هيئة علماء المسلمين في العراق

رسائل نازح لا مجرد مناديل / جهاد بشير
رسائل نازح لا مجرد مناديل / جهاد بشير رسائل نازح لا مجرد مناديل / جهاد بشير

رسائل نازح لا مجرد مناديل / جهاد بشير

لا يملك أحد في قلبه مثقال ذرة من إنسانية إلا أن يُطلق آهاته الممزوجة بدموع الأسى؛ وهو يرى ذلك الطفل الذي لم يبلغ العاشرة من عمره يتجول في شوارع العراق بساعة من الليل متأخرة وفي أجواء شاتية لا ترحم؛ يبيع مناديل ورقية بسعر في منتهى الزهد؛ ليعين أهله في معيشتهم بعدما أجبروا على النزوح من مدينتهم في مكان ما بهذا البلد الذي لم يعرف طعم الاستقرار وطيب الحياة منذ عقد ونصف.


ولعل هذا المشهد هو الأقل إيلامًا من بين مئات الحالات المأساوية التي وُضع أطفال العراق رهن قيودها، ولاسيما أبناء النازحين والمهجّرين قسرًا من مدنهم ومحافظاتهم، وكأن عليهم أن يدفعوا أرواحهم ومستقبلهم ضريبة لطلبهم الحياة وثمنًا لمبادئ تربوا عليها في مقاومة العدوان ورفض القبول بواقع الذل والعبودية التي حاول الاحتلال مسبقًا فرضه عليهم، وواصل عملاؤه من طواغيت العملية السياسية إكمال محاولاته وتنفيذها.


وعلى الرغم من أن المقاومة التي أبداها السنّة في العراق تجاه هذه السياسات فريدة من نوعها؛ بصمودهم وثباتهم وإبائهم وهم يصدون المشاريع الصليبية الصفويّة الرامية إلى طمس هوية البلاد الإسلامية وتمييع عقيدة أهلها، وصبغ شعب العراق بألوان منتقاة ومختارة وفق معايير معينة تنتج في النهاية أرضية خصبة لتنفيذ مشاريع الاحتلال بكافة صوره؛ إلا أن مطرقة وسندانًا ما زالا يعملان بجهد ويستهدفان نقاط ضعف في جسد الأمة لا يجرؤ على الاقتراب منها إلا ظالم أثيم، ومتجبر فاقد لمعاني الإنسانية يصدق عليه تندر بعض الفضلاء بالقول: "إن فرعون ليستحيي من صنيعه".


ذلك كلّه فضلاً عن عوامل أخرى تظافرت معه؛ ولّد بمجموعه ظاهرة النزوح في العراق، التي نجمت عنها واحدة من كبرى المشكلات التي تشهدها الأمة الإسلامية والعربية منها على وجه خاص؛  بيد أن شهود الأمة هذا ورقي وصوري ليس له على أرض الواقع العملي شيء يذكر مع الأسف؛ إلا محاولات محدودة على استحياء يتطلب الحال استثناءها من وصف الذم، رغم أنها لم تقدم ما يُظهر لها أثرًا واضحًا كونها محدودة وضئيلة قياسًا بحجم المشكلة المفرط.


وبالعودة إلى جوهر الموضوع؛ فإن الناظر إلى الساحة العراقية اليوم؛ لن تخفى عليه ظلامية المستقبل القريب وهو يرى هذا الكم من الأطفال المشردين الذين ألجأتهم الأحوال المريرة إلى سلوك لا يتناسب وأعمارهم البريئة، من عمل شاق وتجوال خطير في الشوارع ـ التي لا يمر نصف يوم فيها إلا ويقع انفجار أو قصف ـ في ليل أو نهار، فقط من أجل تأمين لقمة العيش، تاركين مدارسهم ويلفهم نسيان تام للتعليم ومتعلقاته، وهاجرين ما يسمى مجازًا "منازلهم"، ولا يمكن لأحد أن يتجرأ ليقول إنهم تركوا فراشهم الدافئ وطعامهم المشبع؛ فإن القول بذلك في حد ذاته جريمة تعاقب عليها الإنسانية ويحتج الضمير بسببها ويعلق العقل وظيفته دونها.


يقول أحد المراقبين للوضع في العراق من زاوية ضيقة أحادية؛ إن أطفال النازحين السنّة كبروا بضعف سنوات أعمارهم قبل أوانهم بتحملهم لمسؤوليات لا ينبغي أن تناط بهم، وتجرؤهِم على مزاولة أعمال لا قبل لمن في سنّهم  بها، وذلك صحيح لو أن حالهم كان مقتصرًا على هذا فقط؛ فإن ما غاب عن هذه الرؤية مما هو أكثر أهمية أولى بأن يبعث على قلق بالغ، ويكفي أن يُتصور الحال بعد عشر سنوات حينما يبلغ الطفل هذا رشده وهو لا يُحسن إلا الصراع على قوت العيش، وليس له هم في الحياة سوى ذلك؛ فلا علمًا يَنتفِع ويَنفَع به، ولا تعليمًا أو دراسة، ولا ثقافة ولا تأهيلاً، وبالطبع فإنه أو أهله غير مسؤولين عن ذلك بالمرة، ونقولها بكل ثقة؛ لا يتحملون أدنى مسؤولية عن هذا الحال، لكنه واقع لا يُخفى، وحقيقة لا تُحتجب، وأمر له خصومة لا صُلح فيها مع التجاهل.


يقول الطفل صاحب المناديل - بعدما استعرض له أحدهم سلسلة من أسماء السياسيين السنّة - إنه لا يعرف أحدًا منهم، وهو صادق بلا شك، فالبراءة التي في عينيه تؤكد ذلك ونعومة صوته الحبيس بين قيد الخوف وأغلال الضعف تكشف حقائق جمّة لا تعرف إلى الكذب طريقًا، رغم أن السؤال في حد ذاته خاطئ؛ لكن على ما يبدو فإن صاحبه أراد أن يوصل رسالة، لا ندري إن كان المعنيون قد اطلعوا عليها - وبالطبع لا يفرق الحال باطلاعهم من عدمه - ولكنها شهادة لله وللتاريخ، ومعذرة إلى الله الذي وعد عباده بأنه لن يدع ظالمًا إلا وكبّه في قريب من الوقت أو في آجله، والله تعالى لا يُخلف الميعاد.


وإزاء صدق ذلك الطفل الأنباري البريء؛ فإن الشجاعة التي تحلى بها في موقفه؛ تفوق بمراحل لا تُحصى ما يدّعيه أولئك النفر من أدعياء السنة في العملية السياسية؛ الذين لم تبق لهم من صفات الرجولة إلا كونهم ذكورًا، بينما الجوانب الإنسانية الأخرى فقد باعوها بثمن بخس لم يقبضوه حتى الآن، ولا يبدو أنهم سيظفرون بمعشاره، لأن الواقع وتجارب الحياة تؤكد أن أصحاب العمالة - أمثالهم - لن ينتهي بهم المطاف إلا وهم يُقبّلون شسع نعل ولي نعمتهم قبل أن يركلهم إلى أقرب بوابة تؤدي إلى مزبلة التاريخ التي ما تزال تتسع للكثير.


خاص بموقع    الهيئة نت    


 


 


أضف تعليق