في التجارب التاريخية القديمة والمتوسطة والحديثة، تكون هناك أحداث معينة لها تأثيرات إستراتيجية أو مفصلية، وأخرى ذات تأثير تكتيكي أو مؤقت، والأمر هنا لا يتصل بحجم الحدث، فربما يكون حدث صغيراً أو متوسطاً من النوع الأول، وحدثاً كبيراً من النوع الثاني.
ولا شك أن عمليات من نوع " الوهم المتبدد" التي قام فيها الفلسطينيون "حماس – لجان المقاومة الشعبية – جيش الإسلام" بعملية نوعية ضد الجيش الصهيوني انتهت بقتل جنود هذا الجيش وأسر الجندي "جلعاد شاليت" كانت من هذا النوع المحوري. ما حدث بعد تلك العملية كان تصعيداً خطيراً له أسبابه بالطبع، ولكن الأسباب الحقيقية الكامنة، كانت هنا أهم وكذا النتائج المترتبة.
منذ تلك العملية قامت إسرائيل بعدوان واسع النطاق على غزة "عملية أمطار الصيف" استهدفت فيه إسرائيل كل شيء من مرافق وطرق ومدارس ومبانٍ حكومية واستخدمت فيه كل الأسلحة.
بعد ذلك قام حزب الله بعملية "الوعد الصادق" التي تم فيها قتل عدد من جنود العدو الصهيوني في مزارع شبعا المحتلة وأسر جنديين. وترتب على ذلك تنفيذ العدوان الصهيوني الواسع النطاق على لبنان "عملية الثمن الرادع".
وإذا قرأنا الأسباب الصحيحة والمزعومة لكل تلك الأحداث نجد أنه من الجانب الإسرائيلي هناك اتهام مباشر لأطراف إقليمية بأنها كانت وراء التصعيد أو عمليات حماس ثم حزب الله ! - وعلى رأس تلك الأطراف سوريا- وأنها أي إسرائيل قامت بالعدوان واسع النطاق على غزة وعلى لبنان كنوع من الانتقام ولفك أسر الجندي المخطوف في غزة، والآخريْن المخطوفيْن في مزارع شبعا. وبديهي أن تلك الذرائع لا تنطلي على أحد، فمن ناحية إن الكثير من عمليات خطف وأسر الجنود تمت من قبل المقاومة الفلسطينية، وكذا من قبل حزب الله، وكان يتم تبادلهم كأسرى مع عدد من المسجونين والأسرى الفلسطينيين أو اللبنانيين أو العرب، ولم يكن ذلك أمراً غريباً ولا عجيباً بالنسبة لإسرائيل خاصة مع حزب الله، بل إن إسرائيل هي التي كانت تسعى إليه بالأساس، وكذا فإن الهجوم واسع النطاق الذي تم عقب كل حالة لن يؤدي بالضرورة إلى الإفراج عن الأسرى، بل ربما يؤدي إلى قتلهم في حالة عدم التمكن من استمرار إخضاعهم، وفضلاً عن ذلك فإن من المعروف في العلوم العسكرية والعمليات من هذا النوع أنها تتم بناء على تحديد موقع تواجد هؤلاء الأسرى، ثم تنفيذ عملية من العمليات الخاصة لتحريرهم، وهذا لم يحدث أصلاً، ولكن الذي حدث أنه في حالة "أمطار الصيف ضد غزة" و "الثمن الرادع ضد لبنان" فإن المستهدف أولاً كان المدنيين، وثانياً الجسور والطرق ومرافق المياه والكهرباء ثم مراكز حكومية في غزة أو مبان تابعة لحزب الله في لبنان، وبديهي أن ذلك الأسلوب يستهدف أهدافاً أخرى.
ونلاحظ في هذا الصدد أن إسرائيل نفذت عمليات مباشرة ومذابح ضد المدنيين في رفح، وفي "مروحين" وفي قنا وبنت جبيل وغيرها من قرى ومدن جنوب لبنان ، وأنها قصفت محطات توليد الكهرباء وخزانات الماء والجسور والطرق، أي تصعيب حياة الناس وقتلهم لدفعهم للتململ من حركات المقاومة والمطالبة بتصفيتها، في نفس الوقت استهداف رموز وعناصر ومبانٍ ومؤسسات تلك الحركات، وكذا عملية حصار شامل عليها - نلاحظ هنا ضرب كل الجسور والطرق التي تربط لبنان بسوريا -، وضرب المطار الدولي عدة مرات لقطع الاتصال بين سوريا ولبنان لحصار لبنان عسكرياً واقتصادياً، ويدخل في هذا النطاق ضرب الموانئ اللبنانية والحصار الجوي والبحري .
وفي الحقيقة فإن استهداف المقاومة للتصفية هدف إسرائيلي ثابت، ولكنه أخذ في الآونة الأخيرة بعداً إستراتيجياً خاصاً، بل ووحيداً لدى السياسة الإسرائيلية، ففي تقرير إستراتيجي استخباراتي قدمه الجنرال (ايلياهو فركشن) رئيس جناح الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تناول التهديدات الإستراتيجية التي يواجهها الكيان الصهيوني في السنوات القادمة، ونشره الباحث الفلسطيني حلمي الزعبي مدير مركز الدار العربية للدراسات والنشر، فإن إسرائيل ترى أن خطر الحرب التقليدية عليها من دول وحكومات عربية قد انتهى، أو أصبح بلا قيمة، وأنه في هذه الحالة – مع استبعادها جداً – فإن إسرائيل قادرة على حسم المعركة بسهولة ويسر، وأن الخطر الحقيقي على إسرائيل هو في حركات المقاومة الأصولية الإسلامية، التي يرى التقرير أن الولايات المتحدة الأمريكية قد اخفقت في القضاء عليها، وأن الحرب الأمريكية ضد الإرهاب تتراجع، بل إن حماس الجمهور الأمريكي ومن ثم الإدارة الأمريكية في هذا الصدد سوف يتراجع، وبما أن تلك الحركات تمثل خطراً شديداً على إسرائيل فإن على إسرائيل أن تقوم بنفسها بالمهمة، وأن ذلك ينبغي أن يكون سريعا قبل فوات الأوان، بمعنى أن يكون ذلك قبل الانسحاب الأمريكي من العراق، وقبل خفوت حماس الولايات المتحدة للحرب على الإرهاب.
وهكذا فإن الخطط تم وضعها بالفعل، لقتل وأسر وزراء حماس ونواب حماس، وضرب كل ما هو حمساوي عسكرياً واقتصادياً، بالإضافة طبعاً إلى كل حركات المقاومة "الجهاد – لجان المقاومة الشعبية . . . الخ". وهذه الخطط وضعت في عهد الوزير "موفاز" وزير الدفاع السابق، وجاءت اللحظة المناسبة لتنفيذ ذلك.
فبالنسبة لحزب الله، فإن هناك القرار 1559 الذي يقضي بنزع سلاح حزب الله، وبالفعل حصلت إسرائيل على تأييد مباشر وواضح من الولايات المتحدة الأمريكية،
ولكن الأمور لا تجري على هوى أمريكا وإسرائيل، فالحقيقة أن المقاومة اللبنانية على الرغم من الظروف الصعبة إقليمياً ودولياً، فإنها لو خرجت سالمةً من هذه المعركة فإن مستقبل إسرائيل ذاته في خطر، ومستقبل المنطقة كلها ستطاله تغييرات إستراتيجية، فالتصعيد بهذه الطريقة، ونجاح المقاومة في ضرب مدن إسرائيلية مثل طبرية وصفد ونهاريا وحيفا، وضرب سفن حربية، والتصدي بكفاءة للهجوم البري، كل ذلك يعني أن المقاومة تثق في نفسها وقدرتها على الصمود في ظل خروج سوريا من لبنان، وفي ظل ظرف دولي وإقليمي غير موات، وهذا معناه نوع من التحصين المستقبلي للمقاومة العربية، وهو أيضاً رسالة سورية أن لها من الأوراق القوية داخل لبنان وفلسطين ما لا يسمح بحصارها أو إذلالها .
والحقيقة أن إخفاق إسرائيل في تصفية المقاومة الفلسطينية واللبنانية ، ومن قبل إخفاق أمريكا في تصفية المقاومة العراقية أو الأفغانية، أوإخفاقها في حربها على الإرهاب ، يعني أن العالم كله على مفترق طرق، وتحديداً إسرائيل على مفترق طرق، فقد نجحت حركات مقاومة مثل حماس وحلفائها في حفر نفق طوله (400) متراً، والوصول إلى مواقع عسكرية صهيونية في " كفر سالم " وقتل وأسر جنود صهاينة ثم العودة بالأسير، وهذا يعني إخفاقا إسرائيليا استخباراتيا وعسكريا ، ويعني أن الذراع النفسي للإسرائيليين في الحماية من المقاومة قد سقط "نعني الجيش الصهيوني"، بل في ظل المقاومة اللبنانية أصبحت إسرائيل مستهدفة – في المدن بسلاح الكاتيوشا أو العمليات الاستشهادية، وفي المواقع العسكرية بالعمليات النوعية -، ومع ذلك فإنها لم تنجح على الرغم من حملتها العسكرية الواسعة النطاق في تصفية المقاومة، أي أن المواطن الإسرائيلي سيشعر وبقوة أنه لم يعد آمناً، وحتى الجندي الصهيوني نفسه لم يعد آمناً في مواقعه العسكرية، وهذا يعني ببساطة نسف فكرة الصهيونية ذاتها التي قامت على فكرة إقامة مكان آمن يعيش فيه اليهود بعد شعورهم بالاضطهاد الطويل في أوروبا، ولا شك أن إسرائيل الآن بعد ضرب حيفا بالصواريخ وبعد عمليتي الوهم المتبدّد، والوعد الصادق أصبحت أقل الأماكن في العالم أماناً بالنسبة لليهودي.
وكالات
مستقبل إسرائيل في خطر - د. محمد مورو
