هيئة علماء المسلمين في العراق

خير مربّ في الزمان أحداثُ / د. بشار النعيمي
خير مربّ في الزمان أحداثُ / د. بشار النعيمي خير مربّ في الزمان أحداثُ / د. بشار النعيمي

خير مربّ في الزمان أحداثُ / د. بشار النعيمي

إن من الأهمية بمكان أن يقف المسلم بين الفينة والأخرى وقفة متأمل في واقع الحياة، يصوب فيها البصر والبصيرة، ويُعمِل الفكر في كل ما يجري حوله، فهو يرى مشاهد وأحداثاً تقع في هذه الحياة قد تكون متشابهة في كثير من وقائعها علىالرغم منالاختلاف في صورها، لكنه يدرك تمام الإدراك أن هذه الأحداث ستعيد كرتها مراراً على واقعهــ وإنْ بَعُد مكان وزمان وقوع هذه الأحداث ــ فيخلص من هذه القراءة الواقعية للأحداث برؤية واضحة جلية في اختيار السبل الناجعة في التعامل مع الأحداث، كما يضفي عليه التشخيصُ المناسب للاحتمالات الواردة بين ثنايات الأحداث قابليةً عالية للتكيف مع واقع تلك الأحداث التي لا مناص من الوقوع فيها. 


وهذا المنهج في الإفادة من الأحداث ليس وليد العصر، ولا هو بالفكرة الجديدة، بل هو الطريق والسبيل الذي وردت في بيانه آيات من الذكر الحكيم، وأرشد إليه ــ قولاً وعملاً ــ رسولنا المصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم، أما ما ورد من آيات القرآن الكريم فقد قال الله عز وجل: ((أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ )) [سورة البقرة: 214]، فقوله سبحانه: (أَمْ حَسِبْتُمْ) خطاب للمؤمنين على وجه التشجيع لهم، والأمر بالصبر على الشدائد، وقوله تعالى: (وَلَمَّا يَأْتِكُم) أي لا تدخلون الجنة حتى يصيبكم مثل ما أصاب من كان قبلكم، وقوله جل وعز: (مَثَلُ الذين) أي حالهم؛ وعبَّر عنه بالمثل لأنه في شدته يُضرب به المثل، وقوله تبارك وتعالى: (وَزُلْزِلُواْ) بالتخويف والشدائد، أليس هذا منهجاً تربوياً بالأحداث لتحمل الشدائد والمحن؟ ولكي تأخذ الأمة العبر والعظات وترسم الخطوات في التعامل مع الأحداث في اتجاهين سليمين قويمين وهما:


الأول: التخفيف من وطأة الأحداث، والتقليل من آثارها على الأمة، حينما تلاقي الأحداثُ نفسُها  
        حسنَ تعامل وتدبير من أفراد الأمة.


الثاني: الثبات واكتساب مزيدٍ من القوة، وفي ذلك قيل: الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه.


وهذا جانب مشرق من جوانب خيرية هذه الأمة في تحويل الأحداث الجسام إلى منهج تربوي في الحياة.


أما بيان المنهج النبوي في التربية بالأحداث فقد كان النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ يرشد الصحابة الكرام إلى الإفادة من الأحداث الماضية في التصبّر والثبات، فقد قال الصحابي الجليل خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ " [رواه البخاري في صحيحه بالرقم: 3343]، وكما كان الرسول ــ عليه الصلاة والسلام ــ يرشدهم بالقول كان يرشدهم بالعمل أيضاً، فقد عاين الصحب الكرام النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يحتمل أشد الشدائد، ومختلف أنواع الإيذاء، فلم تدع قريش وحلفاؤها أيَّ لون من ألوان الأذى إلا فعلته مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وما زاده ذلك إلا ثباتاً وإصراراً على المضي قدماً في نشر الإسلام في ربوع الأرض، ودارت الأيام وتتابعت السنون، وتعاقبت الأحداث تترا الحدث تلو الحدث، وما زاد ذلك أمتنا إلا قوة وثباتاً.


وها هو التاريخ يعود من جديد ليلقي بأثقال وأعباء على أمتنا، بأشكال متنوعة من المحن والشدائد تطوق أمتنا من كل اتجاه، لكنالغيارى من أبناء أمتنا وقفوا بكل صلابة وقوة تجاه تلك الخطوب، وأحسنوا التشخيص والتعامل معها بحكمة عظيمة، فقد تنوعت مخططات الأعداء في النيل من حصوننا، فتارة يكون ذلك باحتلال بلداننا، وتارة بمحاولة تسميم مفاهيم أجيالنا، وتارة بزرع الشقاق بيننا، واستخدموا لتحقيق ذلك النفوسَ الرخيصة المتمثلة بأنظمة الحكم التي دأبت على الخيانة والعمالة، فعبدوا لهم الطريق، وذللوا دونهم الصعاب، وساموا شعوبهم سوء العذاب، وأقاموا حول المدن الصامدة بوجه الطغاة حواجز الإسمنت والفولاذ، لكنهم لم يجنوا ولن يجنوا ــ من ذلك جميعاًــ غير الصَّغاروالخسران المبين، ومهما فعل الأعداء وكادوا فلن يستطيعوا الوصول إلى مفاصل القوة في أمتنا،ما دام أبناؤها متيقظين منتبهين ــ انتباه الليوث في عرينها ــ إلى مخططات الأعداء ونواياهم الدفينة التي أفصحت عنها أفعالهم المشينة، ومستفيدين ــ في الوقت ذاته ــ من كل الأحداث التي عاشتها أمتنا على أرض الواقع في بعيد التاريخ وقريبه.


 إنه حقاً لمنهج فريد من نوعه في إعداد الأجيال، إنه منهج (التربية بالأحداث).   


 


مقال خاص بموقع    الهيئة نت    


 


أضف تعليق