إغاثة الملهوف صفة لا يحملها إلا من عرف قدرها، وهي من شيم الرجال قبل الإسلام وبعده؛ حيث كان العرب في الجاهلية يتفاخرون بها، ويحترمون حاملها، وهذه حقيقة أثبتتها خديجة رضي الله عنها حين نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء إلى زوجته خديجة رضي الله عنها، وحكى لها ما حدث، قالت له: (( كلا، والله لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتَصِل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق)) متفق عليه.
والكَلُّ هو: الضعيف الذي أعجزته الأيام والليالي سواء كان فقيرا أو ضعيفا أو يتيما أو مريضا، وهنا عبّرت بـ:((تحمل)) وليس بـ:((تعين)) لأنها أبلغ، أي: تعينه إعانة كاملة حتى وكأنك تحمله.
والعبارة التي أطلقتها خديجة رضي الله عنها: ((كلا، والله لا يُخزيك الله أبدًا)) لها اعتبارها ووزنها في عقل كل من فهمها ووعيها؛ حيث أنها بنتها على ما قد رأته منه عليه الصلاة والسلام من الأفعال التي ذكرتها، لذا رأينا كيف كان تأييد الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم منذ أن ابتدأت الدعوة، وحتى التحاقه بالرفيق الأعلى.
ونجد أن هذه الصفات كانت سببا في تأييد الله تعالى لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فعندما أراد أن يلتحق بالمهاجرين إلى الحبشة، كي يتخلص من أذى قريش وبطشها لقيه ابْنُ الدَّغِنَةِ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي.
قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلاَدِكَ.
فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ، وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْرِى الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ؟
فما كان من قريش إلا أن رضخت لما قاله ابْنُ الدَّغِنَةِ، وهذا كله من تأييد الله عز وجل لعباده، ولم يكن هذا التأييد إلا نتيجة للصفات التي كان يحملها أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
واليوم نحن بحاجة ماسة إلى تأييد الله ونصره، ولن نحصل على مرادنا إلا إذا أعنا الملهوفين، وقضينا حوائج المحتاجين، وتصدقنا على الفقراء والمساكين؛ ذلك لأن الملهوف ما وصل إلى شدة الحاجة إلا بسبب الجور والظلم من قبل السلطان وأعوانه، فإعانته وسيلة عظمى لجلب تأييد الله ونصره ورزقه، وهذا ما أكده عليه الصلاة والسلام بقوله: (( هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم )) [رواه البخاري].
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم))[ رواه النسائي وصححه الألباني].
وإنما نُنصر بهم وينزل تأييد الله لنا بسببهم؛ لأنهم أقرب الناس إلى الله عز وجل، ودعوتهم ليس بينها وبين الله حجاب.
وما أكثر الملهوفين اليوم في أمتنا، ولكن لا تجد إلا القلة القليلة التي تعينهم وتسير في قضاء حوائجهم، وتغافُلنا عنهم هو الذي أدى بنا إلى قلة الأرزاق، وذهاب البركة، وتسلط الظلمة علينا.
ومن خلال ما تقدم ذكره فإني أدعو كل مسلم مقتدر أن يتأسى بالصفات التي كانت سببا في تأييد الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولصحابته رضوان الله عليهم، ويستثمر هذا المشروع الذي سيكتسب من خلاله على تأييد الله تعالى له في الدنيا، ورضوانه في الآخرة، والمتمثل بإعانة الملهوفين في المخيمات وخارجها، والذين يعيشون ظروفا قاسية وفي ظل أجواء باردة.
ولندرك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَشْتُمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) رواه مسلم.
ومن ظلم المسلم لأخيه أن لا يعينه في أوقات محنته وحاجته، وكم من أغنياء المسلمين اليوم تغافلوا عن إخوانهم الملهوفين، وبذروا أموالهم في ما نهى عنه الدين، وإذا دعاهم الداعي إلى إغاثة محتاج أو فقير أو مسكين تذرعوا بحجج واهية.
فإذا أردنا تأييد الله ونصره ورزقه فالطريق إليها سالك، ولا يتغافل عنها إلا هالك.
خاص بموقع الهيئة نت
