العرقية من الغرائز المتأصلة في النفس البشرية، أودعها الله تعالى في الإنسان لتكون سلاحاً ذا حدين تخضع كغيرها من الصفات لنظرية التكليف التي إن أحسن استخدامها وجعلها في محلها عادت عليه بالخير في الدنيا وبالثواب في الآخرة، وإن أساء استخدامها وجعلها في غير محلها عادت عليه بالشر في الدنيا والعقاب في الآخرة.
فالخير فيها عند تحققنا بقوله تعالى:{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1] {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } [التحريم: 6] {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] فمجموع هذه الآيات ترشدنا إلى أن نصل الرحم ونحرص على نصح الأهل والعشيرة بالصلاح والتقوى، ومن ثم ننطلق إلى القبائل والشعوب لنتعارف فيما بيننا، ونصلح دنيانا لفلاح أخرانا.
والشر فيها عند وقوعنا بما نهى عنه تبارك وتعالى: { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ } [الحجرات: 11] وروى الترمذي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ( يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عُبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها فالناس رجلان برٌ تقيٌ كريمٌ على الله ؛ وفاجرٌ شقيٌ هينٌ على الله، والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب ......) الحديث، وقال أيضا: (مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ). [صحيح مسلم].
لقد حرص أعداء الدين على زرع الشقاق بين المسلمين بدعوى العرقية لشق صفهم وتفريق وحدتهم وتشتيت شملهم ومن ثمَّ النيل منهم، فهذا شاس بن قيس اليهودي، وكان شيخاً قد عسا، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، مرَّ على نفر من أصحاب رسول (الله صلى الله عليه وسلم) من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فأمر فتى شاباً من يهود كان معهم، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث ــــــ يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وما كان قبله ـــــــوأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعارففعل، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة، فغضب الفريقان جميعاً، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة- والظاهرة: الحرة- السلاح السلاح، فخرجوا إليها، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم، فقال: يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم؟!! فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس..
بعد أن أعز الله المسلمين بالنصر والتمكين لقرون عدة عادت إليهم دعوى الجاهلية، فجرّت إليهم الخذلان والانحسار، وصور حالات دعوى الجاهلية هذه كثيرة يضيق المقام بسردها أو الوقوف عليها برمتها، بيد أنه يمكن الاقتصار على ثلاثة نماذج معاصرة أو قريبة من عصرنا لتكون خير شاهد على ما ذُكِرَ.
الأنموذج الأول: الترك وهم أول وأكثر من انتصر للعصبية العرقية من قادتهم في العصر الحديث بعد عزل خليفة المسلمين السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله تعالى، ونادوا بسياسة التتريك، فبعد أن وصل أتاتورك لحكم جمعية الاتحاد والترقي،واعتلائه سدة الحكم وضع في الدستور التركي (المادة 66) التي تنص على تعريف التركي بحامل الجنسية التركية مع رفض الأقليات العرقية الأخرى، وعليه منع استخدام اللغات غير التركية في الإعلام والتدريس، كما فرض على جميع سكان تركيا تبني أسماء تركية، وحولت أسماء الكثير من المدن -ومنها العربية في الجنوب- إلى أسماء تركية، كذلك منعت المطبوعات والأنشطة الثقافية بغير اللغة التركية، وأبطل كتابة اللغة التركية بالأحرف العربية.
ظن قادة الترك حينها أن أحلام العرقية ستعود على أبناء عرقهم بالاتحاد والترقي لتواكب تقدم الغرب وتوسعه، بيد أن النتائج جاءت على خلاف تلك الأحلام فبعد أن كان الترك يحكمون مساحات شاسعة من بلاد الإسلام في ظل الخلافة الإسلامية انتهى المطاف بهم إلى انعزال كامل عن كل الأعراق المجاورة لها، لتكون دولة صغيرة ضعيفة فقيرة عُزِلت عن محيطها وحاضنتها من الشعوب الإسلامية باختلاف أجناسهم وأعراقهم، فعاش الترك حالة الإحباط من فقر ومرض وتخلف وفساد، ولم يجدوا لأنفسهم بعد مضي ما يزيد على نصف قرن من هذه الحالة البائسة إلا بالعودة إلى حاضنة الإسلام التي تؤمن بالانفتاح على الغير، وأنه لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى وحسن الخلق، فعادت تركيا بعد نبذ القومية وترسباتها إلى دور الريادة والقيادة، والنهوض بكل جوانب الحياة العلمية والصحية والاقتصادية والسياسية.
الأنموذج الثاني: العرب، فبعد أن نحى الترك منحى العصبية العرقية وتجاهلهم لواقع العرب وغيرهم؛ قرر بعض قادة العرب أن ينحوا منحى الترك لكن بالضد، ويعالجوا الخطأ بالخطأ، وهذا ما يعرف بـــ (ردة الفعل)والتي تكون في العادة غير موفقة لارتدادها من أصل خاطئ، فثار العرب بالثورة العربية الكبرى لينادوا بقوميتهم، والمطالبة بتحقيق دولة عربية كبرى تقوم على أساس العرق، فكانت النتيجة أسوء بكثير مما انتهت إليه تركيا، إذ وقع على بلادهم التقسيم، ومن ثم دخولها تحت طائلة الاحتلال الانكليزي والفرنسي والإيطالي،وتسليم فلسطين للكيان الصهيوني، وعاش العرب خلال القرن المنصرم من انتكاسة إلى أخرى، بل والأكبر من ذلك كله اعتداء بعضهم على بعض، فضلاً عن سلبهم لحقوق قوميات وأعراق أخرى عاشت معهم لعشرات القرون شاركتهم الأفراح والأتراح، وبعد هذه التجربة المريرة يصدق علينا قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: (( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله ))، ولم يجد رؤساء الدول العربية من خلاص لمسلسل الانتكاسات إلا بنبذ التعصب القومي والانفتاح على الآخرين، فخرجوا بإصلاحات جديدة نسأل الله تعالى أن تكون صادقة وموفقة، ولعل من أبرزها التحالف الإسلامي العسكري، بعيداً عن داء التعصب العرقي.
الأنموذج الثالث: الكرد الذين وقع عليهم حيف التعصب العرقي من الترك والعرب والفرس، مما دفع بعض قادتهم ليخوضوا مؤخراً غمار هذه التجربة الفاشلة التي فشل بها من سبقهم إليها من الترك والعرب، فأسسوا الأحزاب العرقية التي لا تؤمن إلا بمصالح أبناء جنسها، وما إن تيسرت لهم مقدمة الأفاق للشروع بالاستقلال القومي حتى وقع الخلاف بينهم، وشب الصراع ما بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب العمال الكردستاني، وكل حزب من هذه الأحزاب تمالي دولة قوية من الدول العظمى على حساب مصالح عرقهم من أجل أن يتغلب أحدهم على البقية، أو الانتهاء بتقسيم جديد لأرض العرق بين أبنائها، وإذ لم يتدارك الكرد أزمة العصبية فربما سيكونون الخاسر الأكبر بالنسبة لمن سبقهم في أوهام العرقية، لأن موقع كردستان الجغرافي المغلق والمحاط بقوميات لا تنسجم معها لتعاملها على مبدء حمية الجاهلية، فإذا ما تحقق ذلك الحلم فإنه سيغلق عليهم أفاق الحياة العلمية والصحية والاقتصادية والسياسية.
وهذه الأحداث المريرة التي مرت على هذه الأعراق التي ذكرناها هي كفيلة بأن تعيد نظرهم بشكل إيجابي وصحيح لمفهوم العرقية التي هذبها الإسلام وارتضاها في صلة الرحم ونصح الأهل والعشيرة بالصلاح والتقوى، بعيداً عن غمط الآخرين وبطر الحق، ومن ثمَّ مد الجسور إلى غيرهم من القبائل والشعوب لتتعارف فيما بينها،فينتفع بعضهم من بعض بالعلوم والمصالح، وليس لعرق على آخر فضل أو مكرمة، إنما الأكرم عند الله هو الأتقى والأنقى.
مقال خاص بموقع الهيئة نت
