أكد مسؤولون سابقون ودبلوماسيون ومحللون سياسيون أمريكيون أن الولايات المتحدة ستدفع ثمنًا باهظًا لسوء تعاملها مع الأزمة اللبنانية، ومباركتها العدوان الإسرائيلي على لبنان.
وأجمعوا على أن موقفها الداعم لإسرائيل سيزيد من عزلتها عن العالم العربي والإسلامي، وسيؤجج المشاعر المناهضة لها حول العالم، فضلاً عن الحيلولة دون قدرتها على تنفيذ أهداف تتصدر أجندة سياستها الخارجية كحشد المجتمع الدولي لإجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي، ونشر "الديمقراطية" حول العالم، وخاصة في الشرق الأوسط.
وقالوا في تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية الاثنين 31-7-2006: إن ما يدور في لبنان ليس مجرد حرب تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على حزب الله، ولكنها حرب بالوكالة بين الولايات المتحدة وإيران؛ على اعتبار أن إيران هي الراعي والداعم لحزب الله.
وأكدوا أن الموقف الأمريكي المدافع عن ممارسات القوات الإسرائيلية سيضر بمصالح الولايات المتحدة وأهدافها في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
ولفتوا إلى أن مذبحة "قانا" الثانية التي ارتكبتها قوات الاحتلال الأحد 30-7-2006 وأودت بحياة أكثر من 60 مدنيًّا لبنانيًّا معظمهم من الأطفال، تُعَدّ ضربة في الوقت ذاته لسياسة الرئيس الأمريكي جورج بوش، مؤكدين أن لبنان سيتحول إلى "كابوس جديد" لواشنطن في المنطقة.
وقال المدير السابق لإدارة التخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد هاس: "كل المؤشرات تؤكد أننا نسير في الاتجاه الخاطئ.. فعلى المدى القريب سيؤدي موقف الإدارة الأمريكية إلى تصاعد الإحباط والنفور من الولايات المتحدة ليس فقط داخل العالم العربي، وإنما في أوروبا ومختلف أرجاء العالم. فشعوب العالم شاهدة على المعاناة اليومية للبنانيين، وبالتالي ستصل المشاعر المعادية للولايات المتحدة إلى معدلات خطيرة".
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة حثت إسرائيل على ضبط النفس في التعامل مع الأزمة اللبنانية فإن المحللين السياسيين يؤكدون أن دفاعها المستميت عن الانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في لبنان سيجعلها أكثر عزلة من أي وقت مضى، وهو ما سيحول دون تحقيقها أهدافًا أساسية في سياستها الخارجية كإجبار إيران على التخلي عن طموحاتها النووية، ونشر ما تصفه بـ"الديمقراطية" حول العالم، وخاصة في الشرق الأوسط.
حرب بالوكالة
ديفيد روثكوبف، الخبير السياسي بمركز "كارنيجي إندومينت" لدراسات السلام الدولي، ومؤلف كتاب "إدارة العالم" حول السياسة الخارجية الأمريكية، قال بدوره: "إن ما يحدث في لبنان حاليًّا هو حرب بين الولايات المتحدة وإيران، ولكن يقوم بها طرفان آخران بالوكالة هما: قوات الاحتلال الإسرائيلي، وحزب الله اللبناني".
وأكدت مارا رودمان، نائبة مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي السابق بل كلينتون، أن الوضع في منطقة الشرق الأوسط يبعث على التشاؤم.
وأشارت إلى أن العدوان الإسرائيلي المدعوم من إدارة بوش سيوحد حركات المقاومة و"التمرد" على اختلاف توجهاتها في العالم الإسلامي لمناهضة إسرائيل والولايات المتحدة خاصة أن مصالح حزب الله وتنظيم القاعدة تلتقي حاليًّا في ظل الانتهاكات التي تشهدها الساحة اللبنانية.
وأضافت مارا: "أسوأ السيناريوهات حاليًّا تتمثل في تصاعد وانتشار الحركات الأصولية في منطقة الشرق الأوسط.. علاوة على أن إسرائيل والولايات المتحدة سيشهدان مزيدًا من العزلة، ولن يجدا آذانًا صاغية في كثير من دول العالم".
أمل بوش
وعلى الجانب الرسمي قال المتحدث باسم البيت الأبيض توني سنو للصحفيين الأحد 30-7-2006: إن الإدارة الأمريكية تدرك حجم المخاطر التي يشهدها لبنان، ولكنها تعتقد أن العمليات العسكرية قد تحمل في طياتها بذور حل الأزمة.
وأوضح أن بوش وعددًا من مستشاريه يأملون أن يؤدي هذا الصراع إلى شل حركة حزب الله، وتوجيه ضربة لإيران التي ترعاه وتدعمه، وبالتالي دفع المنطقة نحو تسوية نهائية للصراع العربي الإسرائيلي.
وحول تفاؤل الرئيس بوش في أن تساعده الأزمة الحالية في حشد المجتمع الدولي ضد البرنامج النووي الإيراني، يتهكم "هاس" - الذي كان مساعدًا لبوش خلال فترة رئاسته الأولى - من ذلك قائلاً: "لم أعتد على الضحك كثيرًا، ولكن ما يقوله بوش عن فرصة لحل الصراع هو أطرف ما سمعته طوال حياتي"!!.
وحذر "هاس" من أن موقف الإدارة الأمريكية سيرسخ في الأذهان أن الولايات المتحدة موالية لإسرائيل وداعمة لسياساتها، وبالتالي ستؤمن الأجيال العربية الجديدة بهذا الأمر.
وأكد أن الضغوط الداخلية على الدول الصديقة للولايات المتحدة سواء في مصر أو المملكة العربية السعودية وغيرها قد يدفع هذه الأنظمة للابتعاد عن واشنطن، واللجوء إلى إجراءات قمعية داخلية ضد المعارضة للحفاظ على وجودها، وفي هذه الحالة لن يستطيع بوش الضغط عليها لإجراء إصلاحات ديمقراطية.
ومتفقًا مع "هاس" أشار جون إلترمان، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، إلى أن شعبية حزب الله تزايدت بسبب العدوان على لبنان، وسوف يزداد الحزب صلابة.
وأكد "إلترمان" أيضًا أن أسلوب واشنطن في إدارة الأزمة اللبنانية سيؤدي إلى "صعود الحركات الأصولية التي تحظى بقاعدة شعبية كبيرة لتبدو الولايات المتحدة في النهاية على أنها الطرف المعادي".
وبدأت إسرائيل عدوانها على لبنان بعد ساعات من أسر مقاتلي حزب الله لجنديين إسرائيليين، وقتل 8 آخرين يوم 12 يوليو الجاري في غارة عبر الحدود.
وأسفر العدوان إلى الآن عن استشهاد حوالي 750 في لبنان، غالبيتهم العظمى من المدنيين، وإصابة أكثر من 1800، ونزوح ما يزيد عن 650 ألفًا، بالإضافة إلى تدمير بنية تحتية تقدر قيمتها بأكثر من ملياري دولار.
كما قتل حزب الله 51 إسرائيليًّا، منهم 32 عسكريًّا على الأقل، كما نزح نحو 330 ألف إسرائيلي من شمال إسرائيل هربًا من صواريخ حزب الله.
حازم مصطفى - إسلام أون لاين.نت
واشنطن بوست: أمريكا الخاسر الأكبر في لبنان
