هيئة علماء المسلمين في العراق

فصاحة النبي ـــــ صلى الله عليه وسلم ــــ وبلاغته....... د.عمر مكي
فصاحة النبي ـــــ صلى الله عليه وسلم ــــ وبلاغته....... د.عمر مكي فصاحة النبي ـــــ صلى الله عليه وسلم ــــ وبلاغته.......    د.عمر مكي

فصاحة النبي ـــــ صلى الله عليه وسلم ــــ وبلاغته....... د.عمر مكي

كل من يتأمل بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ولغته يعرف المحل السامي والمنيف الذي لا يدانيه فيه أحد من الخلق؛ إذ هو يقع منه بالموضع الأنصع بيانا، والأوجز لفظا، والأسلس طبعا، والأوجز مقطعا، والأجزل قولا، والصحة معنى، وكل ذلك يؤديه - صلى الله عليه وسلم- من غير تكلف، فقد أوتي أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم - جوامع الكلم، وخصَّه الله تعالى ببدائع الحكم، وعلمه اللسان العربي وبيانه في لباب فصاحتهم وبلاغتهم، وكل من درس السنة المشرفة، والسيرة العطرة تجلى له هذا الأمر تمام التجلي وظهر له عيان الظهور، فجوامع كلمه المأثور التي لا توازيها فصاحة، ولا تباريها بلاغة تنادي وتشهد على ذلك الألوان والتنوع الكثير في محطات حياته -صلى الله عليه وسلم - حاكما، ومعلما، وخطيبا، وقاضيا، ومربيا، وفي وجوده بين أسرته وبين أصحابه، وكيفية تعامله مع خصومه وأعدائه، فتنوع كلامه- صلى الله عليه وسلم- في هذه الأحوال قد أخذ المراتب السامية في البيان وكل ذلك يجعله من مميزات خصائص شخصه - صلى الله عليه وسلم- العظيم الذي عُدَّ به مثلا عاليا للعالمين، وأسوة صالحة في كل حين للمقتدين الراجين الله واليوم الآخر (لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا )[الأحزاب:21]، ومن هنا صار بيانه -صلى الله عليه وسلم - لكل الدعاة والمصلحين في جوانب الحياة المختلفة لاحتوائها على ما تسمو به الأخلاق الفاضلة والنبيلة، وجلائل الأعمال القويمة، وقد أكدت الصديقة زوجه ملْحظ بيانه - صلى الله عليه وسلم- وسمو فصل كلامه الشريف بقولها فيما رواه القاسم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( كان كلامه فصلا يبنيه النبي - صلى الله عليه وسلم- لايسرد الكلام كسردكم هذا يحفظه كل من سمعه))(1)، وفي لفظ آخر عند أبي شيبة، قالت: (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يفهمه كل من سمعه))(2)، وكل هذا تحقيق للبلاغ المبين الذي قصد به في قوله تعالى:(وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ) [العنكبوت:18]، وقد نبه العلماء قديما على سمو البيان النبوي، فقد قال يونس بن حبيب البصري:           ( ت183ه) وهو شيخ الكسائي وسيبويه والفراء وأبي عبيدة وغيرهم، فقد قال يونس - رحمه الله تعالى-: (( ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -))(3)، وقال الجاحظ: (( لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا، ولا أقصد لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين فحوى من كلامه - صلى الله عليه وسلم-))(4).


ولا غرو في ذلك إذ كلام أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم- من ينبوع الحكمة جريانُه، ومن معدن النبوة رفعته، ولذلك تخطت جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم- حدود المكان والزمان يقول مصطفى صادق الرافعي - رحمه الله تعالى- في معنى هذا: (( ولذا ترى كلامه - صلى الله عليه وسلم- يخرج من حدود الزمان فكل عصر واجد فيه ما يقال له، وهو بذلك نبوة لا تنقضي، وهو حي بالحياة))(5)، وعلل الرافعي سمو بيانه - صلى الله عليه وسلم- بقوله: (( ألفاظ النبوة يعمرها قلب متصل بجلال خالقه، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه، فهي إن لم تكن من الوحي فقد جاءت من سبيله، وإن لم يكن لها منه دليل فقد كانت هي من دليله محكمة الفصول، حتى ليس فيها عروة مفصولة محذوفة الفضول حتى ليس فيها كلمة مفضولة، وكأنما هي في اختصارها وإفادتها نبض قلب يتكلم))(6)، وكل هذا يؤكد دلائل نبوته - صلى الله عليه وسلم- إذ الحجة بها تكون أقهر وأقطع، وللجاحد والمعاند أردع وأقمع، وللمغرض والشانئ أدفع وأمنع، ولذا لم يأت أحد من الخلق بمثل بلاغته وبيانه، وحسن معانيه وسداد ألفاظه، ونور براهينه وبراعة إفادته وعبق سنته وأزاهير عبارته.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



  1.    رواه النسائي في عمل اليوم والليلة برقم ( 412).

  2.    رواه ابن أبي شيبة في كتاب الأدب: 1/ 161، برقم (69) وفي المصنف، برقم ( 6347)، وكذلك أبو داود في سننه: 4/ 261، برقم ( 4839).

  3.    البيان والتبيين: 2/14.

  4.    المصدر نفسه.

  5.    وحي القلم: 3/17.

  6.    إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 279.


 


مقال خاص بموقع    الهيئة نت    


 


أضف تعليق