اذا كانت الحروب والنزاعات تلتهم (40) بالمائة من بلداننا داخليا، فإنها لا ترحم، بانعكاساتها، من يعيش في المهجر، إنها تتمدد وتتمطى لتفرض حضورها، وإن بأشكال تختلف عن جحيم الحروب الداخلية.
إنها تتبدى، خارج وطننا، بشكل تجمعات في أحياء سكنية محددة، أو غيتوات ( معازل)، تختلف عن الغيتوات التاريخية، النامية داخل مجتمع ما نتيجة القمع والاضطهاد وتسهيل السيطرة والتحكم بفئة بشرية معينة.
تتميز المجتمعات المنغلقة على نفسها أو الغيتوات الحديثة، الناتجة عن حروب الشرق الأوسط، خاصة، بكونها اختيارية، ويتحكم بها فيروس «فرق تسد» السياسي، أكثر منه العرقي أو الديني، الشائع خطأ، في بريطانيا، على سبيل المثال حيث، غالبا ما يلجأ المسؤولون البريطانيون، ومعظم أجهزة الإعلام، إلى استخدام مصطلح المجتمع المسلم أو العربي (لا يقولون المجتمع اليهودي) للإشارة إلى العرب والمسلمين سواء كانوا من المهاجرين الجدد أو حتى المولودين منهم، عبر أجيال في بريطانيا.
يتم التعامل مع هذه التجمعات، المتناثرة في مختلف أرجاء بريطانيا، باعتبارها وحدة، متماسكة، مترابطة العلاقات، يجمعها الدين الإسلامي أو العرق الذي ينتمون إليه.
وهو توصيف لا يقل خطورة عن وضع الناس في غيتوات مكانية لإحكام الهيمنة عليهم، أو رسم صورة نمطية لتسهيل كيفية النظر اليهم والتعامل معهم، فتكون النتيجة مهما كانت الأسباب والنوايا انسانية صادقة، أن يعامل جميع المصنفين بأنهم أفراد مجتمع صغير داخل المجتمع الأكبر، يُصبغون بذات الصبغة، ويعاقبون جراء سلوك فرد أو افراد، كما يعاقب طلاب الصف كله، اذا ما فشل المعلم بتشخيص ومعاقبة التلميذ المشاغب.
من هنا تنبع تصريحات الساسة الغربيين العنصرية، مثالها بالدرجة القصوى ( هناك درجات أقل) تصريحات دونالد ترامب، المرشح في السباق الجمهوري للترشيح في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة. ترامب لا يطلق التصريحات من فراغ (بمعيار التصنيف النمطي )، بل ينتقيها من سلة تحتوي نعوتا باتت جزءا لا يتجزأ من صورة المسلم العامة. كل ما فعله ترامب هو أنه استل من السلة واحدة من المفردات: اسلامي، إرهابي، داعشي، وقاعدة، ليجد بين جمهوره الأمريكي من يهلل لجرأته ويجد فيه خير من يمثله كرئيس في المستقبل القريب.
للأمانة، علينا أن نعترف بأن ترامب ليس فريدا من نوعه، لا أعني بين الغربيين فقط، فبينهم، على الرغم من تاريخ بلدانهم الاستعماري الطويل في بلادنا، من يضحي بحياته من أجل قضايانا مثل قضية فلسطين ومناهضة الحرب واحتلال العراق ومساندة الشعب السوري، ما أعنيه هو وجود من يدعم ترامب وغيره، في موقفهم الإقصائي التهميشي، ضد المسلمين، وساعد جورج بوش وتوني بلير في تسويق الحرب وغزو العراق، من بين «النخبة» في «مجتمعنا» الإسلامي - العربي، وهو بحد ذاته، ما ينفي وجود مثل هذا المجتمع الموحد دينا وموقفا وإجماعا، وليكن في رسائل الشكر التي وجهها «مثقفون» عراقيون إلى جورج بوش بمناسبة احتلاله بلدهم، خير مثال
. فما هو مصنف باعتباره مجتمعا إسلاميا - عربيا، في المهجر، هو عبارة عن مجموعة تكتلات بشرية، متناثرة، تختلف بقوميتها، ولغتها، ودرجة تدينها، وحقبة ومكان وسبب هجرتها، وإذا كان سبب الهجرة سياسيا، فإن نواة الغيتو الاختياري سيكون سياسيا، وإن كان التلفع بالغطاء المذهبي أو الديني مفيدا، أحيانا، وحسب درجة تساهل ومصلحة دائرة الهجرة واللجوء البريطانية مع فئة دينية او قومية معينة.
وينطبق نموذج الهجرة بحقب زمنية – سياسية مختلفة على العراقيين، بدءا من سقوط العهد الملكي، في خمسينيات القرن الماضي، وما تلاه من انقلابات عسكرية وحروب وحصار حتى الاحتلال عام 2003م.
هجرة هذه الموجات من العراقيين واستقرارهم ببريطانيا، كأفراد على الغالب، واندماج الكثيرين منهم بفضل الدراسة والعمل، يدحض التصنيف البريطاني النمطي للمجتمع «المسلم» و «العربي» الموحد، وتزداد الصورة النمطية بعدا عن الواقع، حين نتابع نشاطات البعض المحمومة للتبرؤ من ذلك «المجتمع» المفروض فرضا، عبر وسائل نفسية، بطبقات متعددة، واعية ولا واعية.
وتزداد الصورة تعقيدا اذا كان العربي و/ أو المسلم صاحب مؤسسة أو منظمة مجتمع مدني، اذ يتوجب عليه، في هذه الحالة، اثبات انه «معتدل»، وأن يكون التنديد بالإرهاب الإسلامي (إذ بات كل إرهاب إسلاميا بالضرورة) معركته الأولى لتجنب تعريض النفس إلى التجريم والانتقاد، وإبعاد الشبهة عن النفس، والأكثر من ذلك، أحيانا، إيقاف الدعم المادي أو حجز الأموال.
في حال عراقيي المهجر، الذين طالما وجدوا أنفسهم على هامش التصنيف النمطي للمجتمع العربي – الإسلامي، طغى التمايز السياسي، ما بين الملكي والشيوعي والقومي والبعثي، حتى تسعينيات القرن الماضي، حين نثرت بذور الطائفية السياسية عبر منظمات وتحالفات شرعت تتلقى الدعم المادي بسخاء من الإدارة الأمريكية بعد تمرير قانون تحرير العراق.
فصار الشيوعي ( العلماني) شيعيا ليتهم القومي والبعثي ( العلماني) بأنه سني، ومع مرور السنين، وتكرار التهم والتضليل، والفساد، وازدياد مساحة الموت، وتقلص فسحة الحياة داخل الوطن، بنيت التمايزات الطائفية بأساطيرها وتهويماتها، والبحث عن التجمعات والتنظيمات الداعمة للطائفية، ويا للغرابة، في المهجر المستقر الآمن، أكثر منه الوطن بحربه واقتتاله.
ويزداد الصراع المباشر أحيانا والمموه في أحيان أخرى بين النخب الدينية ضد العلمانية، والشيعية ضد السنية، والعكس بالعكس، بين النخب، تتبدى النشاطات من خلال منظمات ومراكز مدعومة بسخاء بالإضافة إلى تقديم المنح الدراسية والدعم للبحوث «الأكاديمية»، حسب الطلب، هناك مثلا منظمة نسوية جعلت أولويتها شن حملة لخلع الحجاب لأنه يستفز البريطانيين، بينما ينشط أكاديميون، صامتون تجاه احتلال فلسطين والإرهاب الإسرائيلي اليومي على الفلسطينيين، بتوقيع رسائل تدعو «المجتمع المسلم»، ببريطانيا، إلى الاستيقاظ من غفوته والابتعاد عن الإرهاب، فعن أي مجتمع مسلم يتحدثون؟.
