من يستقرأ تاريخ ظلمة الماضي ويقارنه بظلمة الحاضر يجد أن أول إجرام يتخذونه بحق الشعوب المخالفة لهم حصار مدنهم وتجويعهم، وهدفهم من ذلك هو إخضاعهم لسلطانهم الجائر وطغيانهم الماكر.
فمما تعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في بداية الدعوة حصار قريش لهم؛ حيث نرى إن قريشا اتبعت هذه الوسيلة؛ لأنها رأت أن المسلمين في ازدياد، ولا بد لها من إيقاف دعوتهم، فاجتمع زعماؤها وخرجوا بقوانين جديدة نصت على أن لا يزوّجونهم ولا يتزوجون منهم، ولا يبيعون لهم ولا يشترون منهم، وأن لا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، وأن لا يقبلوا من بني هاشم وبني المطلب صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسْلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم للقتل.
وقد بلغ بالناس المحاصرين ما بلغ؛ فقد أنفقوا جميع ما يملكون، ولم يبق لديهم شيء من مال أو طعام أنفقت خديجة كل ما تملك، وأنفق أبو طالب ما عنده ،وأنفق كل بني هاشم ما عندهم، وكادوا يهلكون جوعا فاضطروا إلى أكل أوراق الشجر وكل ما ظنوه يسد رمقهم، يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "خرجت ذات ليلة لأبول فسمعت قعقعة -أي صوتاً- تحت البول، فإذا هي قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها، ورضضتها بالماء ، فتقويت بها ثلاثة أيام". وهذا يدل على مدى الحاجة التي وصلوا إليها، ومرارة العيش التي عاشوها بسبب الحصار.
وتحمل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه عناء هذه المقاطعة بصبر وجلد وكانت الآيات القرآنية تنزل لتزيدهم ثباتاً وتطالبهم بالصبر وتحدي الحصار والقطيعة.
ولم يُثن الحصار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نشر دعوته؛ فكان يخرج في مواسم الحج والتجارة يدعو كل من وفد مكة إلى الإسلام، وكان الحصار سببا في دخول كثير من الناس في الإسلام.
وصبر المسلمون على هذه المحنة ثلاث سنوات، وضحوا بكل شيء من أجل أن لا يتنازلوا عن عقيدتهم، وصبر معهم كفار بني هاشم وبني المطلب الذين أخذتهم الحمية على قبيلتهم.
وهذه الجريمة لم تختص بزمن معين، بل نراها سياسة يتبعها الظلمة في كل زمان، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْ) [ من سورة البقرة217]. فقتال أهل الباطل لأهل الحق له وسائل عدة، ومن أهمها حصار الناس وتجويعهم.
ومن ينظر في حال المسلمين اليوم في العراق وسوريا وفلسطين ودول إسلامية أخرى يجد حقيقة هذا الإجرام؛ فظلمة العصر استمدوا هذا الفعل الشنيع من ظلمة الماضي، وترى أن من يقوم بهذه السياسة الخبيثة في معظم بلاد المسلمين هم من أبناء جلدتنا، لكن باطنهم خبث ومكر على الإسلام وأهله.
وما تمر به مدننا المحاصرة كالفلوجة والرمادي وأجزاء أخرى من بلدنا خير دليل على ما نقول، فمن يسكن تلك المناطق؛ فإنه يعيش في حالة يُرثى لها من جوع وضنك عيش وقلة دواء وانعدام لكل مقومات الحياة، حتى إن كثيرا من العوائل التي تقطن تلك المناطق تعيش على وجبة واحدة في اليوم، ومنها من لا يجد إلا فتات الطعام، كل ذلك من أجل إرضاخ الناس إلى حكم الظلمة الجائر وسياساتهم المقيتة المبنية على القتل والاعتقال.
وحال أولئك الظلمة الذين تولوا شؤون المسلمين يتمثل بحال من ذكره الله تعالى بقوله: (وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ) [ البقرة 205-206].
فأفسدوا في الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، وآذوا العباد ودمروا البلاد، وتناسوا قول الباري جل وعلا: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ).
ومع شدة البلاء الذي تتعرض له مدننا من حصار وتجويع لا بد من الصبر، والثبات على المنهج الذي ارتضاه الله لعباده، وعدم اليأس والقنوط، ولنأخذ العبر والعظات من صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم على حصار قريش لهم، وما حدث معهم من الجوع وضنك العيش، وأن صبرهم كان سببا في دخول كثير من الناس في دين الله تعالى.
ومما ينبغي على المسلم الاعتبار به من هذه المقارنة أن يكون على استعداد دائم لمثل هذه المواقف؛ وأن يعلم أن صراع الحق مع الباطل مستمر، وأن أهل الباطل لهم أساليب كثيرة في قتال أهل الحق، لذا وجب عليه أن يتحزم لمثل هذه المواقف، وأن تكون عنده العزيمة التي تمكنه من الصبر والثبات.
وختاما لا بد أن نعلم أن الكفار مهما مكروا ودبروا؛ فإن لنا ربا سينتقم منهم، وينصرنا عليهم، لكن هذا الأمر مقرون بعودتنا إلى الله تعالى.
نسأل الله أن يفرج عن إخواننا المحاصرين في بلدنا وجميع بلاد المسلمين
والحمد لله رب العالمين
خاص بموقع الهيئة نت
