هيئة علماء المسلمين في العراق

الإحصاء العام في آخر العام / د. بشار النعيمي
الإحصاء العام في آخر العام / د. بشار النعيمي الإحصاء العام في آخر العام / د. بشار النعيمي

الإحصاء العام في آخر العام / د. بشار النعيمي

إنّ نهاية كلّ عام يمرّ على المرء في حياته تشكل نقطة تحوّل يقف عندها ليرى حصاد عمله في عامه الماضي، وهذه سنة جارية بين الناس وواقعة في حياتهم، فالتاجر مثلاً يجعل له في نهاية العام جرداً شاملاً لميزانيته المالية، فيحصي المدخلات والمخرجات ثم يخرج بنتيجة نهائية يرى فيها ثمرة عمل عام كامل من السعي والبذل، وهكذا يفعل بقية الناس في كل المجالات، عملية كانت أو علمية، فيشمل ذلك الطلبة في دراستهم إذ تمثل نهاية العام الدراسي نقطة التحول السنوية في حياتهم، فإما التحول نحو الأمام بتفوق وإقدام، وإما البقاء في المكان ذاته بتراجع واستسلام.


إنّ هذا الإحصاء السنوي يجعل الإنسان يفيد من حياته، فمن خلال هذا الإحصاء والجرد السنوي يرى آثاراً إيجابية قد عادت عليه بالنفع الكبير والخير الكثير، فيعمل على استثمارها وزيادتها، ويرى أيضاً آثاراً سلبية قد عادت عليه بالضرر، أو أذهبت عنه فرصاً ذهبية للنجاح؛ فيجتنب تلك الأسباب التي كانت الآثار السلبية نتيجة لها، ويسعىبكل جهده وطاقته لاغتنام الأسباب التي كانت وراء نجاحه ورقيّه فيها.


هذه صورة مصغرة تحكي واقع حال الناس في سعيهم، وتلقي الضوء على واقعهم المُعاش في الحياة، كما تظهر في الوقت ذاته أهمية وضرورة الإحصاء السنوي لأعمالهم؛ وهذا كله واقع في متعلقات كلها تخص حياتهم الدنيوية وكيفيات العيش فيها، وحياة الآخرة هي الأولى بالإعداد لها، وإحصاء الأعمال ومتابعتها لأجل السعادة فيها، وقد نبّه الإسلام على ضرورة تطبيق هذا الإحصاء والجرد السنوي على أفعال المسلم وسلوكياته في دار الدنيا، وجاء هذا التنبيه في القرآن الكريم بأشكال تقرع القلوب، وتهز النفوس، وتخضع العقول السليمة لتلبية ندائها والاستجابة لها،منها قول الله تعالى: (( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا # اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا )) [سورة الإسراء: الآيتان 13، 14]، فكلمات القرآن الكريمة هذه تحض الإنسان على المبادرة بمحاسبة نفسه، وتدارك أخطائه؛ لأن اليوم عمل ولا حساب، ولكن غداً يوم القيامة سيكون حساب ولا عمل، وفي ذلك يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّامَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[رواه مسلم بالرقم: 1016] .. فهذا البيان النبوي يحرك قلب المسلم نحو ضرورة محاسبة النفس، وإقامة الإحصاء المستمر للأعمال؛ لأنه أدعى لإصلاح الخلل، وتدارك الزلل، والأنفع في تكثير العمل مهما كان قليلاً وصغيراً.


إنّ الأعوام تمر على الناس عاماً تلو العام، وكثير منهم في غفلة عن إحصاء مجمل     أعمالهم، ومحاسبة أنفسهم على ما قدموا في عامهم المنصرم، وهذه الغفلة عن هذا الإحصاء المهم لها تأثيران سلبيان: أحدهما أنها حجبت عن المسلم مشاهدة سلبيات أعماله وأخطائه في عامه الماضي، وذلك قد يجعلها تقع تارة أخرى في عامه القادم بسبب غفلته تلك؛ والتأثير الثاني أنها أخفت عنه أعمالاً إيجابية عادت عليه بنفع كبير في الدنيا وخير كثير في الآخرة، ولولا تلك الغفلة عن الإحصاء لكان اغتنامه لها بوجوهٍ أخرى هي أكثر عطاءً وأشد إثماراً لزيادة مساحة تلك الآثار الإيجابية التي نالها بأعماله الطيبة في عامه الماضي.


لقد سار سلف الأمة على منهج الإحصاء هذا فكانت أعمالهم تنمو وتثمر ثماراً يتذوقون منها حلاوة الإيمان والأعمال الصالحة، ومن أمثلة محاسبة السلف لأنفسهم ما ذكره الإمام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد عن الفاروق عمر (رضي الله عنه) إذ قال: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم غداً في الحساب أن تحاسبوها ... "، وقال الحسن البصري رضي الله عنه:" المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها، وإنما خف الحساب على أقوام لأنهم كانوا يحاسبون أنفسهم في الدنيا، وإنما شقّ الحساب على أقوام لأنهم لم يأخذوا هذا الأمر بالجِدّ، ولم يكونوا يحاسبون أنفسهم "، فهذا شأن سلف الأمة في إحصاء الأعمال، ومحاسبة النفس، ولن يصلح خلف الأمة إلا بما صلح به سلفها.. فليلزم المسلم سبيل الإحصاء السنوي هذا؛ لأنّ فيه مفاتيح سعادته في الدنيا، ونجاته في الآخرة.


مقال خاص بموقع    الهيئة نت    


 


أضف تعليق