ما من مظلوم إلا ويحب تلك اللحظة التي يرى فيها ظالمه قد وقعت عليه عدالة السماء، كيف لا وقد وقع عليه ما وقع من ظلم واضطهاد وتعذيب ومرارة عيش، وكل ما له صلة بالظلم.
بيد أن هذه اللحظة المنتظرة لها أسبابها المحققة لها، والمنجزة لوعد الله تعالى الذي قطعه للمظلوم (( وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّك وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ))، ومن أسبابها كثرة الدعاء على الظالم، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي -صلى الله عليه وسلم – بعث معاذاً إلى اليمن وقال: ((اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب)) رواه البخاري ومسلم .
وإذا أنعمنا النظر في كثير من مواقف السيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي؛ فإننا سنجد الكثير من القصص التي تبين لنا أثر دعوة المظلوم، والنتائج التي تحققت بها، ونبتدأ بقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض، أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ، إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغَيَّرُ شَيْئًا لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ : فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ :اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعَدَّ السَّابِعَ، فَلَمْ يَحْفَظْ "رواه البخاري.
ولا بد لنا من وقفة مع هذا الحدث الكبير الذي وقع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنتصور حجم المأساة التي وقعت به؛ حتى إن ابن مسعود قال: ((وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغَيَّرُ شَيْئًا لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ))، وأنا على يقين أن ابن مسعود وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم تمنوا في تلك اللحظة أن تنزل عقوبة بأولئك الكفار، وأن تتحقق دعوة المصطفى عليه الصلاة والسلام عليهم، ومرت السنوات وتحققت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهاهو ابن مسعود يقول: ((فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْر)).
ومما يجب بيانه أن ما بين دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم، وما بين وقوعهم قتلى يوم بدر ما يقارب عشر سنوات، لنعلم أن من الواجب على المظلوم أن لا يستعجل الإجابة بل عليه أن ينتظر مصير الظالم، ولو بعد حين.
ومن القصص الأخرى التي ذكرها التاريخ لنا ما حدث مع البرامكة وزراء الرشيد الذين كان منهم ما كان، كانوا في نعمةٍ من الله؛ لكنهم ما صانوا نعمته، تكبروا وتجبروا وظلموا عباد الله عز وجل، وظنوا أنهم في بُعدٍ عن قبضة الله تعالى، ويُسلط الله عليهم الخليفة فيقتل منهم من يقتل، ويدخل السجن منهم من يدخل، ويضرب أحدهم ألف سوط ثم يُدخله السجن وهو من كبارهم.
فيأتي أحد أبنائه يزوره، فيقول: أبتاه بعد العز أصبحت في القيد؟ - كانت قصورهم مطلية بالذهب والفضة- أين الذهب والفضة يا أبتاه؟ قال: ألا تدري يا بني؟ قال: لا. قال: دعوة مظلوم سرت في جوف الليل نمنا عنها وليس الله عنها بنائم.
إعتراف من ظالم تكبر على خلق الله بأثر دعوة المظلوم، ما أعظمها تلك اللحظات التي يرفع بها المظلوم يديه إلى ملك الملوك الذي تعهد له بنصرته فيقول: رب إني مظلوم فانتصر!.
وهاهو ابن الفرات يعتدي على بستان امرأة في عهده ويأخذه منها، فقالت له: اتَّقِ اللهَ فالدارُ داري، والله لأدعُونَّ عليك. فقال مُستهزِئًا: انتظري الثُّلُثَ الأخيرَ. فانتظرَت الثُّلُثَ الأخيرَ وهي تدعُو، فجاء الخليفةُ وغضِبَ وأخذَ ابنَ الفُرات، وجلَدَه وقطعَ يدَه وعلَّقَها عند باب الخِلافة. ومرَّت عليه وإذا هو يُجلَدُ في الظَّهيرة، فقالت: جزاك اللهُ خيرًا على نصيحتِك بثُلُث الليل الأخير، ثم قالت:
إذا جارَ الوزيرُ وكاتِباهُ وقاضِ الأرض أجحفَ في القضاءِ
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ لقاضِي الأرض من قاضِي السماء
وبعد ما قدمته من عرض موجز لأثر دعوة المظلوم؛ فإني أوصي كل مظلوم في أمتنا عموما، وفي بلدي العراق خصوصا أن يستثمر هذه اللحظات وأن يمد يده إلى رب الأرض والسماوات، وأن يدعو على من ظلمه واستباح أرضه ودمه، فهو السلاح الذي لا يُخطئ.
لكل نازح هُجر من داره، ولكل من يسكن تلك المخيمات، ويعاني فيها ما يعانيه من مرارة عيش، وحرارة صيف، وبرد شتاء، لكل من مكث عند جسر بزيبز ينتظر شفقة ممن ظلمه، لكل معتقل يعيش في سجون لا يصح أن نطلق عليها سجونا، عليك أن تعلم أن الله تعالى مطلع عليك، ويعلم نجواك، ويسمع دعواك، ولتتيقن أنه ما من أحد يكشف الضر عنك إلا رب العزة جل وعلا؛ في وقت تخلى عنك القريب والبعيد، وتنّكر منك من داهن المحتل وأتباعه من أبناء جلدتك، وأصبحت عندهم سلعة يتاجرون بك فيما يسمى بالمحافل الدولية.
أقول لك أيها المظلوم ستأتي لحظة الانتقام تلك التي يشفى بها صدرك، ويذهب بها غيظ قلبك، فارفع يديك إلى الله تعالى، فأنت أقرب إليه من أي وقت مضى، وليس بينه تعالى وبين دعوتك حجاب، وبعدها انتظر مصير من ظلموك وهجروك وباعوك، وتذكر قول الله تعالى: (وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ) [ الشعراء227].
نسأله تعالى أن ينتقم لنا ممن ظلمنا وظلم عباده المؤمنين.
والحمد لله رب العالمين.
خاص بموقع الهيئة نت
