هيئة علماء المسلمين في العراق

قانا.. ستقول إسرائيل إنها خسائر جانبية.. طارق رمضان
قانا.. ستقول إسرائيل إنها خسائر جانبية.. طارق رمضان قانا.. ستقول إسرائيل إنها خسائر جانبية.. طارق رمضان

قانا.. ستقول إسرائيل إنها خسائر جانبية.. طارق رمضان

\"إلى متى نظل نستعمل كلمة \"جرائم الحرب\"؟! كم من الأطفال يجب أن تباد وتمزق أجسامها نتيجة القصف الإسرائيلي ـ كما حدث اليوم في المجزرة الجديدة على قانا ـ ويصرح إثرها الجيش الإسرائيلي بعبارة مخجلة \"خسائر جانبية\"، ثم نبدأ بعدها الحديث عن المتابعة في قضية الجرائم ضد الإنسانية؟!\" هذه عبارة من مقال نشر للصحفي والكاتب البريطاني الكبير روبرت فيسك،(المستقبل 20 يوليو 2006)

أما الشاعر الفرنسي شارل بودلير فتنسب إليه العبارة المفرحة التالية:" أكبر خدعة للشيطان هو في استطاعته بإقناعنا بأنه غير موجود". والحديث قياس، نستطيع تأكيد أن أخبث المتآمرين هم من يستطيعون إيهامنا بأنه لا يوجد متآمرون ولا توجد مؤامرات، فالعبارة المتداولة "الحرب ضد الإرهاب" بلغت ذروتها في الكذب والخداع والنفاق والذعر الفكري والسياسي بشكل لم يسبق له مثيل.

لقد صرح أرييل شارون عقب أحداث 11 سبتمبر بأن ياسر عرفات إرهابي وعلى الفلسطينيين دفع الثمن، وسيكون لذلك "خسائر جانبية" باتباع استراتيجية مواجهة شاملة ابتداء من أفغانستان إلى العراق قبل أن تقع الصاعقة على الفلسطينيين في "الأراضي المدمرة".

لقد كان لدى اسرائيل تخطيط للهجوم على لبنان منذ عدة أشهر، الملاحظون يعرفون ذلك، وكذلك حزب الله، هذا الأخير اختار أن يسبق الأحداث هادفا في ذلك إلى التقليل من الخسائر ولأجل تحويل مركز حدية النزاع وجعل المسألة إقليمية وعامة دون الأخذ بعين الإعتبار في ذلك ضعف الحكومات العربية وتواطؤهم الصامت في الوقت الذي يباد فيه العديد من المدنيين الأبرياء تحت وقع القنابل، ولكن لن ننسى أنه هناك تصور حول "المدنيين الابرياء" بأنه شيء هامشي في المصطلحات الأتوقراطية العربية.

لقد كان متوقعا أن تكون هناك ردة فعل للأمم المتحدة للحد من هذه المجازر حتى لا تتكرر الذكريات المؤلمة، ولكن... إذن لماذا وجدت الأمم المتحدة؟!ّ.

لقد صرحت إسرائيل بأنها بحاجة من أسبوع الى عشرة أيام للسيطرة على العمليات، والمجموعة الثمانية طالبت – على استحياء - بوقف إطلاق النار، ولكن بدون جدوى ولم يبق غير الصمت والقلق.

ومن المفارقات هنا تصريح كوندليزا رايس بزيارتها للمنطقة بعد عشرة أيام بالضبط من تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلي أولمرت مما يوحي بأن إسرائيل تتحكم في الأجندة الأمريكية بشكل تام، ونشير هنا إلى سؤال وزير الداخلية الفرنسي نيكولاس سركوزي للوزير الإسرائيلي لدى زيارته فرنسا ليبارك الفرنسيين الذين قرروا الهجرة إلى إسرئيل، والسؤال كان ما يأتي: " كم يتطلب من الوقت لتنهي اسرائيل عملها؟" ( لو موند 20 يوليو ). إنهاء العمل؟! قتل الأبرياء، نهب بلد...؟! إن غايات ساركوزي في ذلك مثيرة للدهشة، وللأسف أين الصدى الإعلامي.

أطلعتنا وكالة الصحافة الفرنسية (فرنس بريس France Presse) في تقرير لها، على أن الولايات المتحدة قد زودت إسرائيل الأيام الأخيرة بشحنة من القنابل الذكية (الدقيقة الهدف)، الهدف منها التقليل من قتل الأبرياء من المدنيين.. يا لها من إنسانية! بالنسبة للولايات المتحدة كما هو بالنسبة لبريطانيا كل هؤلاء الموتى هم ضحايا للضرورات "الحرب ضد الإرهاب"، هذه الحرب التي تسمح بالإرهاب الممارس من قبل الدولة والقتل والتنكيل والخطف والإرهاب ضد المهجرين وطالبي اللجوء!!.

إلى كل من ينظر بدون عمق إلى الرعب الموجود في الشرق الأوسط من حصار جائر على الفلسطينيين، معاناة اللبنانيين الذين يظنون أنه يكفي البقاء على الحياد حتى يحصلوا على الحماية مثل الأجانب الموجودين بلبنان الذين يتم ترحيلهم من طرف دولهم في الوقت الذي يبقى فيه اللبنانيون والعرب يواجهون قدرهم البائس، لهؤلاء يمكن القول وبكل قوة بأن الجنون والتواطؤ القاتل للولايات المتحدة وحلفائها سيكون له نتائج لا تتوقف عند دولهم الغنية كما يتوقف عند الحدود المهاجرون هناك، في حياتنا اليومية وفي سلمنا الاجتماعي، في قوانينا وفي حرياتنا كما في معيشتنا، سنكتشف بسرعة وبوضوح نتائج فشلنا أمام هذه الوحشية.

إن سكوت من لا يستطيعون التصريح "بالهلع الرسمي" ولا مواجهته هو أمر مخجل وفضيحة فعلا، ودون شك سنكون مدعوين بطريقة أو بأخرى إلى مائدة أولئك الذين لديهم حسابات لتصفيتها، ويتوجب علينا كغيرنا شرب ماهية أو جوهر فضيحتنا واستقالتنا الإنسانية.

لقد كانت لدي هذه الأيام الأخيرة وقفة تأمل وتفكر في ماذا سيفيد "الحجر على سكوت" المجتمع الدولي تجاه الحصار المستمر على الشعب الفلسطيني والمذابح المقترفة في لبنان.. ربما ستساعد في إعطاء الحق – باسم الترابط المنطقي - للسكوت عندما يثور الأقوياء في هذا العالم لإدانة نتائج سكوتهم! ربما سيكون ذلك منطقيا.

أو بكل بساطة - باسم الكرامة - للاستمرار في رفض السكوت وعدم الكف عن تحمل المحاصرين والمجرمين حتى الأغنياء منهم وحتى "المتحضرين" منهم.

--------------------------------------------------------------------------------

* طارق رمضان:- أستاذ الفلسفة والدراسات الإسلامية في جامعة فرايبورج وكلية جنيف بسويسرا، وأحد الكُتاب عن واقع ومستقبل الإسلام والمسلمين في الغرب عمومًا وأوروبا تحديدًا.
نشر هذا المقال على موقعه على الإنترنت www.tariqramadan.com

ترجمة: خيرة طهيري    5/7/1427  = 30/07/2006

الإسلام اليوم

أضف تعليق