والحق في تشكيل نقابات معترف بها، والحق في التعليم، والحق في مغادرة الوطن والعودة إليه، والحق في حمل الجنسية، والحق في حرية التنقل والإقامة، والحق في حرية الرأي والتعبيرعنه، والحق في حرية الاجتماع وتشكيل الجمعيات سلميا،...
وبينت الفقرة (د) من هذه الاتفاقية تجريم أية تدابير، بما فيها التدابير التشريعية، تهدف إلى تقسيم السكان وفق معايير عنصرية بخلق محتجزات ومعازل مفصولة لأعضاء فئة أو فئات عنصرية، وبحظر التزاوج فيما بين الأشخاص المنتسبين إلي فئات عنصرية مختلفة، ونزع ملكية العقارات المملوكة لفئة أو فئات عنصرية أو لأفراد منها)..
وهنا في نصوص هذه الفقرة بالتحديد تجدها وصفا دقيقا وكأنه يسرد وقائع على ارض العراق بفعل ممارسات القوات الحكومية والميلشيات في حق أبناء أهالي بغداد.
بل ان الناظر الى واقع هذا السور وتوابعه سيجد ان المغزى الحقيقي هو تغيير للتركيبة السكانية لإفراغ مدينة بغداد تمهيدا لعملية تقسيم البلاد بل هي تعد الخطوة الأولى على طريقهم.
فلو قدر لهذه الخطوة النجاح ونحن على يقين انها لن تستطيع ذلك بسبب البنية المجتمعية الرصينة للمجتمع العراقي بغض النظر عن حالة المرض التي سببتها هذه الأحزاب وأدواتها من الميليشيات، ناهيك عن كلفة هذا المشروع في ظل انهيار تام لاسعار النفط وعجز حكومي على دفع الرواتب فكيف بها بتبني مشروع يحتاج الى مليارات الدولارات وللتذكر ان جل المشاريع التي اعلن عنها صرفت مبالغها ولم تجد لها أثرا على أرض العراق.
هل يمكن ان يتصورعاقل أن أهالي بغداد سيبقون حبيسي مناطقهم ويعيشون منعزلين عن بقية اخوانهم العراقيين، أو انهم سيرضون بأن يضعوا في سجن كبير ويبقون تحت إمرة الميليشيات والأحزاب المتنفذة في الحكومة.
اللافت للنظر أيضا ان الفقرة الثانية تذكر مادة مهمة جدا ألا وهي (ونزع ملكية العقارات المملوكة لفئة أو فئات عنصرية أو لأفراد منها) وهذا ما يحدث فعلا كإجراء أولي لبناء السور فالمليشيات والقوات الحكومية تعمل الآن على قدم وساق من نزع ملكيات العقارات من الأفراد والجماعات وتهجيرهم قسرا بدون أي ضمانات أو تعويض وهذا ما يتعارض مع القانون الدولي والقانون الداخلي الذي وضعه المحتل الذي أشار إلى هذه الفقرة في دستور الحكومة الحالية.
وتقع المسؤولية الجنائية الدولية، أيا كان الدافع، على الأفراد وأعضاء المنظمات والمؤسسات وممثلي الدولة، سواء كانوا مقيمين في إقليم الدولة التي ترتكب فيها الأعمال أو في إقليم دولة أخرى: حسب ما نصت عليه الاتفاقية.
من هنا يمكنني القول ان مخططات تحاك ضد العراقيين فان كانت فئة تستهدف اليوم فان باقي الفئات ستستهدف غدا وهذا لا جدال فيه فالجدار يعني الفصل ويعني التحكم بمنطقة تابعة لإقطاعيات ميليشياوية ستقضم كل ممتلكات العراقيين وتتركهم أرضا يبابا وعلى المجتمع الدولي الصامت يمكننا القول أن صمتكم اشتراك بالجريمة.
*عمر محمد... قسم حقوق الإنسان في الهيئة.
مقال خاص بموقع الهيئة نت
