في شهر ربيع الأنور من كل عام تخفق القلوب فرحاً وحباً، لاستذكارها ذلك اليوم الذي ولد فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وما أحوج العالم آنذاك إلى يدٍ كريمة رحيمة تنتشله من ظلام الكفر والجهل والضياع والفوضى، فكانت بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) نقلة نوعية انعطفت بالعالم كله نحو بر الأمان وشاطئ الاطمئنان، وما أحوجنا وأحوج عالمنا اليوم إلى مد الأيدي إلى تلك اليد الكريمة المتمثلة بالمنهج العظيم الذي أورثه الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأمته؛ لتنقذ الناس مما هم فيه، فالعالم اليوم غارق في الصراعات والأزمات، ومنغمر في الفتن والمحن، ولن يخرج منها إلا حين يستجيب إلى نداء رسول ربّ العالمين، من أرسله الله رحمة للعالمين.
لقد كانت دعوة الخليل إبراهيم والذبيح إسماعيل (عليهما السلام) شاهداً حياً ناطقاً، يشهد على حاجة البشرية جمعاء، والعالم أجمع، إلى مبعث الرسول المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، وهذه الدعوة المباركة حكاها القرآن الكريم عنهما بقوله تعالى: ((رَبَّنَاوَابْعَثْفِيهِ مْرَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْآَيَاتِكَوَيُعَلِّمُهُمُالْكِتَابَوَالْحِكْمَةَوَيُزَكِّيهِمْإِنَّكَأَنْتَالْعَزِيزُالْحَكِيمُ ))[ البقرة:129]، فهذه الدعوة تضمنت شهادة عظيمة ــ منذ ذلك الوقت ــ تقضي بأنّ هذا الرسول الكريم سيأتي إلى البشرية وهو جامع لكل معاني الخير والنبل، حريصٌ على إنقاذ الناس من التيه والضياع، قائدٌ لهم إلى جميع معالم السعادة والهناء في الحياة الدنيا، وفي الآخرة دار البقاء، وجاء البيان القرآني يشهد لهذا النبي العظيم بأنه المثل الأعلى بين الناس في الرحمة بهم، والحرص كل الحرص على إنقاذهم وإسعادهم، فقال الله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ))[الأنبياء:107]، وقال عز وجل: ((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )) [التوبة:128]، وقد أجمل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القول في بيان غاية بعثته إلى العالمين، حين قال: " إنما بعثت رحمة مهداة " [رواه البزار بسند صحيح].
إن هذه الرحمة المهداة كانت شمساً ساطعة على الخلق جميعاً، أنارت قلوباً أحبت النور، وأبت العيش في دهاليز ظلام الكفر والضلال، فامتدت أشعتها إلى أماكن قاصية، ومواضع نائية، وستبقى ممتدة حتى لا يبقى في الأرض زاوية من زواياها إلا ويصلها شعاع الإيمان بالله وبرسوله ورسالته.
إن العقول لتحار، وإن الألسن لتعجز، وإن الأقلام لتنبو، عن وصف هذه الرحمة المهداة، التي أضفت على الحياة كل معاني الرحمة، وفي مختلف أنواعها وألوانها، فرحمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم تكن مقتصرة على المؤمنين فقط، بل وصلت سحائب هذه الرحمة إلى غير المسلمين من الناس، بل إلى غير البشر أيضاً، فهذه دواوين كتب الحديث والسيرة العطرة تنطق عن موقف تتجلى فيه الرحمة كل الرحمة بغلام غير مسلم، كان هذا الغلام يخدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فمَرِضَ، فأتاهُ النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ" [رواه البخاري]،ويوم كذّبه قومه، واتهموه بالأباطيل والأكاذيب، وطردوه من بلده، وأخرجوه من أهله، فذهب حتى وصل قرن الثعالب (اسم موضع بقرب مكة)، فإذا هو بجبريل وملك الجبال (عليهما السلام)، قَالَ:" فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّ اللّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ ــ الجبلين ــ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: " بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ وَحْدَهُ،لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً " [متفق عليه]، وعندما أحاط بهم يوم فتح مكة العظيم، وتمكن من رقابهم قال لهم: " مَا تَرَوْنَ أَنِّي صانعٌ بِكُمْ؟ قالُوا: خيراً، أَخٌ كريمٌ، وابنُ أخٍ كريمٍ، قالَ: " اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ " [رواه البيهقي في سننه الكبرى]، أي رحمة عظيمة هذه، وأي شفقة جليلة تلك، مقابلة الإساءة بالإحسان، ومقابلة الظلم بالغفران، لقد مَلِئَ قلبُه (صلى الله عليه وسلم) عفواً عظيماً، وإحساناً كبيراً، حتى عفا عمن كذبوه واتهموه، وتجاوز عمن طردوه وأدموه، فكان أروع مثل للعزة والرحمة.
إن هذه الذكرى المباركة ينبغي أن تجدِّد فينا معاني الرحمة بكل صورها، وتحيي فينا معالم العزة بأبهى محاسنها، وتزيدنا ثباتاً على منهج قدوتنا (صلى الله عليه وسلم)، الذي تأكد لنا من وقائع التاريخ والزمان أن الخير كل الخير في اتباع هديه(صلى الله عليه وسلم)، والشر كل الشر في الابتعاد عن منهجه، فهو منهج الخير والسعادة، ومنهج العزة والريادة،إنه منهج الرحمة المهداة.
مقال خاص بموقع الهيئة نت
