الرئيس الأمريكي وكبار قادة حكومته يؤكدون أن حربهم في البلاد العربية ومثلها أفغانستان هدفها تحقيق الديموقراطية في هذه البلاد، ولا يتردد هؤلاء في القول إن هذه الديموقراطية قد تحققت فعلاً في كل من العراق وأفغانستان بفضل جهودهم \"المباركة\" هناك،
ولأن تجربتهم - كما يقولون - قد أثبتت نجاحها فإن تكرار تلك التجربة في لبنان خطوة تستحق المبادرة لكي تتحقق بفضل أدائهم المتميز في كل مكان يتواجدون فيه.
ديموقراطية العراقي يراها العالم كله، ففي كل يوم يقتل العشرات، والقتل على الهوية أصبح عملاً مشروعاً، ومثله هدم دور العبادة على رؤوس أصحابها، أما تقسيم العراق فقد أصبح واقعاً ملموساً وكل هذا بفضل الديموقراطية الأمريكية.
نماذج ديموقراطية الأمريكان في العراق كثيرة لا تحصى ويكفي أن يكون "أبوغريب" واحداً من هذه النماذج، أما قتل النساء والأطفال وحوادث الاغتصاب والقتل فحدث عنها ولا حرج، ذلك ما فعلوه هناك والبقايا في الطريق..
ومع استنكار العالم كله لكل تلك الجرائم إلا أن القيادة الأمريكية لا تزال مصرة على أنها حققت الديموقراطية في العراق وكأنها بتلك الأكاذيب تستغفل العالم كله أو لا تقيم له وزنا..
أما لبنان - المنكوب بتلك الديموقراطية - فهو على قائمة الأمريكان الحالية وكأنه لم يكن ديموقراطياً في يوم من الأيام وكأنه كان ينتظر التدخل الأمريكي لتتحقق له تلك الديموقراطية.
السفير الأمريكي في الأمم المتحدة "جون بولتون" يردد هو الآخر موقف حكومته من لبنان فهو يقول: إن لبنان حر ومستقل يمكنه أن يصبح مثالاً للديموقراطية لبقية دول الشرق الأوسط.
ويقول بولتون: إن تلك الديموقراطية لا تتحقق إلا ببعض الإجراءات لتكون لبنان مهيأة لتلك الديموقراطية.. وأضاف: إن الأمر سيكون تقدماً لافتاً لن يمر مرور الكرام في المنطقة.
أعتقد أن القيادة الأمريكية بالتعاون مع اليهود اتخذت فعلاً بعض تلك الإجراءات التي وعدت بها.
ولأن كل حرية لابد لها من ثمن فإن على اللبنانيين دفع الثمن بحسب الرؤية الأمريكية - الصهيونية لكي تتحقق لهم تلك الديموقراطية.
مجزرة قانا التي قتل فيها أكثر من ستين لبنانيا معظمهم من الأطفال كانت بداية تلك التضحيات التي دفعها أهالي قانا.. هؤلاء كانوا ينامون في ملجأ خوفاً من الإرهاب الصهيوني ولكن هذا الإرهاب لحقهم إلى ذلك الملجأ الذي انهدم فوق رؤوسهم بفعل الصواريخ الصهيونية والدعم الأمريكي الذي لم يتوقف".
لم تكن هذه المجزرة هي الأولى لأهالي قانا فقد كانت هناك مجزرة سابقة وقعت سنة 1996م في الثامن عشر من أبريل وقد كان ضحية هذه المجزرة 109 قتلى، وكان هؤلاء القتلى يحتمون بمقر الأمم المتحدة خوفاً من الإرهاب الصهيوني ولكن - ومرة أخرى - لحقهم هذا الإرهاب، وهذه المرة في مقر الأمم المتحدة التي لم تحرك ساكناً لا في المجزرة الأولى ولا الثانية والفضل يعود في ذلك لديموقراطية أمريكا التي كانت تباركه كل مرة.
مجزرة قرية مروحين هي الأخرى واحدة من شواهد الديموقراطية الأمريكية - وما أكثر هذه الشواهد - وبالتالي فإن الأمريكان ليسوا بحاجة إلى إثبات جديتهم في تحقيق أهدافهم ولا سيما أنهم ما زالوا يشجعون الصهاينة على مواصلة قتل المدنيين في لبنان وفلسطين.
مجزرة قانا كانت إجراماً متعمداً بكل المقاييس وبكل القوانين الدولية، هذه المجزرة هزت مشاعر الصحفيين الأجانب وكانوا يبكون وهم يشاهدون جثث الأطفال الممزقة وتحت الأنقاض، كما هزتهم كلمات بعض النساء اللواتي فقدن كل أقاربهن، لكن هذه المآسي - على بشاعتها - لم تحرك المشاعر الأمريكية فالسيدة رايس أعربت عن أسفها لما حصل والسيد بوش دعا إلى سلام دائم في الشرق الأوسط يصب في مصلحة الأطفال ولست أدري ماذا يعني بكلمة "دائم" وعن أي أطفال يتحدث.
ومجلس الأمن - الذي تتحكم فيه أمريكا - أعرب هو الآخر عن أسفه وحزنه ولا شيء أكثر من هذا.. حتى إدانة الصهاينة لم نسمعها من هذا المجلس المحترم والأمم المتحدة بقضها وقضيضها عجزت عن إيقاف القتال في لبنان، والفضل يعود للولايات المتحدة وديموقراطياتها المتعددة في كل مكان.
ولكن هل كان موقف بعض العرب أفضل من موقف الآخرين؟ هذا هو السؤال المحزن..
مصر - أكبر دول العرب - اكتفت باستدعاء السفير الإسرائيلي وأبلغته غضب مصر الشديد - ما شاء الله - على ما حدث.. لعل الإخوة في مصر يعتقدون أن غضبهم الشديد سيكون له مفعول السحر عند الصهاينة!
أما الآخرون فقد اكتفوا ببعض التصريحات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. الكل يدرك أن قضية لبنان لا تهم معظم العرب ولا جامعتهم التي تمثلهم، هي قضية الأمريكان واللبنانيين ولا شيء سوى ذلك.
الأمريكان ينتهكون كل القيم والأخلاق في كل أفعالهم، ويرسلون القنابل الذكية لإهلاك اللبنانيين ومثلها الصواريخ الحارقة، يعلنون كل ذلك وبوقاحة لا مثيل لها.. بعضها يشحن عن طريق بريطانيا والبعض الآخر من قطر - وهي دولة عربية لمن لا يعرف - ومع هذه الوقاحة فإنهم يرون أن كل من يساعد لبنان يعتبر إرهابياً، بطبيعة الحال هذه أهم ملامح الديموقراطية التي يبشرون بها.
الأمل معقود على كل اللبنانيين للدفاع عن بلادهم، ولعل مجزرة قانا ومعرفتهم للأهداف الصهيونية والأمريكية تجعلهم يوحدون مواقفهم دفاعاً عن بلادهم.
أما الأمريكان فسيدركون أن الدم العربي لن يضيع هدراً، وأن كل مسلم سيكون شوكة في حلوقهم وفي حلوق مشاريعهم الاستعمارية وأنهم لن يحققوا أياً من أهدافهم التي قتلوا عشرات الآلاف من أجل تحقيقها.
وأخيراً أتمنى ألا تقول كل دولة عربية: إنني أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
صحيفة "الوطن" السعودية
ديموقراطية المجازر الأمريكية - محمد علي الهرفي
