منذ أن انتهت الخلافة الإسلامية وأمتنا يسيل دمعها، ولا تجد من يمسحه، ويداوي جرحها، ويُظهر البسمة على وجهها.
أمة كانت تتباهى بمجد وازدهار لم يعرف التاريخ له مثيلا، فتحت المشارق والمغارب، وخضع لسلطانها الأكاسرة والقياصرة.
وسؤالي: أين ذهب عز الأمة ومجدها؟ وأين ذهبت قوتها؟ وكيف ضاعت كرامتها وحل الضعف في نفوس أبنائها؟
هذه الأسئلة أجاب عنها أبو الدرداء رضي الله عنه حين فُتحت قبرس وفُرّق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، وكان أبو الدرداء جالسا وحده يبكي، فقال له جبير بن نُفير: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: ويحك يا جُبير ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره! بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله عز وجل فصاروا إلى ما ترى.
لنتأمل مقولة أبي الدرداء: ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره!، وبعد تفكرنا فيها لا بد من السؤال الآتي: ألم يكن الداء الذي أصاب تلك الأمة قد حلَّ في أمتنا اليوم؟ تركنا أمر الله فهُنَّا عليه؛ وكأن أبا الدرداء يقول لنا: أي أمة لا تلتزم بأمر ربها فمصيرها الضعف والمهانة، ولو كانت قوية وقاهرة وظاهرة! وإذا كان أبو الدرداء قد بكى على تلك الأمة الكافرة فمن سيبكي على أمتنا اليوم؟
حقيقة لا يجوز أن نغفل عنها؛ لأن من حق القارئ لتاريخنا الحافل بالانتصارات أن يسأل: أين ذهبت تلك القوة، وما سبب ضياعها؟
والطامة الكبرى أن قسما من المسلمين في وقتنا الحاضر لايتأثرون بالمواقف التي خلدها لنا تاريخنا الإسلامي، ولا يبالون بما كانوا عليه من عز ومنعة، لأنهم تركوا أمر الله فهانوا على الله، فهان عليهم كل شيء، وتجّسد فينا قول الشاعر:
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الْهَوَانُ عَلَيْه ما لِجُرْحٍ بِمَيّتٍ إيلامُ
وقد ضرب لنا القرآن الكريم أروع الأمثلة على ذلك، ومنها:
- قوله تعالى: (وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ) [النحل 112].
- وقوله عز وجل:(ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ)[الانفال 53].
فالتحول الذي حدث في أمتنا سببه ترك أوامر الله عز وجل، ورفض الدعوة التي وجهها لنا سبحانه بقوله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ
تُحۡشَرُونَ)[الانفال 24].
وقد بيّن القرآن الكريم السبب في عدم استجابتنا لنداء الله تعالى: (فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ)[القصص 50].
ومن النتائج التي أثقلت كاهل أمتنا اليوم بسبب إهمالها لأوامر الله تعالى، أن سلّط الله تعالى عليها حكاما، أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله.
إبكي علينا أبا الدرداء، ولنبكي على بكائك، ففي أي زمن يجتمع برلمان يدعي الإسلام، لكي يحل قضايا تهم الأمة، أتدري ما هي يا ابا الدرداء؟
الأولى في بلد مسلم عنوانها تخفيض اسعار المشروبات الروحية!
والثانية في بلد إسلامي آخر يدور محورها حول فرض الضرائب على المشروبات الروحية!
ودعك من القضايا الأخرى التي اعتدوا فيها على حدود الله عز وجل!
إبك علينا أبا الدرداء؛ فأمتنا اليوم يصدق عليها قول القائل:
إني تذكرت والذكرى مؤرقة مجدا تليدا بأيدينا أضعناه
ويح العروبة كان الكون مسرحها فأصبحت تتوارى في زواياه
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصا جناحاه
كم صرّفتنا يد كنا نُصرفها وبات يحكمنا شعب ملكناه
إبك أبا الدرداءلعل البكاء يوقظ الأمة من الغفلة التي تعيشها، ويُعيد إليها صوابها، كي تعود إلى الحياة التي ارتضاها الله تعالى لها.
خاص بموقع الهيئة نت
