هيئة علماء المسلمين في العراق

الأبعاد الاستراتيجية لأزمة معسكر بعشيقة! / طلعت رميح
الأبعاد الاستراتيجية لأزمة معسكر بعشيقة! / طلعت رميح الأبعاد الاستراتيجية لأزمة معسكر بعشيقة! / طلعت رميح

الأبعاد الاستراتيجية لأزمة معسكر بعشيقة! / طلعت رميح

لم تنته أزمة معسكر بعشيقه، وإن توارت عن الأضواء قليلا، فهي تتحضر وستعود من جديد لتكون عنوانا مهما ضمن ملفات الصراع الإقليمي والدولي الكبير الجاري وذاك الأكبر القادم.


ما جرى من تراجع في حدة الأزمة لا يعود لسحب تركيا لقواتها "الجديدة" المضافة، من معسكر بعشيقة إلى منطقة كردستان العراق مع بقاء المعسكر الأصلي كما هو، ومن يتابع التصريحات التركية حول سحب القوات يجدها حملت مضامين وإعلان محدد واضح بعدم سحب القوات إلى الأراضي التركية بل إن القوات الجديدة أعادت انتشارها نحو مناطق سيطرة حكومة كردستان العراق.


كان القصد من إعادة نشر القوات تخفيف حدة الأزمة المثارة دون سحب القوات ودون التراجع عن وجود معسكر بعشيقة.


لقد قيدت حالة الوجود التركي والأزمة حول هذا الوجود في دفتر الصراع وجرى التوقيع على اعتمادها كأحد أوراق الصراع والصِدام الجاري تصعيده في الإقليم، وفي ذلك يبدو أصل الحكاية كاشفا لجانب من جوانب ومضامين الأبعاد الاستراتيجية للحدث الراهن، كما تبدو حالة التسخين والتبريد التي جرت كاشفة لأبعاد أخرى.


وأصل الحكاية أن القوات التركية موجودة أصلا على أرض العراق منذ زمن طويل، ولعل أهم تاريخ لهذا الوجود هو ما جرى في عام 1992م، حين اعتمدت القوات المسلحة التركية استراتيجية جديدة للتعامل مع تهديدات ونشاط حزب العمال الكردستاني (التركي) انطلاقا من شمال العراق.


هذا الوجود التركي – في تلك المرحلة - لم يكن وجودا استباقيا، بل جاء مرتبطا بشن عمليات حربية واسعة في شمال العراق، شارك فيها نحو (15) ألف جندي تركي، وكانت ثاني أكبر عملية عسكرية تركية خارج الحدود (كانت الأولى في عام 1974م خلال الحرب القبرصية).


ولم تلبث تركيا أن أعادت شن حملاتها العسكرية مجددا في شمال العراق بعد نحو ثلاثة أعوام 1995م؛ إذ شنت عملية الفولاذ الأولى التي شارك فيها نحو خمسة وثلاثون ألف جندي تركيا، خاضوا معاركهم على امتداد نحو (60) كيلو متر داخل الحدود العراقية، وهو ما تواصل مجددا بعد ذلك بعامين 1997م؛ إذ شنت تركيا عملية المطرقة ضد حزب العمال الكردستاني مجددا.


وهكذا حولت تركيا عملياتها العسكرية إلى حالة حربية دائمة، ثم إلى وجود دائم أو إلى تأسيس عمق استراتيجي لوجود قواتها على الأرض العراقية عبر تكرار العمليات العسكرية التي أظهرت مدى حاجتها لتوفير مراكز استباقية للحرب ضد حزب العمال التركي على الأرض العراقية، وقد توفرت ظروف تحويل الأعمال العسكرية إلى وجود دائم، تزامنا مع الحرب الكردية - الكردية (الحزب الديموقراطي الكردستاني - الاتحاد الوطني الكردستاني)، إذ لم تنته تلك الحرب إلا ونفذت تركيا خطة عسكرية جديدة قامت على وجود قوة مستقرة في شمال العراق – بحجم لواء كامل - تحت عنوان حفظ الاستقرار في شمال العراق، وهو ما جاء في سياق عام أخطر يتعلق بعملية إضعاف سيطرة الدولة العراقية على شمال البلاد وجنوبها بفعل خطة حظر الطيران التي قررتها ونفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا.


وما كان لافتا في هذا الوقت المبكر، أن ذكرت الكثير من مراكز الأبحاث الاستراتيجية، أن تركيا استهدفت من هذا الوجود الدائم محاربة النفوذ الإيراني في شمال العراق، وحتى الآن – وطوال نحو (20) عاما - تتواجد القوات التركية في مطار بامرني وفى قرية كاني كاس كما تتواجد وحدات من العمليات الخاصة على أرض العراق.


وفي أصل الحكاية أيضا، فقد توسع الوجود العسكري التركي في شمال العراق، مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وتمدده، إذ قابلته تركيا بتمدد في وجودها العسكري على أرض العراق، ليصل هذه المرة إلى أطراف الموصل، إذ جرى إقامة قاعدة تدريب لأول مرة خارج منطقة سيطرة حكومة كردستان(معسكر بعشيقة) تحت عنوان تدريب قوات كردية وقوات من العرب السنة.


وما جرى مؤخرا لم يكن سوى إرسال قوات حماية لهذا المعسكر (حوالى 25 دبابة) مع تصاعد أنباء عن استعدادات لخوض معركة الموصل، هنا تحركت إيران وروسيا لتدفع العبادي وميلشيات الحشد الطائفي لتصعيد الأزمة، فقامت تركيا بإعادة قواتها "الجديدة" إلى داخل المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة كردستان العراق، دون أن تسحبها إلى داخل الحدود التركية، وبذلك ظل معسكر بعشيقة على حاله القديم لا أكثر ولا أقل.


ومن كل أصل الحكاية ومن حدود التصرف التركي في الأزمة الأخيرة، يتضح أن ما جرى لم يكن سوى إزالة العارض الجديد، غير أن ما كشفته القصة يبدو غاية في العمق، فقد كشفت الأحداث اعتبار كل الأطراف أن الأراضي الخاضعة لكردستان العراق، هي أراضي ذات سيادة يحق لها استضافة قواعد لدول أخرى.


كما كشفت الأحداث مدى تنامي وتصاعد حالة التقسيم عمليا، إذ الأزمة بدأت وانتهت عند حدود الموصل، كما كشفت الأزمة عن موقف استراتيجي تركي يتعلق بنظرتها للحدود العراقية وبالعلاقات مع إيران وروسيا، فحقيقة الأمر أن تركيا أرادت وجودا عسكريا يكسر خط اطلاق الصواريخ الروسية من بحر قزوين.


تركيا أرادت أن تقول إن الصواريخ الروسية لا تحدد الحدود، وإن لها قوات خلف خط مرور الصواريخ الروسية، التي بدى اطلاقها محاولة لتغيير قواعد النفوذ.


أما قصة التسخين والتبريد للأزمة فقد كشفت عن مدى تصاعد الدورين الروسي والإيراني في رسم تصرفات الحكم الطائفي الراهن في العراق، وعن مدى دورهما في صناعة الأزمات وادارتها لتحقيق مصالحهما في الصراع مع تركيا.


أزمة معسكر بعشيقة وضعت ضمن ملفات الصراع وسيكون لها حظ كبير في التفجر مستقبلا، بل في مستقبل قريب. 


 خاص بموقع    الهيئة نت    


أضف تعليق