هيئة علماء المسلمين في العراق

أبرهة العصر والعقوبة المننتظرة / د. عمر عبد الوهاب الراوي
أبرهة العصر والعقوبة المننتظرة / د. عمر عبد الوهاب الراوي أبرهة العصر والعقوبة المننتظرة / د. عمر عبد الوهاب الراوي

أبرهة العصر والعقوبة المننتظرة / د. عمر عبد الوهاب الراوي

لا يخفى على أحد ما حصل لأصحاب الفيل أيام الجاهلية، حينما أراد أبرهة أن يهدم الكعبة؛ لأنها تشكل عائقا له أمام مشروعه الذي رسمه، والذي يروم من خلاله إخضاع الناس من عرب وغيرهم لسلطانه، فلما رأى رفض العرب ترك الكعبة والاتجاه إلى زياة الكنيسة التي بناها جهز جيشا كي يهدمها، والعرب آنذاك لم تكن عندهم القوة لصد عدوانه.


وهاهو أبرهة يقترب شيئا فشيئا من الكعبة وهو يقدم خيالا واسعا بين عينيه ويستسهل الأمر الذي قدم من أجله، وهنا تحصل المفاجأة التي لم يتوقعها ولم يضعها في حساباته، فالفيل الذ قدمه لهدم الكعبة برك على الأرض، وما عاد يستجيب لأوامره، فوخزوه ولم يتحرك، ثم وجهوه باتجاه اليمن والشام فقام يهرول، وأعادوه مرة أخرى باتجاه الكعبة فبرك ولم يتحرك، وما هي إلا لحظات وتأتي الأسلحة الربانية يحملها جند من جنود الله (وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ ) [المدثر31]. فتلقي حجارة عليهم، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، فتركتهم كأروراق الشجر الجافة الممزقة، فذُعر الجيش وقاموا بالبحث عمن يدلهم على الطريق إلى اليمن، وبدوا يسألون عن نفيل بن حبيب الذي قال فيهم:


     أين المفر والإله الطالب         والأشرم المغلوب ليس الغالب


وأما أبرهة فقد مات شر ميتة فتساقط لحمه قطعا صغيرة حتى وصلوا به إلى اليمن فما مات حتى انشق صدره عن قلبه.


فنصر الله بيته، وغلب أبرهة وجيشه الذي تجبر وتكبر، وظن أنه الأقوى، ولن يستطيع أحد إيقاف مشروعه.


ولا يكاد عصر يخلو من أمثال أبرهة، فكل عدو يقدم على أمتنا في أي عصر فإن أول ما يفعله هو هدم المساجد وإحراقها؛ لأنهم يدركون جيدا أنها أماكن لتخريج الرجال الذين تتباهى بهم الأمة، وأن الإسلام يعتز بالمسجد لأنه عنوان للاجتماع والتآلف والتراحم بين المسلمين.


ولو تصفحنا تاريخ الدولة الفاطمية لوجدنا أن هدم المساجد من أهم ما أقدمت عليه خصوصا أيام المعز الفاطمي، ولكنها زالت على يد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى.


وزماننا قد كثر فيه أشباه أبرهة، في كثير من بلاد المسلمين، وخصوصا في بلدنا فكثيرة هي المساجد التي دمرها المحتل وأعوانه، ثلاث عشرة سنة تمر على احتلال العراق وما زالت المساجد تُهدم وتُحرق وتُغتصب، وكلما حدث أمر مع أشباه أبرهة فإن أول ما يخرجونه من غيظهم يكون باستهداف المساجد.


ولا بد من القول إن مكانة المسجد في أي مكان لا تقل عن مكانة الكعبة فكلها بيوت الله عز وجل، والله تعالى سينتصر لبيوته في كل زمان ومكان، وفي اللحظة التي يقدرها.


وأقول لأولئك الذين اقتفوا أثر أبرهة، إن الله عز وجل ما ذكر قصة الفيل وجعلها تُتلى إلى قيام الساعة إلا لكي نأخذ منها الدروس والعبر، وكذلك فإنه عز وجل يُخبرنا أن أمثال أولئك سيتواجدون في كل زمان ومكان، وأنه تعالى سينتصر لبيوته وسينتقم من كل من سعى في خرابها وهدمها وإحراقها، فانتظروا عقوبته فإنها قريبة منكم.


وأقول لكل مسلم انجرح قلبه وتأثرت نفسه وتوهجت مشاعره لما يراه من هدم وإحراق لبيوت الله تعالى، ويسمعه من مواقف مخزية ممن وقف بصف أبرهة العصر من أبناء جلدته، أبشر فإن العقوبة الربانية آتية لا محالة، وتأمل قول الله عز وجل: (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ) [البقرة114].


فإذا كان هذا حال من منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه، فما هو حال من تعمد هدمها وإحراقها؟ وما هو مصير من قتل عباد الله تعالى فيها واغتصبها؟


 خاص بموقع    الهيئة نت    


قسم الدعوة والإرشاد في هيئة علماء المسلمين


 


أضف تعليق