وقع الصِدام مع روسيا، وأصبح بالإمكان القول، إن الصِدام معها، قد أصبح صِداما استراتيجيا شاملا، إذ لم يعد ممكنا حسم أو حل أي من الصراعات الجارية في الإقليم دون المواجهة مع روسيا ومن تتحالف معهم في الإقليم.
روسيا أصبحت اليوم "دولة جوار" في الإقليم، بوجودها العسكري العدواني –كمحتل- وبحكم هيمنتها وسيطرتها على الحكم في سوريا، وروسيا باتت دولة مصارعة من الداخل وفي داخل الإقليم من خلال وجود عسكري ضخم ومن خلال تحالفات عسكرية مع أطراف إقليمية، ضد أطراف إقليمية أخرى، باتت تتحرك نحو التحالف مع بعضها البعض لمواجهة الحلف الروسي الجديد.
وروسيا هي من أدخلت الإقليم كله في وضع جديد مختلف كليا.. فهي لم تحتل سوريا فقط، بل أقامت حلفا عسكريا قتاليا مع إيران وميليشياتها ونظامي الحكم الطائفيين في العراق وسوريا من جهة، وصارت تشن حرب كسر عظم مع تركيا التي كانت مرشحة للعب دور إقليمي كبير في حسم أو حل القضايا المتفجرة، وروسيا أقامت علاقات تنسيق عسكري مع إسرائيل في الأجواء السورية والمياه البحرية لسوريا، بما غير توازنات القوى. وروسيا صارت في صِدام عسكري مع الشعب السوري، بل في صِدام مع مختلف شعوب المنطقة عبر دورها "الفظ" في دعم ومساندة الثورات المضادة، وبذلك أصبحت في صِدام مع القوى المستقبلية التي تسعى للتغيير، وهو ما يعني أن روسيا باتت في وضعية تصدير وتعميم نموذج حكمها الديكتاتوري للبلاد التي جرت فيها محاولات لإحلال الديمقراطية.
وإذ يجب القول بوضوح، إن روسيا لم تفعل إلا فعلته الولايات المتحدة وأوروبا في العراق وأفغانستان من أعمال احتلال وقتل وتدمير لمقدرات الدولة والمجتمع، ولم تفعل سوى ما فعله الغرب ضد ثورات الشعوب والربيع العربي، وأن الغرب تفوق ويتفوق بكثير على ما فعلته روسيا مع إسرائيل.. ولذلك يقف الغرب صامتا أو يعيش حالة تواطؤ - فإنه يجب القول أيضا.
إن روسيا صارت في موقف الصِدام المباشر والمعلن دون مواربة في كل مواقفها وتحالفاتها ضد العرب والسنة في كافة أنحاء الإقليم - وفق أجندة صراع وتدخلات عسكرية متمددة ومتوسعة- كما هي زادت على مواقف الغرب بعدا أعمق بإقامتها حلفا عسكريا مع إيران، وميليشياتها التي تقتل وتدمر على أسس طائفية، وبصراعها مع تركيا وبتمكين إسرائيل من العمل في الأجواء السورية (تحت حمايتها)، فقد صارت في وضعية من يحدث زلزال في توازنات الإقليم، فضلا عن كونها باتت في موقف العداء العلني مع ثورات الربيع التي لا يزال الغرب يدعى إعلاميا وقوفه إلى صفها.
روسيا باتت في صِدام استراتيجي عسكري وسياسي ودبلوماسي وإعلامي في مختلف أنحاء الإقليم، وفي موقف عدائي حربي ضد قوى عديدة بينها دول وحكومات وحركات شعبية ديمقراطية وحركات مسلحة، وهو ما جعلها في موقع الجبهة الأمامية للصراع بل للصِدام في المنطقة العربية ومع دول إسلامية أيضاً.
وإذ تعكس الاستراتيجية والحالة الروسية تجاه قضايا ودول وصراعات المنطقة، وضعا توافقيا - بطريقة أو بأخرى - مع القوى الغربية وإسرائيل، وإذ تجري تلك الاستراتيجية من خلال حلف عسكري مع إيران وأتباعها، فلم يعد أمام المستهدفين بكافة مواقعهم في الحكم أو المعارضة، سوى إعادة تقدير الموقف وإعادة تحديد الأولويات واعتماد نمط جديد من إدارة التحالفات والبحث في كيفية استجماع طاقات كل القوى الرسمية والشعبية لمواجهة هذا الوضع الاستراتيجي الجديد والخطير، ومن قبل ومن بعد فقد صار مطلوبا التحلي بالإدراك الدقيق لطبيعة التوازنات الحالية والمستقبلية ولضرورات ربط مختلف تكتيكات الحركة - على كافة الصعد السياسية والدبلوماسية والإعلامية والجماهيرية والعسكرية - وفي مختلف المواجهات الجارية، برؤية وتقييم شامل للموقف الاستراتيجي العام في الإقليم وعلى الصعيد الدولي - حدوده وتوازناته وتوافقاته واختلافاته - حيث كل خطأ يجرى ارتكابه الآن في أية منطقة، ستكون له انعكاسات فورية في مختلف المناطق الأخرى.
الصِدام الاستراتيجي مع روسيا كشف المواقف الغربية وأزال كل الأوهام، ولم يعد ممكنا إلا مواجهة الحقائق عارية من تزييف.
