الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى .. وبعد:
فقد سألني مُفسبكٌ فاضلٌ، هل وقع لشيخ الإسلام ابن تيمية إعذارُ الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي وتأويلُ كلامه الذي ظاهره كفر، بحمله على خلاف الظاهر المتبادر.؟
والواقع أن هذا السؤال يرد كثيراً في أذهان الـمعتنين، مع أن الذين تكلموا في ابن عربي من قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده كثير كما في (تنبيه الغبي) للبقاعي وغيره، ومنهم من أغلظ القول فيه فوق ما أغلظه ابنُ تيمية كالشيخ إبراهيم الجعبري القائل فيه كلاماً فجّاً لا يحسن بنا نقلُه في هذا الموضع، وكسلطان العلماء العز ابن عبد السلام وفي ثبوته عنه نظر، أو هو محمول على صيانة ظواهر الشارع وردع العوام عن الزلل لتعظيمهم المشايخ.
فإن العز كان معظّماً لابن عربي ويأذن له بالكلام في مجلسه، وقد حضر مجلسه يوماً فسأله العز: كيف حالك مع أهلك؟ فأنشده ابن عربي:
إذا رأى أهلُ بيتي الكيسَ مُمتلئاً....تبسّمتْ ودَنَتْ مني تُمازحُني
وإن رأتْهُ خَليَّاً من دراهمهِ.........تكرّهتْ وانثنتْ عني تُقابحُني
فقال له العز: كلنا مع الأهل ذلك الرجل.!
لكن لم ينتشر كلامُ أحدٍ من الطاعنين على الرجل كما انتشر كلامُ ابن تيمية وراج، لشهرته بالإنصاف ولـما وضع الله لكلامه من القبول والرضا، ولم أقف فيما بين يديَّ من تصانيف أبي العباس بن تيمية على شيء مما وقع السؤال عنه، بل الذي في تصانيفه التصريح بكفره، لكنْ وقع له وصفُ ابن عربي في غير موضعٍ بأنه أقرب الاتحادية إلى الإسلام، وتارةً يقول إنه أعلمهم بالإسلام وأحسنهم إسلاماً.!
وله كلامٌ يصف فيه الشيخَ الأكبر بأن كلامَه مع كونه كفراً فإنه أقرب إلى الإسلام قال: (لـما يوجد في كلامه من الكلام الجيّد كثيراً، ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثباتَ غيره، بل هو فيه كثيرُ الاضطراب، وهو قائم في خياله الواسع الذي يتخيّل فيه الحقَّ تارةً والباطلَ أخرى، والله أعلم بـما ماتَ عليه) هذا كلامه.
وقال في موضع من (فتاويه): (لكنْ ابنُ عربي أقربـُهم إلى الإسلام وأحسنُهم كلاماً في مواضعَ كثيرة، فإنه يفرّق بين الظاهر والمظاهر، فيُقرّ الأمرَ والنهيَّ والشرائعَ على ما هي عليه، ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشايخُ من الأخلاق والعبادات، ولهذا كثيرٌ من العُبّاد يأخذون من كلامِهِ سلوكَهم فينتفعون بذلك، وإن كانوا لا يفقهون حقائقه، ومن فهمهما منهم ووافقه فقد تبيّن قوله). أهــ كلامه
وعندي أن ابنَ تيمية نفسه مضطربٌ في شأن ابن عربي، فتارةً ينسب إليه القولَ بقدم العالم متابعة منه لما يروى عن العز ابن عبد السلام، وتارةً يقول إنه يقول إن مادةَ العالم وصورتَه التي هي الهيولى قديمة، وتارةً يذهب إلى الفرق بين قول من يقول بقدم العالم من المتفلسفة وبين كلام الشيخ الأكبر.!
وصرّح في موضع من (مجموع الفتاوى) بأنه كان أول أمره يُـحسن الظنَّ بابن عربي ويُعظّمه، لـِمَا رأى في كُـتبه من الفوائد مثل (الفتوحات) و(المحكم) و(الكُنه) و(الدُّرَّة الفاخرة) و(مطالع النجوم) وغيرها، وأنه إنـما تبيّن له حقيقةُ مقصوده بعد أن طالع (الفصوص).!
وهذا ظاهر في أنه لم يتلقَ كتبَ ابن عربي على أهل الفن من العارفين بحقائق علوم الصوفية ورموزهم وإشاراتـهم، ولم يكن لابن تيمية خبرةٌ ودرايةٌ بأصول الفن، ولا تلقَّاه على شيخٍ عارفٍ، فمن هنا وقع له الغلطُ عليهم، وإنـما غالب درايته بطريق الشيخ عبد القادر الجيلاني وكلامه، وله شرحٌ مفيدٌ مطبوعٌ على (كلمات فتوح الغيب) للجيلاني، فإنه تلقّى علم ذلك عن جدّه وأبيه من جهة اجتماعهم بالجيلاني في مذهب أحمد، وقد ذكر هو في كتابه الذي صنَّفه في نقض كلام ابن الـمُطهّر الحلي أن له إسنادين في خرقة الشيخ عبد القادر وطريقته عن أبيه وجدّه.!
ومما يدل على اضطراب رأي ابن تيمية في ابن عربي أنه رجع عن إكفاره في آخر حياته لـمّا ناظره الشيخُ ابن عطاء الله السكندري في السجن، وعبارته المتقدمة في ابن عربي وهي قوله: (والله أعلم بـما مات عليه) تنبئ بـهذا، وإن كان في ثبوت وقوع هذه المناظرة نزاع مشهور، وقد نقل عنه الذهبي وغيره ما يؤيد رجوعه عن إكفار الشيخ الأكبر، وهو قوله قبيل وفاته إنه لا يُكفّر أحداً من أهل القبلة.
وفي الجملة فابن تيمية لا يـُميّز كلام ابن عربي بل يحكم بـمجرّد ما يقع له دون تـمييز بين ما نُسب إليه وما هو من كلامه، كنقله عن (الفصوص) وأكثر اعتماده في إكفار ابن عربي على النقل منه، مع أن في نسبته إليه نظر، ومن هنا صرّح ابنُ تيمية بأن لابن عربي كلاماً جيداً كما مرّ، وتارة ينقل من كتبٍ لم يتحقّق أنـها من تصنيفه كنقله عن كتاب (الهو) وغيره، تـماماً كما نقل عن أبي حامد الغزالي من كتاب (المضنون به على غير أهله) ما اقتضى عنده الطعنَ عليه مع أن (المضنون) لا يصحّ أنه من تصنيف أبي حامد.!
هذا فضلاً عن أن ابن عربي قد نُسب إليه ما ليس من كتبه حتى ذكر الأستاذ كوركيس عواد أن بعضهم أحصى تصانيفَه فبلغ بـها أربعة الاف! وهو خلاف ما كتبه الشيخُ الأكبر نفسه في إحصاء كتبه في (الفهرست) الذي صنعه لنفسه، وقام بجمعه عثمان يحيى وصدر عن المعهد الفرنسي سنة 1964، وكذا في إجازته للملك الظفر غازي فإنه ذكر منها (284) كتاباً وذكر المجد الفيروزابادي وغيره عنه أن تواليفه تنيف على الثمانمائة.!
وأيضاً فليس لابن تيمية دراية بعبارات الصوفية وإشاراتـهم التي مَنْ لم يفهمها لم يفهم مرادَهم وغلط عليهم، وقد ذكر العلامة جعفر بن إدريس الكتاني في كتاب (الرد على السنوسي) أن كثيراً من الكلام قد دسّه الغلاةُ في كتب ابن عربي فنُسب إليه ما ليس من كلامه.!
وذكر الشعرانيُّ في (مختصر الفتوحات) أنه كان يحذف من نسخته من (الفتوحات) الكلامَ الذي ظاهره كفر، قال: (حتى قدم علينا العالمُ الشريفُ شمس الدين أبو الطيب المدني المتوفى سنة 955 هـ فذاكرته في ذلك، فأخرج إليَّ نسخةً من الفتوحات التي قابلها على النسخة التي عليها خطُّ الشيخ محي الدين نفسه بقونية، فلم أرَ فيها شيئاً مما توقفتُ فيه وحذفته).!
ولذا ذكر الشعرانيُّ في (المنح الإلهية) أن ابنَ عربي صرّح ببطلان الاتحاد الذي نسبه ابنُ تيمية إليه في أكثر من عشرين ومائة موضع من كتبه! وهو القائل: (لا يقول بالاتحاد إلا أهلُ الإلحاد، ولا يقول بالحلول إلا من عقلُه معلول) بل صرح ابن عربي نفسه في (عقيدته) بذلك وعبارته فيها: (تعالى أن تحلّه الحوادثُ أو يحلّها).!
والعجب أن كثيراً ممن يتبع ابنَ تيمية على هذا لم يُكلّف نفسه عناءَ النظر في كلام المخالفين لابن تيمية في الحكم على ابن عربي، بل يقنع بـما فهمه ابنُ تيمية من مطالعاته في كتب الرجل، وليس هذا من الورع والإنصاف بسبيل، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعليّ كما في (المسند): (إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ).
وكان الأولى بـهم أن يقولوا ما قاله النوويُّ حين سُئل عن ابن عربي فقال: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وقال الذهبيُّ في (التاريخ): (ولابن عربي توسـعٌ في الكلام وذكاءٌ وقوة حافـظة وتواليف جمة في العرفان، ولولا شطحات في كلامه وشعره لكان كلمةَ إجماع، ولعلَّ ذلك وقع منه في حال سُكره وغيبته، فنرجو له الخير).
وهذا الذي اختاره ومال إليه الحافظُ السلفيُّ عبد الحق الهاشمي رحمه الله المدرّس بالمسجد الحرام في (شرح كتاب التوحيد من البخاري) له وهو مقام السلامة والأمن في الدين.
ومن اللطائف ما حكاه الشيخ ابن أبي منصور في (رسالته) عن ابن عربي أنه أنشد لنفسه:
يا من يراني ولا أراه.....كمْ ذا أراهُ ولا يراني
فقيل له: كيف تقول (ولا يراني) وأنت تعلم أنه يراك.؟
فقال مرتجلاً:
يا من يراني مُجرماً.....ولا أراهُ آخذاً
كمْ ذا أراهُ مُنعماً.....ولا يراني لائذاً
فللرجل من الرموز والإشارات الغامضة في كلامه ما يقتضي التأني في الحكم عليه قبل حلّه وفكّه، والاعتذار عنه بتأويل كلامه وحمله على ما يليق كما صنع ابن القيم مع شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي في (مدراج السالكين) وقد كان ابنُ تيمية يحطُّ على أبي إسماعيل ويضع من كتابه (منازل السائرين) ويقول إنه مشتمل على كلام أهل وحدة الوجود.!
أو على الأقل التورع عن الحكم على ابن عربي وتفويض أمره إلى خالقه، فإن الإلغازَ في الكلام كان طريقةَ بعض العلماء كالبخاري في (الصحيح) وقد غلب على طريقة المتأخرين حتى عاب بعض العلماء كالكابلي وغيره تصانيف شيخ الإسلام زكريا الأنصاري لوضوح عبارتـها، وكان قصدُهم شحذ أذهان الطلبة للبحث وحلّ المشكل وهو عند الصوفية والمتكلمين أكثر منه عند غيرهم.
وقد عُلم أن ابن عربي كان ممن يٌعظّم السنن والآثار ويقدّمها على أقوال الفقهاء، وكان ظاهرياً يحفظ (المحلى) ويحمله في أسفاره، وصنع له مختصراً لطيفاً، وكان الشيخ أبو محمد العز بن عبد السلام يستعير (المحلى) منه.
ووقع أن ابن عربي رأى ابنَ حزم في منام وهو يعانق النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقد دخل جسدُ كلِّ واحد منهما في الآخر، قال: وهذا غاية الوصلة والاتباع، فهل يتعقل أن يخرج ممن هذه حالُه، هذا الذي نسبه إليه ابنُ تيمية.!؟
وقد كان بعضُ الشيوخ كالعز وابن دقيق العيد واليافعي والقسطلاني وغيرهم يذكرون ابن عربي بكل خير وينعتونه بالولاية في مجالسهم الخاصة، فإذا سُئلوا عنه بين يدي العامة حذّروا منه ومن كتبه، حتى كان بعض الشيوخ بمصر إذا جاء موعد درس كتب ابن عربي خرج بأصحابه إلى الجيزة حتى لا يشهد العوامُ الدرس.!
لقول ابن مسعود رضي الله عنه (مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً) وقد قال أبو حامد الغزالي:
يا ربَّ جوهرِ علمٍ لو أبوح به........لقيل لي أنتَ ممن يعبدُ الوثنا
ولاستحلَّ رجالٌ صالحون دمي.........يرون أقبحَ ما يأتونه حسنا
إني لأكتمُ من علمي جواهرَه...كي لا يرى الحقَّ ذو جهلٍ فيُفتَتَنا
وقد تقدَّم في هذا أبو حسن......إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا
وكما كان ابنُ تيمية نفسه يذكر عن جدّه المجد أبي البركات ابن تيمية أنه كان يُفتي بالطلاق الثلاث واحدة سرّاً مراعاة لهذا الأصل.
وهو الذي اختاره الجلالُ السيوطيُّ في رسالة (تنبيه الغبي) فإنه ذكر قولَ من يحكم بولايته وقول من يحكم بزندقته، واختار هو اعتقاد ولايته مع تحريم النظر في كتبه لمن لا يفهم أغراضها ومقاصدها لما تقدّم ذكره.
وإنـما مرادهم حراسة جناب الشرع وقانونه ورسومه الظاهرة، وحماية العوام من قراءة كتبه التي قد يضلون بـها من حيث لا يتعقلونـها، وهو من جنس قول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: (حدّثوا الناسَ بـما يعرفون، ودعوا ما يُنكرون، أتحبّون أن يُكذَّبَ اللهُ ورسولُه) ولأن مصلحة العامة وحماية قانون الشارع مقدمان على عرض مسلم مهما عظم قدره. والله أعلم
وما أجودَ ما قال العلامة ابنُ الحصّار الظاهري: (ثلاثةُ رجالٍ حُرمَ الناسُ من الانتفاع بـهم بالتعصّب عليهم، ابنُ حزم وابنُ عربي وابنُ تيمية).!
وقد ذكر الأستاذ عبد العزيز المنصوب أن ما يطعن عليه خصومه فيه ويتعلقون به عليه، فأكثره إما كذب متعمد عليه أو تحريف وقع من النساخ فراج، أو مما لا تبلغه أفهامهم من الكلام الإشاري، فمما يطعن به عليه قوله:
مقام النبوة في برزخ......فويق الرسول ودون الولي
وإنما مراده كما شرحه هو أن كل رسول فهو نبي ولا بد، وكل نبي فهو ولي ولا بد، فكل رسول فهو ولي بالنتيجة ضرورة، فالرسالة خصوص مقام الولاية قال: فالرسول هو الإمام والولي هو المأموم والنبي إمام ومأموم، وقد صرح في موضع آخر أن الولاية شعرة في مقام النبوة، فكيف يصح أن يقول بعد هذا إن الولاية أفضل من النبوة كما يدعيه عليه خصومه.؟!
ومن ذلك ما نقله عنه ابن تيمية أنه يقول:
عقد الخلائق في الإله عقائداً.....وأنا اعتقدتُ جميع ما عقدوه
وهو تحريف قبيح فإن البيت في (الفتوحات):
عقد الخلائق في الإله عقائداً....وأنا شهدتُ جميع ما اعتقدوه
وفرق ظاهر بين اللفظين، ومنه ما نسبوه إليه أنه يقول:
العبدُ ربٌ والربُ عبدٌ.....يا ليت شعري من الـمُكلّفُ
إن قلتَ عبدٌ فذاك رب.......أو قلتَ رب أنى يُكلّفُ
وإنما هما:
الربُ حقٌ والعبدُ حقٌ.....يا ليت شعري من الـمُكلّفُ
إن قلتَ عبدٌ فذاك ميْتٌ.....أو قلتَ ربٌّ أنى يُكلّفُ
ويذكرون ما ذكره أبو العباس الغبريني في (العنوان) أن الشيخ الأكبر حكم عليه بالقتل في مصر لولا شفاعة أبي الحسن البجائي، وهو كذب عليه فإن الغبريني ذكره باسم ابن سراقة وذكر وفاته سنة (640) ولا يعرف ابن عربي بـهذا الاسم والمحفوظ في وفاته سنة (438) وأيضاً فإن أبا الحسن البجائي قدم مصر سنة (642) أي بعد وفاة ابن عربي بأربعة أعوام.!
وللشيخ مناقب جمة جمعها بعض العلماء كالمحب ابن النجار وغيره، وكان معظّماً للسنن والآثار، يذكر قول الشيخ أبي القاسم الجنيد إن طريقنا هذا مضبوط بالكتاب والسنة، وذكر مسألة تقديم الأقرأ أو الأعلم في الإمامة والخلاف فيها ثم قال: (وبقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقول، ولا حجة للقائلين بخلاف ما قاله).
رحم الله العارفَ والفقيهَ..والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
خاص لموقع الهيئة نت
