يُعرّف (الجِيْل) بأنّه مرحلة التعاقب الطبيعيّة من الأب إلى الابن، أو هو متوسط المدّة الزمنيّة بين ولادة الآباء وولادة أبنائهم. وتُقدر مدة الجيل بـ(33) سنة.
وتُقيَّم الأمم في تقدُّمها وتطوّرها وِفْق ما يحمله ذلك الجيل من امتيازات وخصائص تدلّ على علوّ شأنه أو ضِعَته؛ لذلك يحرص القادة المخلصون ويجتهدون لوضع برامج ومناهج تُحدِّد ملامح الجيل القادم؛ ليستدركوا به ما فاتهم، وليكون مُتمِّمًا لبناء الجيل السابق وإنجازاته؛ حيث تستمرّ الأمة في طريق البناء والتقدّم.وهذه الأجيال بما تحمله من علم وثقافة وإنجازات تكون بها صبغة الأمة سواء كانت إيجابًا أم سلْبًا.
وعند الأمم التي تشهد استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا مبادئ عامّة لا تخرج عنها الأجيال على تَعاقبُها. أمّا الأمم التي تشهد اضطرابًا وتقلبًا في حياتها السياسية وغيرها، فإنّ مَن ستكون له الغَلَبة سيسعى جاهدا لهدم ما تقدّم، والعمل على تأسيس وضعٍ جديد يضع عليه بصْمته. وعلى الشعوب أن تدفع ضريبة هذه التغيرات، التي ربّما تتضاعف ضريبتها لشمل استحقاقات الأجيال اللاحقة.
وفي العراق شهد الجيل السابق الذي امتدّ من أواسط الستينيات حتى التسعينيات استقرارًا نسبيًّا على المستوى العلمي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي حيث حقق طفرة نوعية انتقلت فيها البلاد من حالة الجهل إلى العلم، ومن الفقر إلى الغنى، ومن البداوة والأرياف إلى المدنيّة، فكانت نقلة متقدّمة قلّ نظيرها في العالم على وجه عام، وفي العالم العربي على وجه خاص، وعلى الرغم من نشوب الحرب الطاحنة بين العراق وإيران واستمرارها لثمان سنوات، إلّا أنّ هذه المدّة تُعدّ عهد عطاء واستقرار إذا ما قِيْست بما تلاها من أزمات وتقلبات على جميع الأصعدة.ومن تولّى إدارة البلاد من الكفاءات خلال تلك المدة بغض النّظر عمّا انتهوا إليه من مصير شكّلوا علامة فارقة على طريق التقدّم، وهذا ما يشهد لهم به الأعداء قبل الأصدقاء، ومهما كان من أمر، فذلك جيل قد تقَضّى وأُفضِي إلى ما قدّم.
أما اليوم ونحن على أعتاب ظهور جيل جديد، فإن الظروف التي نشأ فيها هذا الجيل -حسب قراءة المشهد الدائر اليوم- ستُفضي إلى جيل مُتصارع ومتناقض مع الجيل السابق والجيل اللاحق، وأجيال الأمم المحيطة به القريبة والبعيدة، بل ستُفضي إلى جيل متصارع مع نفسه وفقًا للمعتقدات والثقافات المتعددة التي غُذي بها ونشأ عليها.إذ إنّه ترعرع في بيئة انهارت فيها المنظومة الاجتماعية والتربوية والسياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية حتى لا يكاد يبقى فيها حجر على حجر، في ظلّ هذه السّياسات الطائفية المقيتة التي أنتجتها قوى الاحتلال ومن جاء معها ممن لم يَحْتمل رؤية العراق موحّدًا وعزيزًا.
وأعداء العراق في الخارج والداخل يُراهنون على عامل الزمن أن يُخرج لهم جيلًا جديدًا يحلّ لهم كثيرًا من أسبابِ مقاومةِ هذا الواقع الطارئ الشاذّ؛ لأنهم يدركون أكثرَ منّا ما ستؤول إليه الأمور بعد أن يُمسك الجيل الجديد بزمام القيادة؛ لذلك عملوا جاهدين على تدمير جيل العلم والنهضة والتطوّر من خلال قتله وتهجيره وإفقاره، أو تعطيله وإخراجه من دائرة العطاء على أقلّ تقدير، ويبذلون في سبيل تلك الغاية الغالي والرخيص من أجل استبداله بجيل مسخٍ جديد لا يعرف إلا ثقافة الكراهية والهدم لكل جميل وعزيز في بلاد الرافدين، وذلك عَبْر عملية تلاقحٍ صفوي صليبي.
إنّ الفئة الفاسدة التي تُمسك بمقاليد الحكم اليوم في العراق لا يَكْمن خطرها الحقيقي بوجودها في السلطة حسب، إذ لا يزال معظم العراقيين على اختلاف مذاهبهم ينظرون إليها على أنها حالة طارئة تُمثّل الوجه القبيح لأذناب الغزاة، وهذه الأذناب إمّا أن يتمّ قطعها والتخلّص منها، أو يمرّ عليها الزمن حتى تُصبح خارج حدوده. لكنّ خطرها الحقيقي يتمثل في ما تزرعه وتُؤسسه لبناء الأجيال القادمة التي ستنظر إلى الأمر على أنه واقعٌ لم تعهد غيره، وهذه الفئة الفاسدة ومَن وراؤها يُعوّلون على ذلك فتراهم يُطاولون وينتظرون لينقرض جيلٌ ويأتي آخر،لن يكون من السّهل عليه مجرد التفكير في إعادة الأمور إلى نِصابها، فضلا عن تصحيحها على أرض الواقع.
ومعلوم أنّ كل مجتمع مهما كان مستواه الثقافي والعلمي ففيه عناصر الخير والشرّ، فإذا ما تصدرت فئة خيّرة لقيادة المجتمع، فلا شك أنها ستُحرّك فيه مواطن الخير وعناصره حتى يبدو المجتمع كأنه كتلة من الخير، ولا يضيره أن يكون فيه بعض الشرّ. وعلى العكس من ذلك إنْ تصدرت فئة الشرّ، فإنها ستُحرّك فيه مواطنَه وعناصرَه، فيبدو المجتمع كأنه كتلة من الشرّ الذي لا يُرتجى صلاحه. والذين يُمسكون اليوم بزمام الأمور في العراق يعملون على تحريك مكامِن الشرّ وإظهارها في المجتمع عسى أن يضيع شرّهم وسوؤهم في زحمة مَن يُخرجونهم من أمثالهم.
وفي عراق اليوم ما أظنّ أنّ أحدًا - حتى المستفيدين من هذا الوضع وهم شِرذمة قليلون– يملك أن يقول: إنّ الفئة الحاكمة اليوم هي على شيء من الخير، بدليل ما وصلت إليه البلاد خلال الأعوام الثلاثة عشر المنصرمة.
والناس اليوم في شغل شاغل لا تُفكّر إلّا في أسباب البقاء على قيد الحياة، ولن يُدركوا حجم المصيبة التي حلّت بهم إلّا بعد أن يستفيقوا من سكرتها،فيكتشفون الثمن الباهض الذي ستدفعه الأجيال؛ لإصلاح ما أفسدته هذه الفئة.
وعَوْدًا للحديث على ملامح الجيل الذي سيتولّى القيادة في هذا البلد. فإنه لا يخفى على أحد أنّ البلد من الناحية العمليّة وبحكم الاحتلال الأمريكي والإيراني والموقف منهما قد انقسم إلى ثلاثة أقسام وفق الاعتبارات الدينية والقومية وما يتبعها من تقسيم جغرافي فرضه قانون الأعادي.
فلو أخذنا الواقع الجغرافي الجديد بشيء من التأمل فإنه سيعكس لنا هذا الانقسام الذي وصل إليه المجتمع في بقية مجالات الحياة،إذ صار لجنوب العراق ثقافته الدينية والاجتماعية والتعليمية، هذه الثقافة التي تقوم على مبدأ الثأر، ومراسم العزاء التي لا تكاد تنقطع، ووضع هذه المبادئ فوق كل اعتبار،وعليها تُعلّق أسباب الحياة والموت.
ويُقابل مَن يعيش في جنوب العراق مَن يعيش في شماله الذي لا يكاد يعرف من أواصر ارتباطه ببقية أجزاء الوطن إلّا ما يبعث فيه النّفرة ومحاولة الاستقلال والابتعاد عن كل ما يُذكّره أنه كان في يوم من الأيام ينتمي إلى هذا الوطن الكبير، بل وصل به الأمر إلى محاولة استبدال اللغة التي كانت عاملًا مشتركًا يجمع أبناء الوطن الواحد، والتي هي لغة دين يدّعي الجميعُ انتسابه إليه أكثرَ ممّا هي لغة أمة، فيحاول التخلّص منها واستبدال لغته القومية بها على وجه الاستبعاد وليس على وجه التعدّد؛ لِيُمكّن من أسباب الانفصال والاستقلال على المدى البعيد.
أما بقية أجزاء الوطن فهي تعيش حالة حرب مع الغزاة أحرقت الأخضر واليابس، ولا تكاد تهدأ حتى تُبعث من جديد، ومعلوم أنّ الحرب إذا ما قامت في بلد ما فإنها لا تُبقي ولا تذر، وليتها كانت الحرب فحسب، وإنّما رافق هذه الحرب ما أصاب أهلها من تهجير مرة بعد مرة حتى لا تكاد تُقلّهم أرض ولا تُظلهم سماء في هذا الوطن الكبير،وليست ويلات التهجير باقلّ سوءًا وضررًا من ويلات الحروب وعلى كافة المستويات.
لقد غابت ملامح الجيل القادم لأهل هذا المكوّن (السّنة) حتى ما عاد بالإمكان تخيُّلها،يُرافق ذلك العمل الدؤوب للفئة القابعة في سلطة المنطقة الخضراء لإقصاء أهل السنة ليس من الحياة السياسية والعسكرية فحسب بل من جميع نواح الحياة حتى يتحقق مرادهم من بناء جيل مصبوغ بصبغةٍ ليس لأهل السّنة فيها نصيب.
يقابل ذلك تقديم أبناء الطائفة الشيعية في جميع نواح الحياة التعليمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومحاولة اشغال جميع المناصب الحكومية والمدنية من أبناء هذه الطائفة.
وما عادَ أحد يجهل أنّ الفئة الحاكمة تنتهج سياسة التجهيل والإفقار تجاه أهل السنة في العراق. وهذه السّياسة تجاه أهل السنة تُقابلها سياسة من نوع آخر تجاه الشيعة ألا وهي سياسة التجهيل والتضليل الديني والتاريخي في جنوب العراق، وإن كان ظاهر الأمر أنّهم يعيشون حالة من الاستقرار الظاهر، لكن الحقيقة أنّ مَن يحكم هذه المناطق هي المليشيات الطائفية التي لن تُذيقها إلا نَكَد العيش وشَظفه على أيديها وأيدي ميلشيا الجار المرّ.
وفي ضوء هذا التقسيم الطائفي الذي ترتّب عليه التقسيم الجغرافي، انقسم التعليم العالي الذي هو مصنع القادة وموضع إعدادهم في الجامعات والمعاهد، فبدلًا من أن تنصهر جميع الثقافات في بوتقة التعليم العالي في ضمن حدود البلد العامّة صارت الجامعات تحمل الثقافة الجديدة لكل منطقة بحسب مَن يُسيطر عليها،فصار عندنا جامعات جنوب العراق، وجامعات شماله، وجامعات الوسط والغرب، أما جامعات الجنوب فقد صُبغت بالصبغة الدينيّة الني تحمل شعارات العزاء والموت والأخذ بالثأر من أبناء بقية المكوّنات الذين يُمثلون ثلثي المجتمع،ولنا أن نتخيّل العقلية والنفسية التي سيتخرج بها الطلاب في هذه الجامعات عندما ترتبط عقولهم بهذه الشعارات، وتحت ظل هذه الأجواء.
وأما جامعات شمال العراق فقد اتخذت لها منهجًا وثقافة خاصة تضعُف بها أواصر الارتباط بهذا الوطن، وتقوى فيها عوامل الاستقلال والانفصال عن بقية مكونات المجتمع، كما اتخذت من غير العربية لغة لها إلّا بالقدر المحدود الذي تقتضيه عوامل الدين والجوار، ولنا أن نتخيّل ما سيترتّب على ذلك من نتائج.
وأما جامعات المناطق السنيّة وهي الموصل والأنبار وصلاح الدين وديالى فقد أصبحت اسمًا بلا مسمى، إذ تشتت طلابها وأساتذتها بين المواقع البديلة هنا وهناك يستجدون اليوم واليومين من أيام العمل في بنايات دوائر المحافظات الحكومية الأخرى؛من أجل ظلّ سقف يأويهم؛ ولتسيير أمور الدراسة، ولو على نحو شكلي حتى لا تتعطل الميزانية ورواتب الموظفين.
أما قضية البعثات الدراسية إلى خارج البلد فما أحاط بها من إجحاف في تقسيم الطلاب طائفيًا، ونسبة تمثيلهم في هذه البعثات فحدّثْ ولا حرج، وما ذاك إلّا ليكون التعليم العالي في العراق بعد عقد من الزمن ذا صبغة واحدة لا شريك لها.
لقد أحدثت هذه الفئة الحاكمة في المجتمع العراقي شَرْخًا كبيرًا ، وبعُدت الشُّقَّة بين مكوناته، وسيحتاج العراقيون إلى قَدر كبير من العفو والمسامحة، والحلم والصبر، ليتجاوزا هذه المرحلة، ولإعادة ترميم ما أفسده الفاسدون.
مقال خاص بموقع الهيئة نت
