يعيش العراقيون في السادس من كانون الثاني في كل عام؛ ذكريات ملؤها الفخر والاعتزاز بتأسيس الجيش العراقي الأصيل الذي خط على صفحات التاريخ ملاحم لا يقوى على محوها تقادم الأيّام، ورسم لوحات من البطولة الفذة ما لا يسع نسيانها أو التغاضي عنها.
واليوم إذ تحل الذكرى الخامسة والتسعون لتأسيس أول نواة لهذا الجيش الأصيل حينما أعلن الفريق جعفر العسكري عن تشكيل فوج موسى الكاظم في بغداد لتكون نقطة الانطلاق نحو إتمام تشكيلات أول جيش وطني في العراق بعد أقل من عام على انتصارات التحرير المتمثلة بثورة العشرين الغرّاء التي قهرت الاحتلال البريطاني وجعلته يغادر أرض الرافدين مرغمًا؛ فإن العراقيين على اختلاف مشاربهم يجدون فيها ملاذًا ونسمات من أمان يُحلّون بها لياليهم القاتمة ويُجمّلون بظلالها أيّامهم الحزينة، وهم يروون لأبنائهم وأحفادهم روائع البطولات التي أبداها هذا الجيش والجهود التي بذلها في الحفاظ على وحدة العراق وحراسة حدود الأمة العربية والإسلامية على حد سواء من أن تنال منها أطماع الفرس الممتدة على طول مسار التاريخ.
لقد أعطى الجيش العراقي لكل الأحرار دروسًا في صيانة القيم والثبات على المبادئ، واسترخاص ما تراه النفوس ثمينًا في ظل إيمان عميق وعقيدة راسخة، حتى صار في ضمير كل حر وغيور كمشكاة تنير الطريق نحو الحرية والكرامة، إذ لم تكن البوصلة التي سار عليها إلا امتدادًا لنظيرتها في ثورة العشرين التي تكاتف فيها العراقيون بمختلف انتماءاتهم فنسجوا للعراق ثوب الحرية، في مشهد تاريخي قلّما توافر مثله في القرن الماضي، ثم نما وتوسع ليتطور في غضون عقود قليلة ويحجز لنفسه مكانًا في مقدمة الصفوف بين أقوى جيوش المنطقة.
وفي هذه الذكرى؛ لا ينفك العراقيون من توثيق شهاداتهم بحق جيشهم المغوار ذي المهنية والحرفية، لاسيما وأن منتسبيه من ضباط ومراتب كانوا يعلمون بروح الفريق المتجانس وهم يقودون منظومة واحدة تتكامل فيها الأدوار رغم تنوعها، وتؤدّى المهمات فيها على وجه يليق بمعاني الجندية والانضباط، فاستحق وبجدارة لا تشوبها شائبة جميع ما أطلِق عليه من أوصاف المدح ونعوت الثناء، فهو سور العراق المنيع، أو مصنع الأبطال، وصمام الأمان أو حارس الأمّة، والأسطورة أو العملاق، لتعكس هذه الأوصاف مكانته المرموقة في نفوس العراقيين والعرب أجمعين الذين لم يترددوا في أن يقلدوه لقب حارس البوّابة الشرقية للوطن العربي وصمّام أمان الأمة فهو الذي خاض الصّعاب وتحّملها وبذل جهودًا مضنية جميع المهمات التي أوكلت له بالذود عن حِمى العراق ودول المنطقة؛ إذ لم تقتصر أدواره على أرض الرافدين، بل امتدت لتكون بلاد الشام شاهدة عليها لمّا كان له الدور الأكبر في دحر الكيان الصهيوني في سورية وفلسطين والأردن في الحرب العربية – الصهيونية عام 1948، والمعارك الأخرى التي تلتها في عامي 1967 و 1973، وما تزال تلك البقاع الطاهرة تؤوي جثامين الشهداء الأبطال من ضباط وجنود الجيش العراقي، ولتكون في أرض الكنانة بمصر مشاهد أخرى تروي للتاريخ بطولات سلاح الجو العراقي الذي لقن الصهاينة في حرب سيناء درسًا وأذاقهم مر الهزيمة.
وحين تحل ذكرى تأسيس الجيش العراقي؛ فإنه ما من شك يعتري أبناء العراق في أنها مرتبطة بواحدة من أبرز الملاحم البطولية التي خاضها طيلة السنوات الثماني في ثمانينيات القرن الماضي بمواجهته للعدوان الإيراني الغاشم منذ ولغاية الثامن من آب سنة 1988 والتي تكللت بالنصر المؤزر بعد لوحات وفصول عجيبة قدّمها العراقيون بالصبر والصمود والثبات والشجاعة والإقدام؛ متحديًا بها جيش العدو الفارسي الذي كان يوصف بأنه خامس جيش في العالم، لكنه اندحر على أعتاب الحدود الشرقية بعدما تصدى له الجيش العراقي ووقف بحزم أمام ريحه الصفراء المسمومة التي تحمل عواصفها مزيجًا من الأحقاد التاريخية والضغائن العقائدية تجاه المسلمين عمومًا والعرب على وجه الخصوص.
لقد قدّم العراقيون وجيشهم الأغر في تلك الحرب؛ ملاحم قل نظيرها، وزفوا في إبانها قوافل من الشهداء؛ ساهمت في أن يعتلي العرب بسببهم علياء المجد وقمم الفخر، فأثلجوا صدور كل الشرفاء في العالم، وقيّضوا عملاق الخوف الذي كان يأسر الكثير من بلدان المنطقة إلى قزم لا حول له ولا قوّة، فانتزعوا من العدو اعترافًا دوّنه التاريخ بمزيج من الذل والانكسار حينما أٌر بتجرعه السم الزعاف.
تمر الذكرى الخامسة والتسعين لتأسيس الجيش العراقي في هذا اليوم، والبلاد تشهد وضعًا في منتهى الأسف وغاية الأسى، لما آلت إليه أوضاع الجيش الحالي الذي مرغته الطائفية وانحدرت به إلى أسفل القاع، بعدما أقدم الاحتلال الأمريكي الغاشم على حل الجيش العراقي الأصيل، واستبداله بقطاعات من الميليشيات التي تحركاه وتدعمها طهران، وفتحت العملية السياسية الحدود على مصرعيها لتتوافد قوافل الإيرانيين المعتدين فيعيثوا خرابًا وفسادًا في ربوع العراق بدءًا من عاصمة الرشيد بغداد، ومرورًا بمدينة الزبير أرض البصرة الفيحاء، واشتمالاً على بقية المدن والمحافظات في شمال البلاد وجنوبها، حتى صار العراق مسرحًا لتلك العصابات التي تغطيها الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال وتوفر لها الدعم بكل أصنافه.
وتأتي هذه الذكرى؛ والملايين من العراقيين مشردون في الخيام ما بين نازحين ومهجّرين من جرّاء الإبادة الجماعية وانتهاك حقوق الإنسان التي يمارسها الجيش الحكومي الحالي تجاه المدن والمناطق الآهلة بالمدنيين، في واحدة من أسوأ جرائم الحرب التي ترتكب ضد شعب لا يريد سوى حريّته، فقد سخّر هذا الجيش مدفعياته وراجماته وسلاحه الجوي في استهداف الأطفال والنساء من جهة، وأطلق أفراده ليزجوا بالشباب المدنيين في المعتقلات ليجعلونهم رهن التعذيب أو يقودونهم إلى منصات الإعدام، بدفع طائفي تفوح منه روائح الشر والكراهية والأفكار السقيمة التي لا تعرف إلى الطهر سبيلاً.
لقد سمح الاحتلال الأمريكي للنفوذ الإيراني بالتمادي، فتلوث الجيش الحكومي الحالي فوق ما هو ملوث، واستغلت طهران تلك الفرصة فزجت بقوّاتها على شكل قطعات عسكرية نظامية كفليق القدس والحرس الثوري وقوّات الباسيج وغيرها، وبأثواب أخرى غير نظامية ممثلة بالميليشيات الطائفية التي سعت لتزيل عن العراق كل أصالة، وتحجب عنه كل ضياء، وتلوث فيه كل نقي، فبذلت إيران والكيان الصهيوني والقوى الغربية التي احتلت العراق كل ما بوسعهم للانتقام من الجيش العراقي الذي ذاقوا على يديه مر الهزائم وتجرعوا طعم الذل والانهزام، حتى صار تاريخ الجيش في العراق على مدى ثلاث عشرة سنة صفحة سوداء قاتمة لا يُسر من ينظر إليها ولا يبقى للعقل إزاءها مستقر.
إن من الظلم الذي ليس بعده عدل، والجهالة التي لا تعرف طريقًا إلى الحكمة أن تُجرى مقارنة ما بين الجيش العراقي الأصيل صاحب الذكرى الخالدة، والجيش الحالي الذي تم استيراده في ظل الاحتلال السافر، فالأول رمز لا تعلو عليه قمة ولا يُحيط بحقه وصف في المديح أو المناقب، والآخر أنموذج للطائفية الفظة مفتقر لعقيدة عسكرية، مفلس في التدريب والمهنية فضلاً عن انتشار آفة الفساد والرشوة بين صفوف معظم ضباطه ومنتسبيه، ووصل الفساد إلى أوجه وزارة الدفاع نفسها التي توالت فضائحها أمام العالم بصفقات السلاح المشبوهة والجنود الفضائيين الوهميين، ما جعل جيشها أرخص من أن يُكن له احترام وأجبن من أن يصمد في مواجهة، حتى بلغ من الذلة بمكان أن يُؤتى يتشكيلات ما يسمى "الحشد الشعبي" ـ وهي مجاميع من الميليشيات والعصابات المتطرفة طائفيًا ـ ليكون بديلاً له تعتمد الحكومة عليه وتهدر ثروات العراق من أجله، حتى قادت البلاد إلى إفلاس حقيقي وبنى تحتية مضمحلة، وأوصلته إلى شفا جرف هارٍ يوشك أن يتردّى به وينهار.
إن الفرصة أمام العراقيين ما تزال سانحة، في أن يستلهموا من ذكريات جيشهم البطل روح الإقدام والتضحية التي طالما تحلى بها ليسترد الحقوق المغتصبة ويعيد الحق إلى نصابه، فيكون من حقه عليهم ـ وهو صاحب التاريخ المكلل بالانتصارات والظفر ـ أن يسعوا ليستردوا تلك المآثر، فيوظفونها في نفوسهم، ويزرعونها في أذهان وقلوب أبنائهم ليربوهم على معانيها، فينهضوا نهضة الرجل الواحد، وينتزعوا من العدو زمام المبادرة، فيجثوا عملاءه ويضربونه بأيدٍ من حديد تقصم ظهره وتشتت جمعه، حتى يولي إلى غير رجعة.
الهيئة نت
ج
