أكّد الأمين العام لهيئة علماء المسلمين؛ الدكتور مثنى حارث الضاري؛ أن الهيئة ـ ومنذ بدء الاحتلال ـ توثق ما يجري في العراق من جرائم، وأن موقفها الرئيس هو التصدي للاحتلال الأمريكي وآثاره.
وتناول الدكتور الضاري في أثناء لقاء مطوّل أجرته معه قناة الثورة الفضائية مساء أمس الأربعاء الموافق للعشرين من كانون الثاني/يناير 2016؛ جوانب متعددة تتعلق بالمشهد العراقي ونظرة الهيئة لواقع المأساة التي يعيشها العراقيون، وسبل الحل التي تراها ناجعة في هذا المجال.
كما تطرق الأمين العام إلى قضايا تاريخية تتعلق بتأسيس الهيئة وأعضائها وفروعها وكاتبها، فضلاً عن أهدافها ووسائلها في مناهضة الاحتلال والعملية السياسية، موضحًا تفاصيل مشروع العراق الجامع الذي تجري الهيئة اللمسات الأخيرة لتدشين مرحلته الثانية، فضلاً عن تناول المؤتمر العام الثاني الذي عقد مطلع الشهر وما نتج عنه.
وفيما يأتي نص الحوار:
تأسيس الهيئة وأهدافها:
* الثورة: من هي هيئة علماء المسلمين؟ وما هو الدور المنوط بها؟
ـ الأمين العام: هيئة علماء المسلمين كيان يضم العديد من العلماء وطلبة العلم الشرعي، وأئمة وخطباء المساجد في العراق الذين اجتمعوا بعد الاحتلال وأنشأوا هذا الكيان، من أجل المحافظة على مقدرات العراق والعراقيين في وقتها وتفادي الآثار السلبية والسيئة والمأساوية للاحتلال في حينها.
وتأسست الهيئة بشكل رسمي في الرابع عشر من نيسان 2003، وضمت عددًا كبيرًا من العلماء في بغداد والمحافظات العراقية، وكان هدفها الأساس هو جمع الجهود من أجل تخفيف الآثار الضارة التي نشأت بسبب الاحتلال.
ثم بعد أن دخل الاحتلال في مرحلة بناء العملية السياسية من خلال ما سُمّي في وقتها "مجلس الحكم الانتقالي"؛ رأت الهيئة أن الساحة السياسية خالية من القوى السياسية التي يمكن أن تقف بوجه هذا الاحتلال وتناهضه وتطالب بحقوق الشعب العراقي، فانبرت للعمل في المجال السياسي أيضًا وما يصحب هذا العمل من أعمال إعلامية وجوانب حقوقية وجوانب قانونية وما إلى ذلك، واستمرت على هذه الوتيرة منذ ذلك الحين، وهي في إطارها العام تعمل من أجل تحقيق أهداف؛ الهدف الأول والرئيس لها هو تحرير العراق والمحافظة على وحدته وسيادته وحريّته ومقدراته وهويته العربية والإسلامية.
وللهيئة أهداف جزئية تنضوي في ظل هذا الهدف، تحققها من خلال مجلس شورى يضم الآن مائة وخمسة عشر عضوًا، وأمانة عامة تضم خمسة عشر عضوًا ، ولها اثنا عشر قسمًا؛ القسم السياسي، وقسم العلاقات، والقسم العلمي، وقسم الدعوة والإرشاد، وقسم الإعلام، وقسم الفتوى، وقسم حقوق الإنسان، وقسم الفروع، والقسم الإداري، فضلاً عن أقسام أخرى تحاول ان تغطي مناشط الحياة العراقية، ولعل من أبرز الأمور التي تقوم الهيئة بها الآن ـ فضلاً عن العمل السياسي والإعلامي والحقوقي والقانوني ـ هو النشاط في المجال الإغاثي من خلال القسم الإغاثي في الهيئة والقسم الاجتماعي أيضًا.
فالهيئة تحاول أن تقوم بدورها لتخفيف معاناة العراقيين جميعًا من الآثار المأساوية للاحتلال، وهناك شرح وتفصيل لهذا الوصف من خلال الإصدارات والبيانات التي أصدرتها الهيئة طيلة السنوات الماضية.
* الثورة: من الإسم ـ دكتور ـ هيئة علماء المسلمين؛ هل هذا يدل على أن جميع منتسبيها هم من العلماء وطلاب العلم الشرعي فقط؟ ام أنها مفتوحة لجميع العراقيين؟
ـ الأمين العام: الهيئة منذ نشأتها في البداية كانت تنظر إلى إطار أنها تضم العلماء وطلبة العلم الشرعي تحديدًا، لأن الهدف كان في البداية تفعيل هذه الشريحة المهمة من شرائح المجتمع، فبعد انهيار مؤسسات الدولة بعد الاحتلال مباشرة أصبح العراقيون والعراق نهبًا للاحتلال ومن جاء مع الاحتلال، ولم تستطع أي جهة في ذلك الوقت أن تقوم بواجبها تجاه العراقيين؛ فانبرى أئمة وخطباء المساجد، والعلماء وطلبة العلم الشرعي للقيام بواجبهم من خلال المساجد التي يعملون فيها، وكما هو معروف فإن الإمام والخطيب وطالب العلم الشرعي له دور كبير في المجتمع.. فكانت الفكرة في البداية بهذا الإطار، ولكن عندما تطورت هذه الفكرة بدأ الأداء يتناول جوانب أخرى، ومنها أمور لا تناط ـ عادة ـ بطلبة العلم الشرعي أو العلماء كما هو متعارف ـ وإن كان الأصل والصحيح أن العالم وطالب العلم الشرعي ينبغي أن يُلم بالأمرين الديني والدنيوي ـ لذلك سعت الهيئة إلى نوع من المزاوجة، ففتحت باب المؤازرة للأعضاء المؤازرين من كل الاختصاصات، فضلاً عن ذلك؛ في أقسامها وإدارات أقسامها ومؤسساتها العاملة ضمن جسم الهيئة أو حولها ضمن المنظومة التي تعمل معها تدخل كل الاختصاصات، وهناك رؤساء أقسام في الهيئة ليسوا من طلبة العلم الشرعي، منهم أطباء ومنهم غير ذلك.
- نشاط الهيئة:
* الثورة: أين يتركز نشاط عمل الهيئة وأين مكاتبها؟ هل هي داخل العراق أم خارجه؟ أم في المكانين معًا؟
ـ الأمين العام: في الداخل والخارج؛ عندما نشأت الهيئة كان لها أكثر من ثمانية عشر فرعًا في داخل العراق، ووصلت في مرحلة ما إلى أكثر من عشرين فرعًا، ولكن بسبب موقفها الواضح والصريح من الاحتلال، ودعم المقاومة في ذلك الوقت؛ تعرّضت لهجمات كثيرة واتُّهِمَت بالإرهاب من قبل حكومات الاحتلال؛ لذلك قلّ عدد هذه الفروع بسبب المتابعة الأمنية الشديدة، وأقفِل قسم منها بالقوة، ومنها مقرها العام في جامع أم القرى ببغداد أقفِل في عام 2007 من قبل السلطات المعنية في ذلك الوقت.. ولذلك نشطت الهيئة في الخارج من خلال مكاتب عديدة في عدد من الدول العربية، ولكن فيما يخص الجسم الأكبر من الهيئة أستطيع القول الآن أن 90% من أعضاء مجلس الشورى هم داخل العراق، فضلاً عن ذلك فإن هناك إلى الآن حوالي عشرة فروع في الداخل تعمل ولكن ضمن مسميات أخرى وإطلاقات عامة، أو تعمل بأسمائها الصريحة ولكن دون التواجد في مقر محدد لأنه يستحيل ذلك.. ومع ذلك يقوم أعضاء الهيئة من الأعضاء العاملين وأعضاء مجلس الشورى بدورهم رغم كل هذه الصعوبات، ويطلقون حملات إغاثية ونشاطات اجتماعية وأدوار ثقافية ودعوية وإعلامية وسياسية، وهم يتحملون كثيرًا من المخاطر بسبب ذلك.
- مجال عمل الهيئة:
* الثورة: هيئة علماء المسلمين، معظمها من أهل السُّنّة؛ فهل نشاطاتكم موجودة في داخل المناطق أو المحاظفات السُّنّيّة فقط؟ أم في باقي المحافظات أيضًا؟
ـ الأمين العام: الأصل في الهيئة أنها لجميع العراقيين وإن كان أعضاؤها من السُّنّة، فإنها فتحت أبوابها منذ البداية واحتوت الجميع، ولذلك اسمها واضح وصريح (هيئة علماء المسلمين في العراق) وهي ليست فقط للمسلمين في العراق، وإنّما لكل العراقيين، ومن أجل ذلك قلنا بأن الهيئة هي الإطار الخاص الذي ننشط فيه، وفتحنا مجال العلاقات مع الأطر الأخرى سواء كانت أطرًا عرقية أو مذهبية أو إثنية، وجمعنا كل هذه القوى في إطار (القوى المناهضة للاحتلال) ونشطنا منذ عام 2004 في إطار ما كان يسمى في وقتها بالمؤتمر التأسيسي العراقي المناهض للاحتلال، والذي جمع كل الأطياف العراقية.. فمجال عملنا يمتد من شمال العراق إلى جنوبه ولا نقصّر في أي مساعدة في أي محافظة من المحافظات العراقية، ولكن بسبب الظروف التي نعيشها؛ فإن جهدنا الآن ـ في الغالب ـ في المحافظات التي يُطلق عليها المحافظات السُّنّيّة.
- علاقة الهيئة مع الوقف السُّنّي:
* الثورة: ما الفرق بين هيئة علماء المسلمين والقف السني؟ وهل هناك تعاون بين الجهتين؟
ـ الأمين العام: هناك فرق كبير، لأن دائرة الوقف السنّي دائرة حكومية؛ وظيفتها الأساسية أن تشرف على المساجد في العراق وأن تقوم بتيسير أمورها وتوفير المستلزمات اللازمة لعملها.
* الثورة: لكنها قامت بالعديد من الأدوار السياسية في الفترة الأخيرة؟
ـ الأمين العام: بالضبط؛ فهي تابعة أساسًا كنظام إداري للحكومة، ومن هنا فإن أداءها وعملها يختلف تمامًا عن عمل الهيئة، فضلاً عن ذلك فإن الوقف السنّي أُريد له في فترة من الفترات أن يكون ممثلاً للسنّة في العراق بإطار التقسيم الطائفي والعرقي؛ فأنيطت بها مهمات سياسية وإن لم يُصرّح بها لكنها قامت بهذا الدور في مراحل متعددة، ومن هنا كان دورها يختلف تمامًا عن الدور الذي تقوم به الهيئة، فالهيئة تناهض الاحتلال وما نتج عنه وفي مقدمة ذلك العملية السياسية وما نشأ عنها، أمّا ديوان الوقف السنّي فهو ملتزم بهذه العملية السياسية ويعمل في إطارها، فشتان بين عملنا وعمل ديوان الوقف منذ تأسيسه إلى الآن..
وبهذه المناسبة أقول بكل وضوح؛ بأن الأصل في ديوان الوقف السُّنّي أن يكون مؤسسة خدمية وإداربة تقوم بكثير من الأعمال والأعباء التي تناط بنا الآن وتفرغ نحن لأعمالنا السياسية والإعلامية والحقوقية، ولكن واقع الحال ـ للأسف ـ أن هذا لم يحصل، بل أصبحت هذه الدائرة ـ على مختلف الأدوار التي مرت بها منذ الاحتلال إلى الآن ـ أصبحت عبئًا على أهل السُّنّة أمثر من أن تكون عونًا لهم.
* ىالثورة: نفهم من ذلك أنه لا يوجد تعاون أو تواصل بينكم وبين ديوان الوقف السنّي؟
ـ الأمين العام: التعاون في هذا الإطار ـ بمعنى أنه نتعاون من أجل هدف واحد ـ أعتقد أن اختلاف الوصف الذي ذكرته قبل قليل يمنع من هذا، لأن الهدف الذي أنشأت من أجله الهيئة وتعمل به، غير الهدف الذي أنشأ لأجله ديوان الوقف السني، ولكن هناك تداخل؛ لأن ديوان الوقف السنّي يرعى شؤون طلبة العلم الشرعي والأئمة والخطباء، وهؤلاء هم مادة الهيئة، وكثير من أعضاء الهيئة يعملون إداريًا ضمن ديوان الوقف السنّي، كأئمة وخطباء وأستاذة جامعات ورؤساء للأقسام في الكلية التابعة للديوان، فإذن كعمل إداري هم منضوون ضمن الوقف، وهذا عملهم ويحاولون أن يوفقوا ما استطاعوا بين عملهم الوظيفي وعملهم الآخر في هيئة علماء المسلمين،فالتعاون في هذا الإطار كأعضاء للهيئة يعملون هنا وينشطون هنا؛ موجود، أمّا كديوان وقف فلا يوجد.
- المؤتمر العام الثاني لهيئة علماء المسلمين:
* الثورة: عقدتم في الفترة الأخيرة المؤتمر العام الثاني في العاصمة الأردنية عمّان؛ ما دلالات مثل هذه الخطوة وما النتائج التي خرج بها المؤتمر؟وما هي دلالات انعقاد المؤتمر في هذا الوقت؟
ـ الأمين العام: هيئة علماء المسلمين عقدت مؤتمرها العام الأول في 2008 في دمشق، ولم تُتح لها الفرصة طيلة السنوات الماضية في عقد مؤتمرها الثاني بسبب الصعوبات المعروفة، والحمد لله نجحت أخيرًا في عقده في العاصمة الأردنيّة عمّان، وحضره ما يقرب من ثمانين من أعضاء مجلس الشورى في الهيئة من داخل العراق وخارجه، وكان عقده في هذه المرحلة ضروريًا جدًا؛ نظرًا للتوسعة الكبيرة في مجلس الشورى، وللنظر في نشاطات الأقسام والفروع طيلة المرحلة الماضية؛ هذا من جانب إداري، أما من الجوانب الأخرى؛ فإن عقد مؤتمر عام للهيئة في ظل الظروف الصعبة التي يمر فيها العراق وما يتعرض له أهله من معاناة؛ له دلالة مهمة على وجود قوى حية ما زالت إلى الآن مؤمنة بخطها الثابت في مقاومة الاحتلال ومناهضته، وأردنا أن نوصل رسالة لجميع العراقيين وإخوتنا العرب والمسلمين؛ بأنه الأمور في العراق ما زالت على ما كانت عليه منذ سنوات، وأنه لا بد من الالتفات والانتباه إلى المأساة العراقية، وهذا الدور مناط بالهيئة والقوى الخيّرة والحيّة الوطنية والشخصيات المستقلة من العراقيين الناشطين في هذا الإطار، فأردنا أن نجمع هؤلاء جميعًا من خلال جلسة افتتاحية نوصل فيها هذه الرسائل للجميع، وأيضًا فإن شعبنا في العراق بحاجة إلى رسائل طمأنينة تبعث فيه الأمل بتغيير الواقع المأساوي الذي يعيشوه، فضلاً عن ذلك؛ فقد كان المؤتمر فرصة مهمة لإعلان انطلاق المرحلة الثانية من مشروع العراق الجامع الذي أعلنت الهيئة عنه في الخامس عشر من شهر آب الماضي.
- أحداث محافظة ديالى:
* الثورة: طغى على الإعلام في الفترة الأخيرة ما يحدث في محافظة ديالى، وتحديدًا في المقدادية، فما حقيقة ما يحصل هناك؟
ـ الأمين العام: لكي تكون الصورة واضحة لما يجري في ديالى والمقدادية الآن؛ ينبغي أن نعرف خلفية الأحداث، فديالى هي محافظة عراقية تقع على الحدود الإيرانية، وهي أقرب المحافظات إلى بغداد، وتشكل خاصرة العراق الرخوة في مقابل إيران، وهناك سعي متواصل من النظام الإيراني، فضلاً عن الأحزاب التابعة له ـ الأحزاب الدينية الطائفية ـ للهيمنة على ديالى، ومحاولة إحداث تغيير ديموغرافي فيها من خلال إخراج أهلها منها وإحلال جهات أخرى.
هذا العمل ليس جديدًا فهو مستمر منذ سنوات، والمشهد السياسي والأمني والإنساني كلّه في ديالى ـ وإن كانت المحافظ غالبًا يكون بهذا التوصيف (سُنيًّا) ـ تهيمن عليها الميليشيات الطائفية التابعة لأحزاب معروفة وداخلة في العملية السياسية وجزء أساسي فيها، فما يجري في ديالى؛ هو همينة إحدى هذه الميليشيات المعروفة بـ"منظمة بدر" والتي يرأسها هادي العامري، وهو كما معروف كان من "المجلس الأعلى" ثم انضم إلى "حزب الدعوة" جناح المالكي.. هذه المنظمة تقوم بهذه الأعمال الطائفية منذ سنوات في ديالى، ولكن لا تُسلّط عليها الأضواء والعالم منصرف عنها رغم الكثير من التقارير التي تتحدث عن هذا الموضوع، سواء كانت هذه التقارير من الهيئة أو من جهات عراقية أخرى أو من جهات دولية.
شهدت ديالى في السنة الماضية ـ بعد الثورة الشعبية التي قامت بها المحافظات المنتفضة ـ عملية تصفية كبيرة لسكّانها، وتهجيرًا وتحريقًا للمزارع والبساتين وتجريفًا للأراضي، وهدمًا للبيوت، فهاجر كثير من أهلها ونزحوا إلى خارج العراق أو داخله في محافظات شمال البلاد.
طيلة الأشهر الثلاثة الماضية؛ كان هناك حديث عن عودة هؤلاء المواطنين إلى بعض مدنهم، وما جرى الآن في المقدادية كان محاولة لمنع هؤلاء والحيلولة دون عودتهم، لأن سُكّان المقدادية ـ تحديدًا ـ لم يخرج قسمهم الأكبر منها، والمقدادية هي ثاني أكبر مدينة في ديالى، وتقع شمال شرق بعقوبة مركز المحافظة، وكان لها دور كبير جدًا في مقاومة الاحتلال الأمريكي وآثاره وتبعاته، وهي تشكل مفرق طرق وعصبة مهمة في تلك المنطقة؛ ولذلك تُستهدف من أجل إجبار أهلها أيضًا على النزوح منها والرحيل عنها.
هذه هي الخلفية التي جرّت إلى الأحداث الحالية في المدينة.
أمّا ما جرى في المقدادية مؤخرًا؛ فقد وقع حادث تفجير في أحد المقاهي بالحي العصري من المدينة ـ وبالمناسبة هو حي غالبيته من السُّنّة ـ فاتخذت الميليشيات من هذا الحادث ذريعة لتصفية الوجود السُّنّي في المدينة، وقامت بمهاجمة المساجد وإحراقها وتدمير بعضها وقتل كثير من أهالي المدينة من الشباب تحديدًا، من خلال عمليات اختطاف منظم وتغييب.
الحكومة لم تقم بأي أمر ذي بال في هذا الصدد، لماذا؟ لأن هذه الميليشيات هي أساسًا مرتبطة بالنظام السياسي القائم في العراق، وهذه الحكومة تعلم تمامًا أنها لا تقوى على الوقوف بوجه هذه الميليشيات، فضلاً عن ذلك؛ لا توجد رغبة حقيقية لدى الحكومة للوقوف بوجهها لأنها تحقق أهدافًا قد لا تكون معلنة للنظام السياسي الموجود الآن في العراق، ولذلك حصلت عملية تواطؤ مكشوفة وظاهرة للعراقيين جميعًا، وبذلك تنكشف للعالم بأن الميليشيات المدعومة رسميًا والمعترف بها والتي تنشط في إطار ما يُسمّى بـ"الحشد الشعبي" وهو حشد طائفي تم تأسيسه بناء على "فتوى" من مرجعية النجف، فإذن كل هذا الأمر دُبّر بنهار وليس بليل، وهناك مخططات له، وهناك إقصاء لكل الجهات الفاعلة في ديالى، والأمر مرشح للتطور.
* الثورة: معنا مقطع فيديو يوضح معاناة الأهالي في محافظة ديالى وخاصة في المقدادية .. فما تعليقكم ؟
ـ الأمين العام: هذا المقطع قديم، وليس مرتبطًا بأحداث المقدادية، ولكنه شاهد على قلناه قبل قليل؛ فهذه المجازر والمآسي تحصل في ديالى وغيرها من محافظات العراق؛ وقد حدث هذا في حزام بغداد، وحصل في جرف الصخر، وحدث في الفلوجة والرمادي، وحصل في تكريت، وفي بيجي وجلولاء والسعدية، ومدن كثيرة بالعراق؛ وهذا المشهد هو غيظ من فيض؛ فهناك مئات المشاهد من هذا القبيل التي ظهرت بصورة أو بأخرى إلى العلن، وأما ما لم يظهر فكثير جدًا.
لاحظ هذه الوحشية؛ قتل ثم تمثيل بالجثث ثم تعليق ثم تصوير بدم بارد جدًا جدًا جدًا، والتباهي بذلك والتفاخر به، ولا أحد يتكلم ويقول هذه أعمال إرهابية أو منافية لحقوق الإنسان أو ما إلى ذلك؛ فهذا أقل ما وقع على أهل ديالى، أمّا حرق الجثث وما شابه ذلك فحدّث ولا حرج.
* الثورة: محافظة ديالى عادت منذ أكثر من سنة إلى سيطرة الحكومة العراقية، بمعنى أنها خرجت عن سيطرة "تنظيم الدولة"؛ ولكن نلاحظ أنه إلى هذا الوقت ما تزال الميليشيات هي المسيطرة ولا يوجد دور للجيش، ولا يزال الكثير من النازحين لم يعودوا إلى محافظتهم، فما سبب ذلك؟
ـ الأمين العام: بالضبط؛ هذا هو الواقع الذي يُراد لديالى أن تكون عليه، هناك آلاف الوسائل للحيلولة دون رجوع النازحين إلى ديالى، وهناك بعض السياسيين السُّنّة في داخل العملية السياسية يُطالبون ويُناشدون ويستنكرون؛ بأن هذه الأمور تحول دون عودة النازحين، ولكن إلى الآن لم يرجع إلا القليل، ومن عاد منهم لم يجد شيئًا على الأرض، والذي يتجول في الطريق الرابط بين مدينة بعقوبة وصعودًا ووصولاً إلى مدينة كركوك يجد بأن المناطق على جانبي الطريق قد هُدمت بالكامل، والبيوت والمزارع أحرقت، والسبب هو للحيلولة دون عودة السكان إلى مناطقهم، أو عند عودتهم فسيحتاجون إلى فترات طويلة جدًا من أجل إعادة تأهيل هذه المناطق والسكنى فيها، فأي منطقة هيمنة ونفوذ إيرانية يُراد لها أن تكون أنموذجًا لمحافظات أخرى، وما حصل في جرف الصخر كمرحلة أولى وما يحصل في ديالى الآن؛ هو دليل واقعي ومادي وملموس على أن النظام الإيراني يسعى بكل قوّته للهيمنة على هذه المحافظات وعلى هذه المدن من أجل التغيير الديموغرافي لتحقيق مكاسب أخرى؛ سواء كانت سياسية أو أمنية أو ما إلى ذلك، فلا يُسمح ولن يُسمح بعودة هذه العائلات النازحة خارج العراق وداخله بالوتيرة الطبيعية ـ وهي عودة الجميع إلى مناطقهم ـ وهذا يؤكد ما قلنا ويقوله غيرنا بأن الهدف معروف وأن هناك نوعًا من تبادل الأدوار بين السلطات الحاكمة وما يُسمّى بـ"الميليشيات المنفلتة" أو "المجموعات الخارجة عن سلطة القانون وعن الدولة" وما إلى ذلك؛ وهي العبارة التي راجت في هذه الأيام لتبرير ما وقع.. لا، فهذا فعل ميليشياوي نفذته ميليشيات "الحشد الشعبي" المعترف بها رسميًا ومدعومة حكوميًا بالمال والسلاح، وإعلاميًا.. وحيدر العبادي الذي استطاع أخيرًا الدخول إلى المقدادية بعد أن سمحت له الميليشيات، يُكرّم أحد الضباط في ديالى على ما قام به من "جهود"، رغم أن الأصل في هكذا أمور أن تُقال هذه القيادات أو تحاسب، وهذا الإجراء متكرر، فقد فعله المالكي من قبل في حادثة معروفة في وقتها، وكرّم الجُناة، ولذا فإن ما يحصل في العراق الآن هو خلاف الواقع وكلّه يمشي في المقلوب؛ تكريم الجناة ومعاقبة المجني عليهم.
* الثورة: معنا مقطع فيديو آخر يوضح ما يعانيه أهلنا في العراق وتحديدًا في محافظة ديالى، ما هو تعليكم؟
ـ الأمين العام: هذا بسيط مقارنة بما حصل، فهذه بعض المظاهر لما جرى من أعمال حرق وغيرها في المقدادية وتحديدًا هذا الجامع الواقع في الحي العصري، وهذه المشاهد ـ إذا ما قورنت بالمشاهد الأخرى التي لم تظهر للكاميرا ـ فحدث ولا حرج، أمّا المشاهد الأقسى؛ فهي في مدينة تكريت ـ على سبيل المثال ـ أو مدينة بيجي، ومدينة الرمادي الآن وما يجري فيها من تدمير، وهذا السيناريو يتكرر ويتكرر يوميًا، بسبب المشكلة المزمنة؛ وهي أن الميليشيات أوقعت الحكومة في حرج عندما حاصرت المدينة ـ المقدادية ـ وسيطرت عليها، ومنعت رئيس الوزراء من دخولها فأُحرِج، والخبر انتشر عالميًا، وللتغطية على هذه الجريمة البشعة تم تسريب هذه المشاهد التي هي أقل بكثير مما حصل حقيقة في المقدادية.
* الثورة: ما الذي أوصل الأمور إلى ما هي عليه حاليًا في ديالى؟
ـ الأمين العام: هذا السؤال جديد قديم؛ الذي أوصلنا إلى هذه الحالة هو ما قلناه منذ بداية الاحتلال: الاحتلال لا يأتي بخير أبدًا على أي بلد أو أمّة تُحتل، ودائمًا الاحتلالات تتبعها زوابع من التغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإنسانية، وجريمة الاحتلال الأمريكي للعراق؛ جريمة كبيرة جدًا، منذ البداية نبهنا على خطورتها وأنها ستجر المآسي تلو المآسي في العراق، فضلاً عن ذلك؛ قلنا إن قيام العملية السياسية بعد الاحتلال على أساس طائفي وعرقي؛ سيُسهم في تمزيق النسبج الاجتماعي للعراق، وسيُعطي المجال واسعًا وكبيرًا لحدوث مشاكل تصل إلى حد التصفية العرقية والتصفية المذهبية، وهذا ما حصل؛ فما يجري في العراق الآن؛ هو نتيجة لتراكمات الاحتلال الأمريكي والعملية السياسية التي بُنيت على هذه الأسس التي كان منذ البداية وعي تام من قبل بُناة هذه العملية أنهم سيعملون على إحداث هذا الكم الكبير من المشاكل، والغرض الأساسي أو الهدف الأساسي هو إخراج العراق من معادلة القوّة في المنطقة، وإشغال العراقيين بأنفسهم، ثم بعد ذلك انشغال المنطقة بما حصل.
ما حصل في العراق هو سبب لكل ما يجري الآن في الدول العربية الأخرى، في سورية واليمن ومصر وغيرها، وهو أيضًا في الوقت نفسه نتيجة لعدم حل هذا الموضوع منذ البداية، والتفات الجميع عن الانتباه إلى الخطر الكبير في احتلال العراق وما تبع هذا الاحتلال من جرائم بحق الإنسان العراقي، فإذن ما يحصل هو نتيجة للمقدمات التي جرت منذ الاحتلال إلى الآن.
* مداخلة عبر الهاتف:
محمد من القاهرة: .. إيران هي الجزء الخطير على العالم العربي والإسلامي وعلى السنة بالذات.. فلماذا لم تتحرك الدول الإسلامية؟ ولماذا لا تتكلم الدول العربية؟ ولماذا يتحمل الشعب العراقي كل ذلك؟
ـ الأمين العام: أشكر الأخ محمد على مشاعره الفياضة وهذه الغيرة الحقيقية على إخوانه في العراق.
نعم؛ هو وضع يده على الجرح، فقد تُرك العراق لقدره، وتُرك العراقيون لقدرهم، فلم يتدخل أحد بالطريقة المناسبة لوقف ما جرى في العراق، وقد عانينا طويلاً منذ الاحتلال إلى الآن؛ في عرض قضيتنا وبيان مخاطر الاحتلال وما نتج عنه، واتصلنا بالكثير من الدول والمنظمات الشعبية والمنظمات الرسمية وغير الرسمية، وعرضنا لهم كل ما جرى، ووجدنا تعاطفًا كبيرًا جدًا، وأكاد أجزم أن الكل متعاطف مع قضيتنا، ولكنهم بين متعاطف لا يستطيع أن يفعل شيئًا، ومتعاطف مسؤول ولكنه أيضًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا لأن هناك إرادة أكبر وأقوى منه تمنعه من ذلك؛ وهي الإرادة الأمريكية.
الكل كان يصمت عن العراق؛ لأن الخصم والعدو هناك هو الولايات المتحدة الأمريكية، فلذلك كان هناك سيف مصلت من الخوف والرعب على الجميع، ولم تفعل كثير من الدول سواء كانت دولاً عربية أو إقليمية أو تقدم ما ينبغي لحل المشكلة العراقية، وأنا أقدّر كل المشاعر، ولكن لنا في الهيئة ولي تجربة خاصة طويلة في هذا الموضوع، لم نترك بلدًا عربيًا إلا وزرناه وعرضنا قضيتنا، ولم نترك بلدًا من دول الجوار إلا وزرناه وعرضنا قضيتنا، وشاركنا في مؤتمرات وندوات وغيرها، ولكن ـ بالملخص ـ دائمًا يقولون لنا: "لا حل لكم إلا بدخول العملية السياسية"!
هذه العملية السياسية؛ بُنيت أساسًا من أجل إقصائنا ومن أجل القضاء علينا ومن أجل استهدافنا، ومن أجل تشكيل "عراق جديد" له من الاسم فقط (العراق)، وأمّا هويته وصفته وحالته؛ فمنقطعة أوستنقطع تمامًا عن الأمّة، فكيف ينبغي لنا أن ندخل في إطار عملية سياسية تستهدفنا أساسًا ويستفيد منها الاحتلال الأمريكي أولاً ثم من ساعده وسهل له الأمر؛ إيران المستفيد الرئيس الآن؟
وأيضًا يُقال لنا بأنّه "ينبغي عليكم الاجتماع، فأنتم متفرقون" كعراقيين أو إذا أرادوا أن يخصصوا، كسُنّة؛ .. وأنا أقول؛ ليت شعري هل هناك بلد من بلاد المسلمين اجتمع أهله على أمر ما؟
* الثورة: تتحدث الأخبار عن وجود أكثر من خمسين فصيل صفوي طائفي ينشر الرعب والموت في ديالى، فما الموقف منها؟
ـ الأمين العام: هذه الميليشيات التي تقرب من الخمسين هي فصائل طائفية تتبع أحزابًا سياسية مُشاركة في العملية السياسية منذ بدء الاحتلال وإلى الآن، وهي كانت نواة الجيش الحكومي، وهم الآن يُحاولون التفرقة بين جيش حكومي وميليشيات، لا؛ فالجيش الحكومي أساسًا شُكّل من ست ميليشيات من الأحزاب التي شاركت في احتلال العراق، فهو جيش قائم على أساس ميليشياوي طائفي وإقصائي، ثمّ لما وجدوا أن هذا الجيش لا يكفي للقيام بالمهام التي يريدونها، وأن هذا الجيش ينخره الفساد بشكل كامل، وأنه أشبه بجيش وهمي، فالأرقام المعلنة هي غير الأرقام الحقيقية على الأرض في إطار منظومة الفساد السياسي والإداري والمالي الكبير في العراق؛ أنشأوا ما يُسمّى "الحشد الشعبي" بناءً على فتوى المرجعية، فبدأت كل الأحزاب بل وحتى المنظمات المتفرعة عن هذه الأحزاب في التسابق لتشكيل ميليشيات وتعطيها أسماءً أخرى.
يجمع هذه الميليشيات جميعًا أنها ذات بُعد طائفي، تستهدف العراقيين الآخرين بدوافع طائفية تكفيرية إرهابية، ولكنها أخذت الإطار الرسمي أو الشرعية الرسمية من خلال ما يسمى بالحشد الشعبي، الذي تشرف عليه الحكومة بشكل مباشر، وهو بقيادة شخصيات إرهابية معروفة في إطار العملية السياسية.
هذه الميليشيات مطلقة أيديها في العراق، ولا أحد يتكلم عنها، لِمَ؟ لأنها تدور في إطار المنظومة السياسية التي انشأها الاحتلال وما زال يرعاها إلى الآن.
* الثورة: تكلمنا عن الفصائل الصفوية المنتشرة التي يفوق عددها الخمسين، فما هو الموقف الصحيح لمواجهة مثل هذا الخطر؟
ـ الأمين العام: الموقف معروف، الموقف الأساس هو التصدي للاحتلال ومقاومته ومحاولة إزالة آثاره، وهذه الميليشيات من آثار الاحتلال، وقد كان هذا الأمر قائمًا إلى سنوات قريبة، ولكن جرت مؤامرة كبيرة في العراق لتصفية الوجود المقاوم، ولذلك الآن كل فصيل مقاوم للاحتلال ولإيران؛ يُسمّى "إرهابيًا" ويوضع في خانة الإرهاب، وكل فصيل يعمل من أجل تحقيق الأهداف الأمريكية والإيرانية في العراق ـ وهما المسؤولان الأساسيان الرئيسان عمّا يجري في العراق ـ يوصف بأنه منظمة ساندة للحكومة أو ساندة للجيش، والآن هناك حملات كبيرة حتى يُستقطع من رواتب الموظفين لدعم هذه الميليشيات تحت مسمى "الحشد الشعبي"، فإذن الموقف؛ هو مقاومة هذه الميليشيات، ولكن للأسف فالصراع الآن في العراق منحصر بين طرفين.
* مداخلة عبر الهاتف..
علي من العراق: ..هل اتخذت الهيئة موقفًا على الصعيد الدولي لتجريم مرتكبي الميليشيات؟
ـ الأمين العام: أقول للأخ علي مطمئنًا؛ علمنا لا يقتصر على ما حدث في ديالى الآن؛ فنحن منذ الاحتلال إلى الآن نقوم بتوثيق كل ما تقوم به هذه الميليشيات ورفعه لكل المنظمات الدولية التي نستطيع أن نتعامل معها، وما يتعلق بهذه الميليشيات منذ سنة إلى الآن؛ فإن قسم حقوق الإنسان أعد تقارير عديدة عمّا قامت به هذه الميليشيات وتم إيصالها لمنظمات دولية؛ أوروبية وغير أوروبية، وهناك تفاعل لا بأس به معنا، ولكن أقولها بكل وضوح وبكل صراحة: جهد الهيئة مهما فعلت في هذا المجال هو جهد المقل، نحتاج إلى تضافر كل الجهود من كل الجهات والقوى والأحزاب والشخصيات والمنظمات العاملة في العراق وخارجه لتفعيل هذا الأمر، وهناك جهود صادقة لبعض الإخوة من العراقيين العاملين في المجال القانوني داخل وخارج العراق ويتعاونون مع الهيئة في هذا الإطار، وندعم نحن بالتحديد بعض المراكز التي تنشط في هذا المجال، ولكن كل هذا أقول؛ هو جهد المقل، فإلى الآن لم نصل إلى إحداث التراكم المطلوب لدى المنظمات الدولية لكسر الحاجز ـ حاجز قبولهم ـ القبول ـ إذ أنهم كانوا لا يقبلون هذه التقارير، ولكن الآن بدأ هذا الحاجز ينكسر شيئًا فشيئًا فينبغي أن تتضافر الجهود من أجل هذا التراكم المهم والضروري لإقناع العالم بأن هناك مأساة إنسانية حقيقية في العراق.
*الثورة: حيدر العبادي زار مؤخرًا مدينة المقدادية وكانت له عدة تصريحات، ومن هذه التصريحات الغريبة قوله؛ إن هذه الميليشيات الخارجة عن الدولة والتي تقوم بعمليات إجرامية تابعة لـ"تنظيم الدولة"! فما تعليقكم على هذه الزيارة وعلى هذا التصريح.
ـ الأمين العام: تعودنا على التصريحات الغريبة والمتناقضة من العبادي، والأغرب من ذلك أيضًا؛ عندما يقول على صفحته الرسمية وفي المنصات الإعلامية التابعة له؛ يأنه "تم تحديد المجرمين الذين قاموا بالأعمال الإرهابية في المقدادية وإلقاء القبض عليهم" !
طيب؛ أين هم؟ ما هي أسماؤهم؟ وما هي مرجعياتهم؟ لماذا لم يُعلن عن هذا حتى الآن؟ وكيف تم التعامل معهم؟
هو لا يجرؤ ولا يستطيع أن يقول، وحتى وإن جرأ واستطاع فلن يقول؛ لأن هذه الأفعال لا تختلف كثيرًا عمّا يؤمن به ويراه مناسبًا لإدارة شؤون العراق، ولكن قد يُحرج باعتباره رئيس وزراء وأن هذه الأفعال تمت بطريقة أحرجته، لأنها لو تمت بطريقة أخرى لم تحرجه لغض النظر عنها كما فعل في أماكن كثيرة، وقد تعودنا على سياسة اللجان التحقيقية التي لا تنتهي إلى نتائج.
يقول: هذه ميليشيات خارجة عن سلطة الدولة، أو ميليشيات تابعة لـ"تنظيم الدولة"، طيب؛ أنتم تقولون أنكم أخرجتم التنظيم من محافظة ديالى؛ فهل عاد؟!
إذا كان قد عاد؛ فهذا فشل سياسي وأمني لكم، وإن لم يعُد؛ فهذه كذبة واضحة وصريحة.
أنا أقول؛ إنه يُحاول أن يُداري الورطة الكبيرة التي هو فيها، فالميليشيات التي قامت بهذا الفعل معروفة ومعلومة للجميع، لكن للأسف لا يجرؤ على الحديث بهذا إلا نحن وبعض الأطراف الأخرى المستقلة المتجردة عن نوازع العملية السياسية.
الميليشيات التابعة للأحزاب الأساسية في الحكومة والساندة للنظام السياسي ولحكومة العبادي؛ هي من قامت بذلك.
* الثورة: هل هناك مدن أخرى مرشحة ليحصل فيها مثل ما حدث في ديالى؟
ـ الأمين العام: نعم، في ديالى نفسها مدن عديدة شهدت السنة الماضية أعمالاً من هذا القبيل، وفي ضواحي المقدادية نفسها، وبعض المدن الأخرى في ديالى مرشحة لهذا الفعل مثل جلولاء والسعدية وغيرها.
وعلى سبيل المثال في شمال محافظة بابل، جرف الصخر أزيل عن الأرض؛ بيوتًا وسُكّانًا ومزارع، وتمت التغطية عليه تمامًا؛ لأنه يقع في منطقة تسهل السيطرة عليها، ولا حديث عن أن ما جرى في جرف الصخر لا يقل أثرًا عما جرى في ديالى.
والآن مناطق حزام بغداد المستهدفة أيضًا منذ سنوات طويلة في هذا الإطار، ولا أحد يتحدث عنها، شمال وغرب وجنوب وشرق بغداد.
الفلوجة كذلك محاصرة الآن، ونحن في الهيئة أصدرنا قبل يومين بيانًا عن المأساة الإنسانية الجارية في المدينة، تحصل الآن شبه مجاعة في الفلوجة المضيق عليها سنتين والقصف ينهال عليها ليلاً ونهارًا، ثم الرمادي، ورأيتم ما جرى فيها، وأيضًا توجد مدن أخرى على القائمة إن بقيت الأمور هكذا.
* الثورة: هذه الأحداث مرشحة الحدوث في المناطق أو المدن المشتركة بين المكون السني والمكون الشيعي؟ أم أن كل المدن مستهدفة؟
ـ الأمين العام: الاستهداف الآن هو للمدن المشتركة والمدن الخالصة التي فيها المكون السُّني فقط، ومحافظة ديالى ـ بالمناسبة ـ هي محافظة مشتركة، لكن الغالبية فيها تقريبًا (65 ـ 70%) قبل الاحتلال كانت للمكون السنّي، وتكاد تكون ديالى أكثر محافظات العراق تنوعًا عرقيًا، ففيها جميع المكونات وجميع المذاهب والأطياف والإثنيات، فهي أشبه بعراق مُصغّر، لكن يراد لهذا العراق المُصغّر أن يطرد النسبة الغالبة من سُكّانه لكي يبقى على نسب صغيرة تحدد وفق الإدارة الإيرانية والإرادة الحكومية.
* الثورة: أنتم في الهيئة؛ ماذا فعلتم من أجل إنقاذ أهالي المقدادية من المذابح التي تجري بحقهم؟ وبشكل عام؛ القوى السنّية الأخرى ماذا قدّمت لأهالي المقدادية؟
ـ الأمين العام: هنا ينبغي أن نُفرّق بين تصرفين أو فعلين أو جهدين؛ فنحن خارج إطار العملية السياسية، ومناهضون لهذه العملية التي جرّت إلينا كل هذه الويلات، ونحن ضد ما يجري في العراق من الاحتلال إلى الآن، ونحن نعتقد أن احتلال العراق مستمر بكل أشكاله؛ قمنا بكل ما نستطيع في هذا المجال عندما كان لنا تأثير كبير في الداخل في السنوات التي كانت تنشط فيها قوى المقاومة، فقد كانت هذه القوى تتكفل بحماية المدن والبلدات والقرى المستهدفة من الاحتلال وأتباع الاحتلال، وكانت الهيئة توفر كل الجهود الممكنة سياسيًا وإعلاميًا وحقوقيًا وإغاثيًا لهذه المدن ـ وما زالت تقوم بهذه الدور ـ فضلاً عن ذلك إيصال هذا الصوت وهذه الفضائع والفضائح إلى المنتديات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان وما إلى ذلك، وهذا هو الذي نستطيع أن نقوم به في هذه اللحظة، إلى جانب اتصالاتنا بالدول العربية والدول الإقليمية لعرض هذه المأساة ومحاولة حثهم على فعل شيء ما في هذا الصدد، وهذا ما نستطيع أن نقوم به وهذه قدرتنا في هذا المجال.
ولكن هناك طرف ثانٍ دخل في العملية السياسية من أجل تقليل الضرر كما يقول؛ ودخل من أجل أن يُعبّر عن أصوات هذه المحافظات وهذه المناطق وعن معاناتها بعد سنوات من الاحتلال.. ولكن واقع الحال أنه لم يفعل شيئًا حتى الآن سوى الشجب والاستنكار، ولم يجرؤ حتى على التصريح بأسماء الفاعلين وهو يعرفهم.
هو دخل العملية السياسية تحت ذريعة تخفيف هذه المعاناة أو تقليل الضرر ما أمكن، فواجبه الأساس هو القيام بهذا الدور؛ ولكنه لم يقم به، وهو في داخل العملية السياسية وموجود في الداخل ويقول بأن لديّ الإمكانيات لذلك، لكنه لا يجرؤ على القول بأنهم وصل إلى النقطة ـ طبعًا هم وصلوا إليها منذ زمن طويل جدًا ولكنهم يكابرون ـ التي أصبحوا فيها مجرد غطاء يُضفي الشرعية على ما تقوم به هذه الحكومة والعملية السياسية والنظام السياسي برمّته.
ومن هنا؛ أصبحوا أكثر ضررًا على أبناء هذه المحافظات؛ لم يجلبوا لهم نفعًا؛ بل صاروا أكثر ضررًا، لِمَ؟ لأنهم لا يجرؤون إلى الآن على كشف الجريمة بأبعادها، والدليل على ذلك أن أعلى وأقوى إجراء اتخذوه هو الانسحاب من جلسة من جلسات البرلمان.
المشكلة في العراق نوّهت عنها قبل قليل، وهي أنه تم إبعاد القوى الفاعلة والحقيقية عن الساحة، وأن الصراع الدائر الآن في العراق يجري بين طرفين لا يدع مجالاً لطرف ثالث.
نحن نؤمن بأن هناك خيارًا حقيقيًا يمكن أن يُنقذ العراق مما فيه، أما ما يجري في البلاد الآن فلن يوصل إلى النتيجة التي نتمناها جميعًا، ولذلك؛ فإن هذا الصراع الدامي في العراق يُراد منه أن يبرر سياسة ترك العراقيين للأمر الواقع، وسياسة الالتفات الكامل عن معاناة العراقيين ومحاولة إرجاع كل المشاكل التي تجري في العراق إلى الصراع الدائر هناك.
الحل الحقيقي هو في خيار ثالث، في حل عراقي كامل شامل، يُلبي كل متطلبات العراقيين؛ الأمنية أولاً ـ لأهميتها الآن ـ والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا ما دعونا إليه في مبادرة العراق (الجامع).
* مداخلة عبر الهاتف..
علي من لبنان: .. الكيان الصهيوني وبالتعاون مع الطغمة الصفوية، يسعيان إلى إنشاء كيانات صهيونية جديدة في المنطقة وفي قلب العالم الإسلامي، خاصة في سورية والعراق واليمن، وفي مصر ربما.. وللتصدي لها يجب ـ بالإضافة لما تقوم به هيئة علماء المسلمين في العراق وما يقوم به الأخ الفاضل مثنى الضاري ـ هو اعتماد فريضة الجهاد، واستنفار الشعوب المسلمة من أجل أن تقف إلى جانب العراق وسورية واليمن ربما يكون هو الحل الأمثل للتصدي للجرائم التي ترتكب على يد الصفويين بالتعاون مع الصهيونية والغرب الصليبي.
ـ الأمين العام: لا أختلف مع الأخ فيما قاله، بأن الجهاد هو الحل، ولذلك قام الشعب العراقي بدوره وقام بكل ما عليه في إطار المقاومة العراقية التي تصدت للاحتلال وأجبرته ـ وأقول بكل صراحة ووضوح ـ أن المقاومة العراقية هي التي أجبرت الاحتلال على إعادة حساباته وخروجه من العراق.
أما الاستنفار المطلوب الآن؛ فهو الاستنفار للجميع؛ ولكن أنا ـ طيلة هذه الجولات والزيارات والمناشدات ـ أعي تمامًا بأن الشعوب العربية والمسلمة توّاقة للقيام بواجبها في نصرة قضية العراق وقضية سورية وقضية اليمن وبقية القضايا الأخرى في المنطقة، ولكن هذه الشعوب مغلوبة على أمرها وغير قادرة على أن تقوم بالدور المناط بها؛ لأسباب عديدة ليس هذا مجال تفصيلها، فلهم مني جميعًا التحية، وأنه لا بد وأن يأتي الوقت المناسب الذي تستطيع أن تقوم هذه الشعوب فيه بالتعبير عن مشاعرها الحقيقية وأن تقوم بما ينبغي عليها لنصرة بعضها بعضًا.
* الثورة: بالعودة لما تقومون به نصرة لمحافظة ديالى؛ هل أنتم راضون عمّا قمتم به أو ما تقوم به المكونات السنية الأخرى نصرة لأهالي ديالى؟
ـ الأمين العام: أبدًا، كل ما نقوم به ـ كما قلت ـ هو جهد المقل؛ ومتى ما وصلنا إلى درجة الرضا عن أنفسنا فحينذاك سنعترف بأننا مقصّرون.. فما زلنا إلى الآن نبذل كل ما نستطيع ولكن الإمكانات قليلة، والقدرات ليست بالمستوى المطلوب، والتفاعل معنا ليس كما ننشد ونأمل، ولكن علينا أن نعمل، والله سبحانه وتعالى يُجازينا على ما فعلنا وعلى ما نويناه ولم نستطع أن نقوم به.
* الثورة: نتكلم عن الخطوة التي قام بها المكون السني في البرلمان العراقي وهي مقاطع جلستين من جلسة البرلمان وجلسة الوزراء. هل برأيك أن مقل هذه الخطوات تكفي أو تؤدي الدور المطلوب؟
ـ الأمين العام: أبدًا، لأن دورهم ليس المقاطعة، فإنهم يقولون شاركنا في العملية السياسية وينعون علينا أننا في وقت مبكر نحن وهم وغيرنا قاطعنا العملية السياسية، الآن ينعون علينا بأننا قاطعنا !!
آليات العمل السياسي في داخل العملية السياسية هي ليست المقاطعة والانسحابات، لأن ما الذي ستقدمه المقاطعة والانسحابات هذه؟ أنا أعتقد أنها تأتي لإنقاذ أنفسهم من الحرج في هكذا جلسات؛ لأنهم لن يصلوا إلى تحقيق ما يطلبه الناس منهم.
الإجراء الحقيقي والصحيح هو أن يقوموا بإجراء الفعل المناسب الذي يثبتون فعلاً أنهم يعيشون الهم مع أهلهم كما يقولون، وهذا الإجراء طالما تحدثنا عنه؛ نزع الشرعية عن هذه الحكومة ذات البعد الطائفي العرقي الاستئصالي، ونزع الشرعية هو وحده الكفيل بتنبيه العالم إلى عظم المأساة التي تقع في العراق، وحينما يعي العالم أن مكونًا كبيرًا كالمكون السنّي في العراق انسحب من العملية السياسية وسحب هذه الشرعية منها؛ فحينئذ سينتبه العالم؛ لأن الحجة الأساسية للولايات المتحدة الأمريكية ومن يتبعها في ذلك؛ أن هناك حكومة توافقية بين مختلف المكونات، ولذلك لا يلقون لنا بالاً لأنهم يجدون من السنّة من يقول بأن هذه الأفعال أخطاء فردية وما إلى ذلك.
لكن إذا سُلبت هذه الشرعية فسينتبه العالم إلى أن العملية السياسية في خطر، حينذاك من الممكن أن يلتفت الناس إلى معاناتنا.
نقطة أخرى؛ من في الحكومة الآن أو في مجلس النوّاب لا يُمثلون المكون السنّي، وإن كنا نقول عنهم "النوّاب السنّة في البرلمان"، إنما يمثلون قوة أو قوتين من القوى السياسية العاملة في الإطار السُّنّي، أما غالبية السنة من سياسيين وغيرهم لا تعترف ولا تعتد بتمثيل هؤلاء لهم في إطار العملية السياسية.. بعضهم لا يعتد بهذا الأمر من حيث المبدأ كما نرى نحن، وبعضهم من حيث الأداء.
فالقصد؛ أن ما تم من هذه الإجراءات حتى الآن لا يوازي ما جرى في المقدادية وفي ديالى والمحافظات الأخرى، بل المطلوب الآن ـ وأقولها بكل صراحة وبكل وضوح وقلناها مرارًا وتكرارًا ـ في البداية كانوا يقولون "إن مطالبتكم لنا بالانسحاب من العملية السياسية غير مجدية، فمن سينقل هموم الناس؟ ومن سيحل محلنا؟ ونحن نريد أن نخفف الضرر..إلخ" !!
طيّب؛ تركناكم منذ أن دخلتم العملية السياسية في عام 2005 إلى الآن أصبحت عشرة سنوات؛ ماذا حققتم؟ كم نسبة الضرر الذي أزلتموه؟
واقع الحال يقول بأنه لم يتم إزالة شيء من الضرر الواقع بالعراقيين جميعًا ولا سيما أهل السنة والجماعة، بل ازدادت الأمور سوءًا، وأن من بقي في العملية السياسية لا يُريد الخروج منها؛ وأنا أتكلم بلسان حالهم: "لا نخرج من العملية السياسية لأنه لا يوجد بديل، ولا نخرج من العملية السياسية لأنه سيأتي
أناس أكثر سوءًا منا في هذا المحل".. فإذن القضية أصبحت هي المفاضلة بين السيئ والأسوأ وليس البحث عن تقليل المضار والمآسي التي تقع على العراقيين وعلى أهل السنة منهم تحديدًا.
- مبادرة العراق الجامع
* الثورة: أطلقتم قبل مدة مبادرة أسميتموها (مبادرة العراق الجامع)، ما هي هذه المبادرة؟ ومال الذي تصبون الوصول إليه من خلالها؟
الأمين العام: منذ بداية الاحتلال، كان هناك سعي من قبل الهيئة لجمع كلمة القوى المناهضة للاحتلال في إطار عنوان واحد وكيان يجمعها ويوحد مواقفها، ويصدر عنه خطاب عراقي وطني عام يُعبّر عن طموحات العراقيين، ويُبيّن الآليات التي يمكن من خلالها إزالة الضرر الواقع بعد الاحتلال، وقد مررنا بتجارب عديدة في هذا المجال.
ومنذ سنوات تسعى الهيئة لجمع هذه القوى، ولكن أيضًا لم تُتح لنا الفرصة بسبب ظروف عديدة خاصة وأن هذا المنشط في الأساس يتم في بلدان المهجر، وهذه البلدان لها ظروفها السياسية التي لم تسمح طيلة السنوات الماضية بالعمل في هذا الإطار.
أخيرًا سمحت الظروف، فعقدنا مؤتمرًا صحفيًا بتاريخ 15/8/2015، أطلقنا فيه مشروع مبادرة العراق الجامع، وعنوانها دال على محتواها، والفكرة الأساسية؛ أنه ينبغي إيجاد معادِل حقيقي عراقي وطني يقف بوجه النظام السياسية والعملية السياسية، وأنه ينبغي للعالم أن يسمع من هذا المعادِل الذي يضم مجموع هذه القوى، من أجل أن يتعرّف على المأساة الحقيقية في العراق، لأنه وخلال تجاربنا الماضية يبدو أن الكثير من الدول والجهات قد تؤمن بما نقول به، وتتقبله وتتفاعل معه، ولكنها تتحاشى التعامل معنا كهيئة؛ بسبب وصفنا بالإرهاب وما إلى ذلك من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك رأينا بأنه إذا كان هذا الخطاب شاملاً لجميع القوى المناهضة للاحتلال، حينذاك يكون أدعى للقبول وأدعى للسماع، وأبعد عن هذه التهم الجاهزة والملفقة للهيئة ولبعض القوى الوطنية الأخرى والشخصيات.
* الثورة: كيف كانت ردود فعل القوى العراقية على هذه المبادرة؟
ـ الأمين العام: ردود الفعل كانت جيّدة وطيّبة، أولاً؛ من خلال حضور الكم الكبير منها في إعلان المبادرة كما ظهر في المؤتمر الصحفي، ومن ثم التفاعل معها بعد ذلك.
وفكرة المبادة كانت أيضًا تستدعي هذا التفاعل؛ لأنها تدعو إلى حوارات وتشاورات بين هذه القوى، ومن ثم التحضير في عمل معين من أجل إنشاء إطار عراقي يضم هؤلاء جميعًا للتعبير عمّا يريدونه، ووضعنا توقيتات زمنية لذلك، وبدأت المشاورات مع هذه القوى وما زلنا في تفاعل معها.
بعد أربعة أشهر من إعلان هذه المبادرة؛ عقدنا المؤتمر العام الثاني لهيئة علماء المسلمين؛ وفي الجلسة الافتتاحية دعونا أيضًا هذه القوى الوطنية، وحضر عدد كبير منها والحمد لله، وأعلنا انطلاق المرحلة الثانية التي استفدنا فيها من مرحلة المشاورات، فانطلقنا الآن للعمل التحضيري لهذا العنوان.
* الثورة: بالحديث عن المبادرة، ما هي المرحلة الأولى التي كانت؟ وما طبيعة المرحلة الثانية التي تنوون إطلاقها؟
ـ الأمين العام: مبادرة العراق الجامع؛ تقول بأنه لا خلاص حقيقيًا للعراقيين إلا من خلال خطاب عراقي جامع، يُوصل رسالتنا إلى العالم، فيسمعه العالم ويتفاعل معه، ويبدي الجهود المناسبة للتعاون معه، وطرحنا في المبادرة الوضع العراقي كما نراه، والظروف الدولية والإقليمية المؤثرة عليه، ودعونا الجميع إلى التعاون معنا في هذا الإطار، وعرضنا دواعي ومبررات هذه المبادرة والمحددات التي تسعى في إطارها، ثم وضعنا المراحل التي نعمل فيها.
المرحلة الأولى؛ كانت اتصالات ومشاورات مع القوى العراقية المناهضة للاحتلال خارج العملية السياسية، والمرحلة الثانية؛ هي إنضاج هذه الحوارات والنقاشات في إطار ما يُمهّد ويُحضر لإيجاد المرحلة الثالثة وهي مرحلة الإعلان عن عنوان عراقي جامع يُعبّر عن هموم العراقيين ومعاناتهم ويستطيع أن يسحب جزءًا من الشرعية التي تُعطى دوليًا وإقليميًا للحكومة القائمة في بغداد، ويستطيع أيضًا أن يقيم حوارات ونقاشات مع الدول العربية ودول الجوار والإقليم ومع المجتمع الدولي لإيصال القضية العراقية إلى هذه المحافل جميعًا.
* الثورة: هل قمتم بالتنسيق مع دول المنطقة قبل إطلاق هذه المبادرة؟
ـ الأمين العام: كتنسيق بمعنى استشارة هذه الدول؛ لا؛ لأننا نؤمن تمامًا بأن أي عمل عراقي وطني خالص ينبغي أن يكون بين هذه القوى العراقية فقط، وأي تدخلات إقليمية أو دولية في بداية أي عمل وطني خالص من الممكن أن تؤثر عليه سلبًا، لذلك لمّا أتممنا أمرنا وجهزنا العدة لإعلان هذه المبادرة؛ فاتحنا بعض الدول في ذلك، وقد تفاعلت بعض هذه الدول تفاعلاً جيدًا مع الموضوع، ودول أخرى كان تفاعلها أقل، ودول إلى الآن في مرحلة الاستعلام عن هذا المشروع، وإننا نؤمن بأنه لا يمكن أن يكون هناك حل حقيقي في العراق ما لم يكن هناك توافق إرادات دولية لحل المشكلة، وإلى الآن لا يوجد هذا التوافق، وحتى نصل إلى إيجاده علينا أولاً أن نوصل قناعاتنا لدول المنطقة من أجل أن تقتنع بجدوى هذا المشروع.
* الثورة: ما هو الموقف الرسمي لمراجع الشيعة وعلماؤهم من هذه المبادرة؟
ـ الأمين العام: هذه المبادرة لم تستهدفهم ـ لكي نكون واضحين وصريحين ـ فهي تستهدف القوى العراقية خارج إطار العملية السياسية، ومن هذه القوى بعض الشخصيات الدينية والمرجعيات الدينية (الشيعية) المتفاعلة مع العمل الوطني، أمّا المرجعيات الدينية الرسمية فهي خارج هذا الإطار بالمرة، لأنها أساسًا تدعم مشروع العملية السياسية، وتدعم النظام القائم في بغداد، وتدعم الميليشيات الطائفية التي تقتل بالعراقيين ليلاً ونهارًا.
مواقف المرجعيات الدينية العربية المتعاونة معنا والساعية لتحرير العراق والمحافظة على وحدته؛ هي مواقف إيجابية، أمّا المرجعيات الأخرى فإن الأطراف المقربة منها وبعض الأطراف السياسية الحكومية من خلال وسائل الإعلام؛ شككت بهذه المبادرة، وشنت عليها هجومًا، واعتبرت أنها تصدر عن جهة إرهابية وما إلى ذلك.
* الثورة: هل تعتقدون أن القوى النافذة في العراق والمنطقة ستسمح لكم بإنجاز هذه المبادرة؟
ـ الأمين العام: حتى الآن، لا، أقولها بكل وضوح وبكل صراحة؛ لأنه أولاً: لا يوجد وعي حقيقي من هذه الأطراف بجدوى المبادرة، لأنه ـ كما قلت ـ توجد إرادة أمريكية قاهرة في هذا المجال، وثانيًا: هناك انشغال بمشاكل أخرى كبيرة في المنطقة كمشكلة اليمن ومشكلة سورية، وهذا أمر طبيعي جدًا، ونحن كعراقيين نتفهم هذا الأمر، ونعتقد أن الساحة واحدة وأن هذه المشاكل مترابطة ومتداخلة، وأن حل أي مشكلة منها سيفضي بالنتيجة إلى حل المشاكل الأخرى.
نحن ننظر إلى الأمن العربي كأمن واحد، ولكن اللقاءات والاتصالات والحوارات والمشاورات؛ يُمكن لها أن تغيّر بعض القناعات ولاسيما أن هناك ظروفًا مؤاتية بعد تصاعد الأعمال الطائفية في العراق وظهورها إلى العلن، والكشف عنها؛ هذا مما قد يوفر الظروف المناسبة لنا لطرح هذه المبادرة أكثر والتعريف بها.
* الثورة: إلى أين وصلت جهودكم في هذه المبادرة؟ بمعنى المبادرة اليوم إلى أين؟ وهل هناك تغيير أو تعديل على مكونات أو محتوى المبادرة؟
ـ الأمين العام: قلت قبل قليل؛ في المؤتمر العام الثاني للهيئة والذي انعقد قبل أسبوعين تقريبًا؛ أعلنت الهيئة انطلاق المرحلة الثانية، وقالت بأنه خلال أسابيع سيصدر شي ما في هذا الصدد، ونحن نعمل على هذا الأمر وإن شاء الله في الأسابيع القادمة سيُعلن عن تطور مهم جدًا في إطار مشروع العراق الجامع.
- الوضع الطائفي العام في العراق:
* الثورة: كيف تقرأون الوضع الطائفي في العراق بشكل عام؟
ـ الأمين العام: كل حديثنا من بداية الحلقة إلى الآن يعطي مؤشرات على تأزم الوضع الطائفي في العراق، وهذا أحد الأهداف الأساسية للاحتلال.
وهنا أذكر معلومة؛ قبل الاحتلال بأشهر أصدر أنتوني كوردسمان أحد المؤرخين العسكريين الأمريكيين البارزين وأصبح بعد فترة مفتشًا للجيش الأمريكي، ثم أصبح المؤرخ الرسمي للجيش الأمريكي؛ أصدر دراسة، وهذه الدراسة قمنا ـ لاحظ هنا قبل تأسيس الهيئة لمّا كنا ننشط في مجال التحذير من خطر الاحتلال الأمريكي القادم للعراق ـ بنشرها في أوسع نطاق ممكن، وهذه الدراسة تضع سيناريوهات للاحتلال القادم في العراق، والسيناريو الأبرز فيها يقول؛ بأنه ينبغي استبعاد واستهداف المكوّن السُّنّي.
وبالطبع هم يقولون "الطائفة السنيّة" وهذا خطأ؛ لأن السُّنّة ليسوا طائفة، بل هم الأمّة، واستعمال مصطلح "الطائفة السنّيّة" في العراق خطأ، قد يكون في بلد آخر مثل لبنان قائم على الأساس الطائفي مستساغًا، أمّا في العراق؛ فلا توجد طائفة تسمى "الطائفة السُّنيّة"، ولكن هذا هو الخطاب الأمريكي المؤسس لحالة الطائفية في العراق.
وبالعودة إلى السيناريو؛ يقول كوردسمان: استبعاد "الطائفة السنيّة"، وأن السُّنة في العراق يبلغون (13%) فقط من مجموع السكّان وأن هؤلاء لا يمكن أن يتعاونوا معنا، وأنهم يُحسبون على النظام السابق.. ثم يضع سيناريوهات لإبعاد وإقصاء هذا المكون، وهذا ما حصل فعلاً .
هذا باختصار يُلخص حالة الوضع الطائفي في العراق، والاحتلال عندما دخل العراق فوجئ، فقد كان يتصور كما كانت تروج آلته الدعائية بأنه سيستقبل بالأحضان والورود، وكما كانت تسوغ له أحزاب المعارضة التي تحكم الآن، لكنه فوجئ بالمقاومة فاخترع مجلس الحكم وقسمه على أساس طائفي وعرقي حتى يُشغل العراقيين بأنفسهم.
وفي أدناه التسجيل الكامل للحوار:
الهيئة نت
ج
