لكل نتيجة مقدمات تسبقها، ولكل عمل جزاء من جنسه، ولن تتحقق نتيجة دون أسباب تتقدمها، وكذلك لن يتحقق شرط دون أداء المشروط.
من أهم ما درسناه في قواعد النحو فعل الشرط وجوابه، وتعلمنا أن المعادلة لن تتحقق إلا بوجود الطرفين، فإذا أردنا أن نأتي بفعل الشرط فقط فالجملة ناقصة وغير مفيدة، وكذلك الحال إذا مثلنا بجواب الشرط فلا عبرة بها بل هي كالكلام الذي لا فائدة منه.
ولو تأملنا قليلا هذه المقدمة ووضعناها في مقارنة مع الحال المرير الذي تعيشه أمتنا، لتوصلنا إلى نتيجة لا تتمناها نفوس المؤمنين، وهي أننا قد أهملنا هذه القاعدة في كثير من جزئيات حياتنا.
وخير شاهد على ما نقول كتاب الله عز وجل؛ فكم من آية حملت فعل الشرط وجوابه؛ فبقي جواب الشرط معلقا؛ لأننا لم نحقق فعله.
ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في سورة النور في قوله تعالى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْ)، فالطاعة فعل الشرط والهداية جوابه، ولن تتحقق هداية دون طاعة، ولن تتحقق طاعة إلا بالاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم واتباع منهجه، والاتباع لا يتحقق بالقول دون العمل، ويجب أن يكون أثر الاتباع واضحا على شخصية التابع الأخلاقية والعملية، فيبتدر إلى كل ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم به، وينتهي عن كل ما نهى عنه عليه الصلاة والسلام.
فنرى أن النتيجة ترتبت عليها مقدمات، وإذا كنا قد علمنا النتيجة ومقدماتها، لا بد لنا أن نبين النتائج المترتبة على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم التي ذكرها القرآن الكريم ومنها:
1. الفوز بالجنة، قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ) [النساء13].
2. مرافقة الانبياء والصديقين والشهداء والصالحين في جنات النعيم، قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا)[ النساء69].
وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم دلت على الجزاء العظيم الذي يحصل عليه المطيع للرسول عليه الصلاة والسلام.
أما الجزاء المترتب على من يعص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتولى عن منهجه عليه الصلاة والسلام؛ فقد بينه القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ) [ النساء14].
وبعد هذا العرض الذي قدمته؛ فإن هناك أسئلة تدور في خاطري - خصوصا وقد دخل علينا شهر ربيع الأول، الذي فيه مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم- هل طاعتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في زماننا هذا قولية وفعلية أم قولية فقط؟
وهل حققنا الطاعة الحقيقة التي توصلنا إلى الهداية والرشاد والفوز بجنة رب العباد؟
وما هي حقيقة اتباعنا للرسول صلى الله عليه وسلم، وهل لذلك أثر على مجتمعنا المسلم؟
هذه الأسئلة وغيرها تدور في عقول بعض المسلمين في عصرنا الحاضر!
لكن الناظر في حال المسلمين اليوم يجد أن الجواب على هذه الأسئلة واضح من خلال الحال الذي يمرون به؛ حيث نرى أن جانب المعصية غلب جانب الطاعة، وأصبح الاتباع عند بعض المسلمين باللسان وليس له أثر على الجوارح والأركان، ولو وجهت سؤالا لقسم كبير منهم من يطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأجابوك كلنا نطيع رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن منظرهم وملبسهم لا ينبئ عن صحة ادعائهم، فلو كانت الطاعة حقيقية لوجدنا أثرها عليهم.
إن من المصائب التي تعيشها أمتنا اليوم أن قسما ممن انتسبوا إليها بدا لهم أن اتباع المصطفى عليه الصلاة والسلام يكون بالاحتفال بمولده، ورفع الشعارات وكتابة اللافتات، وإلقاء القصائد والمدائح، والتفنن في المأكل والملبس!
مفارقات عجيبة يعيشها مجتمعنا الاسلامي يحتفل بمولده عليه الصلاة والسلام وهو خارج عن طاعته، يرفع شعارا محمد قدوتي وهو في بعد عن سنته ومنهجه، بل وتراه قد تأسى بالغرب في شتى نواحي حياته.
ومن المفارقات التي عشعشت في مجتمعنا، والتي نراها عيانا:
- شاب يدعي محبته وطاعته للرسول صلى الله عليه وسلم، فتراه قد عصاه في أبسط المسائل قزع شعر رأسه، وضيق ملبسه، وتدرج في فعل ما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه!
- امرأة متبرجة ومتزينة بزينة يعجز اللسان عن وصفها، تنتظر في عيادة طبيب شعرت بأن الوقت قد طال فأخرجت جوالها ثم قامت بتلاوة القرآن الكريم، ومثيلاتها يدخلن إلى المسجد فيضعن حجابا فيصلين وما ان انتهت الصلاة حتى عادت إلى التبرج الذي كانت عليه!
- سياسيون من بلدنا يهتمون بالاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام، من أجل هدر المال العام، والاستفادة من هذه المناسبة لزيادة أرصدتهم، وياليتهم اكتفوا بهذا بل يدعون طاعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قتلوا العباد وخربوا البلاد!
وهناك الكثير من المفارقات التي يعيشها مجتمعنا الإسلامي، والتي تُظهر لنا أنه في بُعد كبير عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فإن هذه الأسباب أدت إلى النتائج التي نعيشها اليوم، أننا أصبحنا أمة ضعيفة تداعت علينا الأمم كلها، ولم نع قول الله تعالى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْ)، تركنا فعل الشرط فابتعد عنا جوابه، والجزاء من جنس العمل، لكن جواب الشرط لا يزال يتأمل ويتلهف عودة الأمة إلى طاعة نبيها عليه الصلاة والسلام، حتى يعود في ربوعها.
نسأل الله أن يردنا إلى دينه ردا جميلا.
والحمد لله رب العالمين.
مقال خاص بموقع الهيئة نت
