هيئة علماء المسلمين في العراق

الأثر وعاقبته/ د. عمر عبد الوهاب الراوي
الأثر وعاقبته/ د. عمر عبد الوهاب الراوي الأثر وعاقبته/ د. عمر عبد الوهاب الراوي

الأثر وعاقبته/ د. عمر عبد الوهاب الراوي

كثير من الناس يعتقد أنه إذا فارق الدنيا؛ فإنه قد انقطع عنها تماما، وأنه لا علاقة له بالأثر الذي تركه، سواء كان ذلك الأثر ولدا أو مالا أو مهنة أو أي شيء آخر، والحقيقة التي أثبتها القرآن الكريم أن الأثر الذي يتركه الإنسان يُكتب له أو عليه بحسب الوجهة التي وضعها لذلك الأثر، قال تعالى: (إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ)[ يس:12]، وقد أكدت السنة النبوية على ذلك فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) رواه مسلم.


فقد دلَّ الحديث على أن الأثر الحسن الذي يتركه الإنسان من صدقة أو علم نافع أو ولد صالح أو أيا من الأعمال الصالحة؛ فإنه سيُكتب له إلى قيام الساعة، وستكون عاقبته الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.


وقد نظم السيوطي في هذا الباب أبياتا فقال :


اذا مات ابن آدم ليس يجري         عليه من فعال غير عشرِ


 علومٌ بثها , ودعاء نَجْلِ         وغرس النخل , والصدقات تجري 


    وراثةٌ مصحفٍ , ورباط ثغر         وحفر البئر , أو اجراءُ نهرِ


     وبيتٌ للغريب بناه يأوي              إليه, أو بناءُ محلِ ذكر ِ


أما ما يتركه الإنسان من أعمال سيئة؛ فإنها ستكون وبالا عليه في الآخرة؛ لأن ما تركه من أثر سيء في الدنيا سيبقى يحمل وزره إلى يوم الدين.


وعليه لا بد لكل مسلم أن ينتبه إلى هذه المسألة، وأن يجتهد في زرع الأثر الصالح من بعده الذي ينفعه في الدنيا والآخرة.


ومن الواجب علينا أن نتفكر في من مضى ورحل إلى الدار الآخرة، وننظر في الأثر الذي تركه من بعده، وأثر ذلك الأثر على المجتمع من خير أو شر، وأن نقيس الأمور بميزان الشرع لا بميزان الهوى وشهوات النفس، ومن تلك الآثار:


-       إنسان ترك ذرية تحفظ كتاب الله عز وجل، وتؤدي فرائضه، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وآخر ترك ذرية انشغلت بالملهيات والمغريات، وضيعت فرائض الله تعالى، واستحلت ما حرم الله عز وجل.


-       إنسان بنى مسجدا لا يبتغي بذلك إلا مرضاة ربه، فصار مكانا للعبادة وقراءة القرآن الكريم، وإقامة الدورات العلمية، وآخر بنى ملهى أو مكانا  للمجون، أو محلا لبيع المشروبات الروحية.


-       رجل أقام مشروعا يبتغي منه كسب المال الحلال، والعمل بما يُرضي الله عز وجل، وآخر شيد مشروعا يهدف من خلاله تحصيل الأموال بطرق ربوية.


فبعد المقارنة في كلتا الحالتين، نجد أن لكل إنسان ما قدم من أثر إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.


وليست الآثار منحصرة على ما ذكرنا بل هي داخلة في كل عمل يقدمه الإنسان في حياته، ويستمر بعد موته، فكم خلّد التأريخ رجالا تركوا الأثر الحسن كالعلماء الذين ألفوا الكتب التي انتفعت بها الأمة، وما زالت تنهل من عطائها، فهي آثار تزيد في حسناتهم وترفع درجاتهم عند الله تعالى.


وكم من إنسان أغواه الشيطان من أصحاب الفن والغناء مات، وما زالت أعماله تعرض فهي تزيد من دركاته في نار جهنم.


من أجل ذلك وجب علينا أن نعرف أهمية الأثر وعاقبته، وأن لا نستهين بأي عمل نقدمه في حياتنا، فربما التقط شخص صورة أو رسم منظرا سيئا استهان به في حياته، فأُعجب به كثير من الناس وتوارثوه جيلا عن جيل، حتى كان هذا المُستهان به سببا في دخوله إلى الجحيم.


قسم الدعوة والإرشاد في هيئة علماء المسلمين


 مقال خاص بموقع    الهيئة نت    


 


أضف تعليق