هيئة علماء المسلمين في العراق

آثار لا تُمحَى / د. بشار النعيمي
آثار لا تُمحَى / د. بشار النعيمي آثار لا تُمحَى / د. بشار النعيمي

آثار لا تُمحَى / د. بشار النعيمي




يغدو الناس في هذه الحياة الدنيا، ويسعون في مناكب الأرض، وهم في عيشهم هذا أصناف كثيرة، فمنهم من يعيش فيها بلا هدف منشود، ولا غاية مرجوة، ليس من شأنه في هذه الحياة سوى أنه يعيش ليجمع المال مما طاب أو خبث، وينفقه حيث يشاء، فلا نفعاً أتى، ولا ضراً كفى، ومن هذا الصنف ينحدر أناس يتعاظم ضررهم، ويزداد شررهم كلما وجدوا الفرص سانحة أمامهم للإفساد في الأرض، وأكثر هؤلاء شرّاًوشرراً من تخدعه الدنيا بجاهها المائل، وتغريه بسلطانها الزائل، فيرى نفسه أنه قد بلغ الغاية في المنى،وملك مفاتيح الهنا، فينقلب في الأرض مكابراً مفسداً، ويتمادى عن النصح والرشاد، ويزداد فساداً في البلاد والعباد، حتى يُطبَع على قلبه ويُختَم، فلا يعي الهدى، ولا يرده إلا الردى، وفي هذا الصنف من الناس قال الله جل وعلا: ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ))[سورة البقرة: 204، 205]، فهذا الصنف صنفٌ مفسدٌ في الأرض، ليس له في هذه الدنيا إلا أثر السوء، الذي زرعه بيديه، وسقاه بشروره، فخبث ذلك الأثر، ولم يخرج إلا نكداً، ومضى على هذا الأثر أخلافهم، الذين ذكر القرآن صنعهم، وذلك بقوله تعالى: ((قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ))[سورة الزخرف: 23]،وعلى منهج أهل السوء والفساد هؤلاء سار فرعون وأتباعه، الذين قال الله ـ تعالى ـ فيهم: كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ  وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ  وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ  كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ  فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ  ))[سورة الدخان: 25 ـــ 29]،لقد سبقوا أسلافهم في الفساد، حتى طغوا في البلاد، فصب الله عليهم عذاباً شديداً.


ويبقى هذا الصنف يتعاقب جيلاً بعد جيل، تتحد أهدافهم، وتتشابه آثارهم، رغم اختلاف شخوصهم وأزمانهم، وتنتشر في الأرض آثارهم السيئة، ولا يبقى لهم على ألسن الناس إلا كلمات تحكي بصمات السوء والفساد التي تركتها تلك الأيادي السوداء.


وعلى طرف نقيض من هذا الصنف كله تلمع آثار صنف من عباد الله أحبوا الخير، وسعوا في نشره بين الناس، أصلحوا نفوسهم بالإيمان، وعمروها بالتقوى، وتفاوتوا في صلاحهم وخيريتهم حتى كان من بينهم أناس صالحون مصلحون،عابدون عاملون، تركوا في الأرض آثاراً طيبة تحكي عظيم صنيعهم، هم أناس صدقوا ما عاهدوا الله عليه، منهم من قضى نحبه، ومضى إلى ربه، وتركوا وراءهم عملاً صالحاً، يرفدهم بعظيم الأجور لينير لهم يوم النشور، ومنهم من ينتظر لقاء ربه، بتواصل مستمر في العمل الصالح لا ينقطع، رغم كل الصعاب والأزمات، وما بدلوا تبديلاً .. إنها حقاً آثارٌ لكنها آثارٌ لا تُمحَى.


مقال خاص بموقع    الهيئة نت    


 




 






أضف تعليق